صنعاء 19C امطار خفيفة

الفساد والاستبداد ليس طبع سكان الهضبة والمثلث

السلطة، بحكم طبيعتها، تميل إلى الاستئثار والمحسوبية، وهذه ليست سمة مرتبطة بجماعة بعينها أو بمنطقة دون أخرى، بل خاصية ملازمة لكل سلطة بشرية منذ نشوء أول تنظيم سياسي وحتى اليوم. فكل من يمتلك السلطة تتوافر له إمكانية الوصول إلى الموارد العامة والامتيازات والمكانة الرمزية والاجتماعية، وهو ما يسهل له توجيهها لصالحه ولصالح من يرتبطون به عائليًا أو اجتماعيًا أو قبليًا أو جهويًا أو حزبيًا، فيما يمكن تسميتهم بعصبة الحاكم.هذه حقيقة تاريخية عامة، مشتركة بين جميع الشعوب والحضارات والثقافات، ولم تُستثنَ منها أي منطقة أو جماعة بشرية.


الفرق الحقيقي لا يكمن في "نزاهة" أو "أخلاق" من يتولى السلطة، ولا في انتمائه الاجتماعي أو خلفيته الثقافية، بل في وجود أو غياب القيود التي تكبح هذه السلطة. فالاستبداد والاستحواذ الشخصي والعائلي والحزبي يُحد منه، وفي الغالب لا يلغى تماما، حين تُقيَّد السلطة بضوابط قانونية ومؤسسية واضحة، أو حتى بضوابط عرفية راسخة وغير مكتوبة. أما حين تغيب هذه القيود أو تُفرَّغ من مضمونها، فإن السلطة تُمارس بطبيعتها السيئة، بغض النظر عمّن يمسك بها. وأمامنا مثال حيّ في ممارسات ترامب داخل الدولة التي تتربع على قمة سلم الحضارة البشرية.
في الحالة اليمنية، ولتبسيط واقع معقّد، ولخلق خصومات وكراهية داخل المجتمع، ولتبرير مشاريع التمزيق، جرى تصوير المشكلة على أنها مشكلة "جماعات شريرة بطبعها"، وبالتالي جرى تسويق العزل أو الإقصاء أو الانفصال بوصفه الحل. فتم تصوير مشكلة الجمهورية اليمنية على أنها ناجمة عن استبداد وهيمنة الشماليين على الجنوب، وفي الشمال جرى الترويج بأن أصل المشكلة هو "الهضبة". أما في المحافظات الجنوبية فيُقال إن مشاكلها تكمن في هيمنة "المثلث" وفساده، وفي تعز يروَّج البعض أن مشكلتها هي فساد وبلطجة "المخاليف"، وفي مأرب يُشار إلى حزب الإصلاح والمحسوبين عليه بوصفهم أصل الفساد والمشكلة.
وغدًا، لو افترضنا أن تهامة حصلت على سلطة محلية مستقلة، فسيُقال إن "الزرانيق" هم مشكلة تهامة إذا أصبحوا هم عصبة الحكم فيها. وينطبق الأمر نفسه على حضرموت، حيث سيُتَّهَم من يسيطر عبر عصبيته – أيًا كانت – بالطغيان والاستحواذ، وهكذا تستمر الدائرة بلا نهاية.
التجربة اليمنية الحديثة تؤكد بوضوح أن شخص الحاكم أو المسؤول وخلفيته الاجتماعية أو الثقافية ليست سبب الفساد والاستبداد. فعندما تولى عبد ربه منصور هادي السلطة، اعتمد على أسرته وأبناء منطقته من أبين وشبوة، وجرت عملية تمكين واسعة لهم في أهم المواقع الحساسة، كما شُكِّلت معظم القوات العسكرية التي استحدثها من أبناء تلك المحافظات. وكان سلوك هادي، في هذا السياق، أسوأ بكثير من سلوك سلفه علي عبد الله صالح، الذي كانت تلك الممارسات نفسها أحد أسباب الثورة عليه، ومجي هادي.
وتكرر الأمر بصورة أكثر فجاجة في نطاق سلطة عيدروس الزبيدي، كما تكرر – وإن بأدوات مختلفة – مع حزب الإصلاح في مناطق سيطرته المحدودة، حيث مورست المحسوبية الحزبية والقبلية والجغرافية في مأرب وتعز. أما الحوثيون، فلا يحتاج سلوكهم إلى كثير شرح؛ إذ مارسوا المحسوبية السلالية والطغيان بصورة أكثر قبحًا ووضوحًا ممن سبقهم، وربما ممن سيأتي بعدهم.
جوهر المسألة ليس أن هؤلاء "أكثر فسادًا بطبعهم" من غيرهم، بل أن السلطة حين لا تُقيَّد تتحول تلقائيًا إلى أداة نهب وطغيان. والاختلاف يكون فقط في الأسلوب: فتكون ممارسة بشكل فج وفوضوي من قبل البعض، أو استحواذ ذكي ومبطن يقلل من ردود الفعل المعارضة من قبل غيره.
ومن هنا، فإن حل مشكلة الاستبداد والطغيان لا يكون بالقول إن هذه الفئة أو تلك لديها "مشكلة جينية" يجب عزلها أو إقصاؤها؛ كأن نضع الهضبة في إقليم نخترعه ونسلمه للحوثي كما فعل هادي واليسار القروي، أو نعزل "المثلث" ونجعل لعدن حكمًا ذاتيًا يمنع سيطرة قبائل المثلث وبدو أبين عليها، أو نُخرج "المخاليف" من تعز ونستبدلهم بغيرهم. فالتجربة تؤكد أن الصورة ستتكرر في كل مرة؛ فكلما أُبعد طرف بدعوى أنه أصل المشكلة، جاء غيره ليقوم بالدور نفسه، وغالبًا بصورة أشد فسادًا واستبدادًا، بسبب الفوضى وانهيار المؤسسات وتكثف التدخل الخارجي.
الأمر لا يتعلق بكون هذا قبليًا أو ذاك هاشميًا أو مدنيًا، ولا بكون هذه المنطقة "أفضل أخلاقيًا" من غيرها. الجميع يفسد حين تتاح له سلطة غير مقيدة. وقد رأينا من كانوا يقدّمون أنفسهم بوصفهم "تقدميين" و "ثوريين أطهار"، كيف فاق فسادهم فساد من كانوا يصفونهم بالقبائل المتخلفة، بمجرد حصولهم على حقائب وزارية ومواقع نفوذ.
الخلاصة أن المشكلة ليست في الأشخاص أو الجماعات، بل في طبيعة السلطة حين تُترك بلا ضوابط. والحل لا يكمن في العزل والانقسام وتبادل الاتهامات، بل في بناء منظومة قانونية ومؤسسية حقيقية تُقيِّد السلطة، وتمنع تحولها إلى أداة استحواذ وطغيان، أيًا كان من يتولاها.

الكلمات الدلالية