صنعاء 19C امطار خفيفة

أمة السلام الحاج: السلام الحقيقي يبدأ بكشف مصير المخفيين قسراً

في بلدٍ أنهكته الحرب وتكسّرت فيه حيوات آلاف الأسر على أبواب السجون، يظلّ ملف المختطفين والمخفيين قسرًا واحدًا من أكثر جراح اليمن إيلامًا، وأكثرها إلحاحًا على الضمير العام. وبينما تتحوّل قضايا الناس في كثير من الأحيان إلى أرقام في نشرات الأخبار، تقف "رابطة أمهات المختطفين"  كصوتٍ مدنيٍّ قوي، يرفض الاصطفاف، ويتمسّك بحقٍّ بسيط: معرفة المصير وعودة الغائبين إلى بيوتهم.

في هذا الحوار، تستضيف الزميلة رحمة حجيرة، الأستاذة أمةالسلام الحاج، رئيسة رابطة أمهات المختطفين، لتروي من قلب التجربة كيف بدأت الفكرة وسط موجة الاعتقالات التي أعقبت سقوط صنعاء في 2014، وكيف تحوّل الألم الشخصي والجماعي إلى عمل منظم: رصد وتوثيق، وقفات وبيانات، ومناصرة امتدت من أمام السجون إلى منصات المجتمع الدولي. كما تتحدث عن التضييق والتهديدات التي واجهتها الأمهات، وعن تعقيدات الملف حين تتعدد أطراف الانتهاكات، وتصبح الحقيقة نفسها هدفًا للملاحقة.

حوارٌ يضعنا أمام سؤالٍ مركزي: كيف يمكن لبلدٍ يبحث عن سلامٍ حقيقي أن يتجاوز الحرب، بينما ما يزال أبناؤه مجهولي المصير، وأمهاته عالقات بين الانتظار والخوف والرجاء؟

"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

أمة السلام الحاج

  • رحمة: مرحبًا مشاهدينا في حلقة جديدة من برنامج حكايتي.
    ضيفة جديدة في بلاد أنهكتها الحروب وتفرّقت فيه الرايات، تبرز امرأة تحمل مصباحًا من قلب العتمة؛ ليست ضد طرف ولا مع طرف، بل مع إنسان واحد اسمه المختطف.
    افتحوا الطريق أمام الأمهات والآباء، وأمام أطفال ينتظرون بابا يفتح ورسالة تطمئن.
    صوتها يقترح السلام، لا بوصفه خطابًا عاطفيًا، بل بوصفه خطة عمل: كشف المصير، سجلات علنية، تبادلات إنسانية، وزيارات لا تُمنع، وأنشطة وفعاليات توعوية.
    هنا نبدأ من حق بسيط وواضح: أن يعود كل إنسان يمني إلى اسمه وبيته وضحكته، إلى أبنائه.
    ونضع أيدينا على حجر الأساس: عدالة انتقالية تُواسي، وحقوق لا تتجزأ، ومسار سلام يُقاس بعدد الأبواب التي فُتحت لا بعدد الشعارات التي رُدِّدت.
    مشاهدينا، رحّبوا معي بالأستاذة المناضلة أمة السلام الحاج، رئيسة رابطة أمهات المختطفيين، المرأة التي حظيت بزوجٍ ساندها كثيرًا، وأهلٍ احتضنوها، وأبناءٍ دفعوا ثمن نضالها حبًّا بها. وبحزب أهلها لتدافع عن المختطفين والمختفين قسرًا.
    مرحبًا بكِ أستاذة في برنامج حكايتي.
    استاذة أمة السلام عندما بدأت الاعتقالات في 2014 بعد سقوط صنعاء، من أين أتت فكرة تشكيل رابطة للدفاع عن المختطفين والمعتقلين؟ ومتى كانت؟

أمة السلام الحاج: بالطبع، في 2014 تم اختطاف المواطنين بشكل كبير جدًا، والشيء الذي حدث أننا كنا قد شكّلنا هيئة للدفاع عن المعتقلين، وبدأت هذه الهيئة بالعمل، وكنتُ معها وبعض الناشطات والمحامين.
ثم تم اعتقال المحامين الذين كانوا في هذه الهيئة، وبدأ التضييق بشكل كبير جدًا على أي رجل يخرج في المسيرة أو المظاهرة التي نقودها نحن كنساء، ويتم اعتقال من يخرج أو يصوّر أو يوصل النساء.
فقررنا نحن النساء الموجودات من ذوي المختطفين أن نكون كيانًا مستقلًا نديره بأنفسنا، لأننا لا نريد أن نرفع عدد المعتقلين، ويكفي من هم في الداخل، لأننا لا نريد سوى إخراج هؤلاء الناس من السجون.
فاتفقنا مع بعضنا وشكّلنا رابطة أمهات المختطفين، وكانت الفكرة من جهتي، وأخبرت البنات بأن نؤسس هذا الكيان، بحيث إننا كنساء وأمهات نعلم بالوضع

  • رحمة: متى تم الإعلان عن الرابطة وأين

أمة السلام الحاج: أعلناها في تاريخ 18 أبريل 2016 من أمام سجن البحث الجنائي في صنعاء، وكان أول بيان لنا في الرابطة في ذلك اليوم. وتعرّضنا حينها للضرب، واستدعوا لنا نساء الشرطة في ذلك الوقت، وبدأن بمواجهتنا بالصواعق الكهربائية حتى نتحرك من ذلك المكان.

رابطة امهات المعتقلين

  • رحمة: كم كان عدد الشباب المختطفين خلال تلك الفترة؟

أمة السلام الحاج: وصلنا في هيئة الدفاع عن المعتقلين إلى عدد 12,000 مختطف، وكان العدد كبيرًا جدًا.

  • رحمة: هل كان ذلك في صنعاء فقط أم في مختلف مناطق اليمن؟

أمة السلام الحاج: في كل مناطق اليمن، وكانوا يجمعونهم إلى صنعاء.

  • رحمة: عندما أعلنتم عن الرابطة، كم كان عددكن أنتن كأمهات المختطفين داخل الرابطة؟

أمة السلام الحاج: كنا ثمانٍ مؤسِسات للرابطة، و30 امرأة من أمهات وذوي المختطفين اللواتي كن يأتين معنا في الوقفات، إلى جانب النساء من جيرانهن وأهلهن.
ثم بعد التضييق والضرب في كل مرة، كان العدد يتناقص، وبعدها كنا نخرج نحن العاملات في هذه الرابطة، وأمهات حقيقيات للمعتقلين في السجون.

  • رحمة: حينها تعرّضتم للتخويف والتهديد والإهانات، فمن كان يقوم بذلك؟ رجال أم نساء تابعون للحوثيين؟

أمة السلام الحاج: كانت البداية من الشرطة الموجودة في صنعاء، وجميعهم كانوا تابعين للحوثيين. كانوا يُؤمرون بقمع هؤلاء النساء، ويقولون: ماذا تعمل هؤلاء النساء هنا يصرخن ونحن في حالة حرب؟
فيتم ضربنا بالعصي، ثم يستدعوا الزينبيات. وكانت أول حادثة إعتداء علينا أمام مكتب النائب العام في 2016، من قبل الزينبيات. وكانت أول مرة يتم الاعتداء علينا من قبلهن بالعصي، لدرجة أن أمهات المختطفين دخلن في اشتباكات معهن، وكانوا يدافعن عن أنفسهن بعصي اللافتات التي كانت بحوزتهن.

زينبيات
لقد كان ذلك اليوم أشبه بمعركة كبيرة، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها اعتداء بالضرب على أمهات المعتقلين من قبل الزينبيات.

  • رحمة: هذا يعني أنكم تعرّضتم لعنف مباشر بالعصي وألفاظ نابية؟

أمة السلام الحاج: الألفاظ كانت منهن أو من الأشخاص الموجودين أو العسكر. وأيضًا تعرّضنا للاعتداء في المرة الثانية عندما وقفنا امام فندق شيراتون، عندما جاء المبعوث الأممي ولد الشيخ، ووقفنا أمام مقر إقامته. وفي ذلك اليوم كان الضرب والملاحقة من قبل العسكر.

  • رحمة: كيف كان موقف المبعوث الأممي والمجتمع الدولي؟ هل كان موقفًا جادًا وحازمًا أم متماهيًا مع الحوثيين؟

أمة السلام الحاج: كانوا فقط يتفرجون. ودخلت مجموعة منا لتسليمهم الرسالة، وبينما نحن في الداخل كان العسكر في الخارج يضربون بناتنا ويلاحقونهن في الشوارع.

  • رحمة: وهذه كانت الحادثة الثانية التي تعرضتي فيها أنتِ وأمهات المختطفين  للضرب؟

أمة السلام الحاج: نعم. وكان معنا كشف على أساس بدء الاتفاق في الكويت لعمل حل لهذه القضية، وأخذنا الكشوفات التي سجلنا فيها أسماء المعتقلين وسلمناها إلى المبعوث الأممي، على أساس أن يخرجوا أبناءنا من داخل السجون.
واكتشفنا فيما بعد أنهم ضيّقوا عليهم أكثر، ولم يعودوا يعتبرونهم مدنيين، وإنما أسرى كون اسماءهم موجودة في تلك الكشوفات واتهموهم أنهم مع "العدوان" بحسب توصيفهم.

  • رحمة: إلى أي مدى اختلفت معاملة الحوثيين لكم وللمختطفين بعد عاصفة الحزم؟ هل كان هناك تغيير عمّا قبل العاصفة، أم كان هناك تشديد أكثر؟

أمّة السلام الحاج: المعاملة نفسها، بل بالعكس زادت قسوة عمّا قبل. فمثلًا في عام 2014 كانوا يدخلونهم ويقومون بجلدهم، ولذلك قُتل معلم من بني مطر كان قد ضُرب وعُذِّب داخل السجن ضربًا أفضى إلى القتل. في البداية كانوا يعتقلون بسبب الخروج في مظاهرات، وعندما جاءت عاصفة الحزم انقلبت المسألة وأصبحت التهم تركيب شرائح، وأنهم مع العدو ويتجسسون، وإلى اليوم نفس النغمة ونفس الصوت.

عاصفة الحزم

  • رحمة: عندما بدأت عاصفة الحزم وأنتِ في صنعاء، ما أبرز ما علق في ذاكرتك حينها؟

أمّة السلام الحاج: الذي حدث هو زيادة وتيرة القصف على صنعاء، ودُمّرت كل البُنى التحتية. بعد ذلك اختفينا فترة معيّنة، ثم عدنا إلى أماكننا لأنه لا يوجد لدينا مكان آخر، وبعدها عاد أولادنا إلى المدارس ليكملوا دراستهم، ثم نُحدِّد ماذا نفعل. وكان ذلك في 2015 و2016، نفس القصة. بدأنا كما أخبرتك سابقًا نمأسس الرابطة ونعمل كرابطة. وقبل ذلك تم اعتقالي أنا ومجموعة من النساء في 2015، قبل تأسيس الرابطة، عندما كنا نعمل مع الهيئة من أجل ترتيب اعتصامات ومظاهرات. فتم اعتقالنا والزجّ بنا في السجن، إلى أن ثار الناس جميعًا على هذا الموضوع، كونه كانت المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال النساء، وخرجنا بسرعة في آخر اليوم.

  • رحمة: هذه حادثة تستحق التوثيق تفصيلًا. كيف تم اعتقالك، وفي أي ساعة، وكم ساعة بقيتِ في المعتقل؟

أمّة السلام الحاج: كما قلت لك، أخذونا من البيت عندما كنا مجتمعين، وكان ذلك قبل صلاة الظهر، وبعدها أدخلونا إلى سجن 14 أكتوبر.

  • رحمة: من المؤكد أن من قام باعتقالكنّ نساء، أليس كذلك؟

أمّة السلام الحاج: لا، ولكن تم اعتقالنا من قبل رجال.

  • رحمة: ليس من المعقول أن يكون رجال أمسكوا بكنّ وجرجروكنّ!

أمّة السلام الحاج: كانوا يخرجون ويُشيرون بأيديهم أن نسير لوحدنا. حاولت أن أتجاهل الأمر وأخرج وحدي وأمشي إلى وراء البيت الذي كنا فيه، فإذا بأحد العساكر يجري خلفي ويهددني بالوقوف، وقال: إذا لم أتوقف سيقوم بضرب رأسي بالآلي. صِحت وقلت: «يا ناس أغيثونا، يريدون اختطافنا»، ولكن لم يستجب سوى شخص واحد. ولهذا استغربت كيف أصبح المجتمع اليمني، ولا أعلم هل هو خوف أم ماذا؟ بالنسبة للشخص الذي أجابني قال: «الأمر عادي ولا يوجد شيء، اذهبي إلى النيابة، وإذا لم يكن عليكِ شيء سيُخرجونكِ».

  • رحمة: هذا يعني أنه أصبح من العادي في اليمن أن الرجال يعتقلون النساء ويحملوهن على سيارة. يا ترى ما هي السيارة التي أخذتنّ عليها؟ هل كانت سيارة شاص أم سيارة شرطة أم سيارة عادية؟

أمّة السلام الحاج: كنا قد جئنا بتاكسي أخذتنا به صديقتنا حتى نذهب لزيارة أحد أفراد أسرتها في السجن، فجاءوا وأخذوها معنا، وأخذوا التاكسي والسائق، وذهبنا جميعًا بالتاكسي إلى قسم الشرطة. وفي القسم لم يكن هناك مكان للنساء؛ أدخلوا الرجال إلى الزنازين، ونحن لم يجدوا لنا مكانًا، فوضعونا في مكتب وأغلقوا علينا. كنا نقول: ماذا نفعل؟ وما الذي فعلناه؟ وفي الأخير بقينا حتى العصر في هذا المكتب، حتى رتبوا غرفة الحارس ونقلونا إليها. وأنا صِحت من النافذة  وقلت: «هاتوا لنا على الاقل ماء لنشرب، نحن على الأقل ضيوف عندكم». وبعد ذلك جِئنَ المحققات يحققن، وقالت إحداهن: «هل أحضروكم إلى هنا من شقة؟ أنتِن كنتِن في شقة وأُمسكوا بكن من داخلها؟» فتفاجأت الشرطيات اللاتي كنا نعرفهن ونلتقي بهن في كل مكان وفي المناسبات، فرأينا  مجموعة مجلببات حالتنا حالة وكبيرات في السن. قالت إحداهن: «ما هذا؟» قالوا: «أحضروكم من شقة». فرددت عليها وقلت: «هذا الذي أمامك». فردت: «ما الذي أتى بكِن إلى هنا؟ فأجبت: «اسأليهم هم». المهم لاحظي أنه منذ بداية اعتقال النساء تكون التهم مباشرةً أخلاقية.

وقفة لأمهات المختطفين

  • رحمة: إلى متى بقيتِ في القسم، وتحديدًا في غرفة الحارس؟

أمّة السلام الحاج: بقينا في هذا المكان إلى الليل، وتجمع الناس والنساء، صديقاتنا ومن نعرفهن، أمام باب القسم. وجِئنَ نساء من جهة الحوثيين وحاولن ضرب النساء، وبفضل الله نزلت أمطار في ذلك  اليوم وهدأن جميعاً.
ودخلين النساء التابعات للحوثي يهددننا، ونحن كنا أقوياء. وجاء في ذلك اليوم من الناشطات أروى عبده عثمان، وعلي البخيتي، وغيرهم، جميعهم جاؤوا إلى القسم ليتابعوا قضيتنا. لكن أقسى ما في الموضوع أنهم قالوا يجب أن يأتي زوجي ليستلمني من داخل القسم. فكان يقول المسؤول في القسم: «هاتِ رقم زوجك»، قلت له: «لا أعرف». قال: «إذا لم تحضري رقم زوجك سأخذك إلى السجن المركزي الآن». قلت له: «أنا لست حافظة رقم زوجي، هاتوا تلفوني»، لأنهم كانوا قد أخذوا تلفوناتنا وبطاقاتنا وأشياءنا. بعد ذلك اتصلوا بزوجي وطلبوا أن يأتي أي أحد من أهلي لإخراجي، فجاء نجلي الكبير.

اروى عثمان وعلي البخيتي

  • رحمة: أستاذة، أنا أعتذر لأنني أقلب عليكِ المواجع وأعذبكِ أكثر من عذاب الحوثي، ولكن دعينا نجعل الناس يفهمون أكثر ما حدث والمعاناة التي مررتِ بها. عندما جاء نجلك، هل جاء وحده أم جاء مع آخرين؟ وهل رأوكِ وأنتِ في مكان الاحتجاز؟

أمّة السلام الحاج: أنا طلبت منهم أن لا يأتي زوجي، فجاء ابني الكبير ليستلمني من داخل السجن، وعمل تعهدًا أن لا أخرج ولا أتحدث، وأنه استلمني بضمانة أشخاص. والمفارقة في ذلك الوقت أن أولادي الكبار كانوا يخطبون لابني في الجزائر فتاة جزائرية، وكانوا يتساءلون كيف سيفعلون، لأنهم كانوا يخشون أن ترفضهم أسرة الفتاة لأن أمهم سُجنت.

  • رحمة: وكيف كان شعوركِ وشعور نجلكِ الأكبر عندما جاء لتسلُّمكِ من القسم؟

أمّة السلام الحاج: الحمد لله تم خروجي، واتصلت بأولادي وأخبرتهم أنه لا توجد أي قضية تستدعي الخوف، ولا يخافوا، والناس كانوا مقدّرين أن أمهم ناشطة وقوية إلى هذه الدرجة. وتمت الخطوبة على خير. وتم خروجي من السجن، بينما كانت أروى عبده عثمان تقول لهم: «هذه شخصية اعتبارية، ليست محتاجة أن يستلمها أحد أو يضمنها أحد».

  • رحمة: أريد أن أسألكِ سؤالًا، وأتمنى أن أحصل على إجابة صادقة كامرأة، وهو رسالة مهمة لكل النساء: هل ما حدث رفع معنوياتكِ أم أثّر عليكِ فيما بعد؟ بمعنى، هل عاتبكِ زوجكِ وأبناؤكِ وطلبوا منكِ أن تتوقفي ولا تورطيهم؟ وماذا كان ردّكِ؟

أمة السلام الحاج: بالطبع تمّت معاتبتي من الكثير من الناس، من بينهم زوجي، ولكن قلت لهم: هذا طريقي الذي اخترته، ولا توجد إمكانية للعودة إلى الوراء.

  • رحمة: في الأخير، هل قبلوا برأيك أم استمروا في مضايقتك والضغط عليك؟ وهنا أقصد تحديدًا زوجك وأسرتك؟

أمة السلام الحاج: من الأسرة لا توجد أي مضايقات، كانوا فقط يقولون: «اجلسي ولا تتحركي كثيرًا ولا تخرجي»، وكنت أقول لهم: تمام، وجلست فقط يومين.

  • رحمة: متى غادرتِ صنعاء؟ دعينا نقيّم مدة بقائك في صنعاء، ومتى خرجتِ منها؟ وهل كانت هناك أنشطة قمتِ بها باسم الرابطة في صنعاء؟

أمة السلام الحاج: تم توقيفي في مطار صنعاء لأنني كنت مشاركة مع منظمة في الأردن، وكان ذلك عندما كان مطار صنعاء مفتوحًا. ثم عدنا، وعندما عدنا كنت ألاحظ أن هناك إشكالية، وكنت أقول للأستاذ علي سيف حسن ، لأنه مسؤول عن هذه المنظمة: أعتقد أنهم سيمسكوني، دعني أعود من مكان آخر غير صنعاء. فقال لي: لا تهتمي.

مطار صنعاء ـ الارشيف
وعندما وصلت إلى المطار كنت في الطابور، وطلبت من اللاتي كنّ معي أن أكون في وسط الطابور، واحدة تتقدم وأخرى تتأخر، بحيث لو تم توقيفي تخرج الثانية وتُبلغ أنه تم توقيفي.
وعندما وصل الجواز إليهم طلبوا مني أن أتنحى جانبًا، وفي كابينة أدخلوني وأخرجوني إلى جهة أخرى تتواجد فيها نساء من الأمن، وقالوا: لماذا أتوا بكِ إلى هنا؟ قلت لهن: لا أعلم. قالوا: ماذا يوجد في حقيبتك؟ قلت لهن: حقيبتي معكم، فتشوها. وعندما فتشوها لم يجدوا شيئًا.
بعد ذلك تابع علي سيف حسن الموضوع، وكان ذلك في رمضان، وكانوا يغلقون المطار سريعًا حتى لا تأتي الطائرات وتقصف الأماكن المضاءة. ثم خرجت قبل المغرب بقليل، وبقيت معتقلة ست ساعات تقريبًا.

  • رحمة: هذا يعني أنه تم توقيفك في المطار ما يقارب ست ساعات، أليس كذلك؟

أمة السلام الحاج: تقريبًا.

  • رحمة: هل يمكن أن تخبرينا بنوعية الأسئلة التي وُجّهت لك أثناء التحقيق؟

أمة السلام الحاج: لم يكن هناك تحقيق. كنت عند شرطيات، وفي ذلك الوقت طلبن مني كتابة اسمي وسألوني: ما الذي حدث؟ وقلت لهن: لا أعلم. وكان علي سيف حسن يتابع مع قيادات الحوثيين حتى يتم الإفراج عني، وتم الإفراج عني بضمانة علي سيف، على أن أذهب يوم السبت إلى مقر الأمن القومي حتى يتم التحقيق معي.
بعد ذلك ذهبت يوم السبت مع علي سيف حسن إلى الأمن القومي، وقابلت المسؤول هناك، وكان تابعًا لجماعة الحوثي.

علي سيف حسن

  • رحمة: ماذا كانت الأسئلة التي يطرحونها لك تحديدًا؟

أمة السلام الحاج: سألني: لماذا خرجتِ؟ ولماذا تُخرجين النساء للتظاهر؟ قلت له: أخرجوا أبناءهن ونحن لن نخرج. وقال: بدل أن تتظاهرن تعالين  الى عندي. قلت له: إلى أين نأتي؟ وطلبت منه أن يعطونا أرقامهم حتى تتواصل النساء معهم لمتابعة أولادهن. قال: لا، هناك طرق.
وفي الأخير قال: إذا خرجتن مرة أخرى سأجعل أمهات الشهداء والجرحى يأتين ويقمن بضربكن. قلت له: لا مشكلة، لقد تعودنا على ذلك.

امهات المختطفين والمختفين قسريا

  • رحمة: دعينا نتوقف عند هذه النقطة. هل يعني أن أمهات الشهداء والجرحى يقمن بالاعتداء على أمهات المختطفين والمختفين قسريًا؟ ما هذه المعادلة التي وصلنا لها؟

أمة السلام الحاج: هم يقنعون هؤلاء النساء أنهن مع العدوان، وأنهن السبب في قتل أبناء هؤلاء النساء. بعد ذلك خرجت بتعهد على أن لا نخرج في مظاهرات إلا بعد أخذ الإذن منهم.
وبالطبع نحن في الرابطة نعمل بقلب الذي لا يقف في أي مرحلة معينة،  قلب أم تريد أن يخرج ابنها من السجن، وهذا العمل تحمّلناه مع الأمهات وناضلنا من أجله، وكان شعارنا في البداية: «حرية ولدي أولًا».

  • رحمة: من الملاحظ، أستاذة، أنك تناضلين بقلب أم. هل اعتُقل أحد أبنائك أو اختُطف من قبل؟

أمة السلام الحاج: نناضل بقلب أم لأن صديقاتي المقربات جدًا تم اعتقال أزواجهن وأبنائهن، هذا أولًا. الشيء الثاني الإعلاميون عبد الخالق وأكرم وعصام وهشام طرموم.


  • رحمة (مقاطعة):  فعلاً تعرضوا لأشكال بشعة من التعذيب حاورت من قبل عصام بالغيث ويحيى الجبيحي كانوا معتقلين في سجون الحوثيين، وقد سمعنا قصصًا تؤلم القلب، ولكن نريد أن نعرف عن أبنائك: هل تعرضوا للتهديدات؟ هل هُدد زوجك على سبيل المثال؟ ولماذا غادرتِ صنعاء؟

أمة السلام الحاج: أبنائي خرجوا من صنعاء من قبل. ابني رحيم خرج ليتدرب في قناة معين، وكان قد سبقهم جميعًا، والبقية خرجوا للدراسة، ولم يبقَ لدي إلا الأبناء الصغار. وعندما هددوا زوجي في الأخير نزحنا جميعًا إلى عدن.

  • رحمة: نزحتِ إلى عدن في 2017، أليس كذلك

أمة السلام الحاج: في 2017 أيضًا تمّت ملاحقتي. أحد أقاربي قالوا له إن هناك أمرًا بالقبض عليّ، وأنا اتخذت قراري من ذلك الوقت. ذهبت إلى البيت وأخذت كل أشيائي، وتركت عيالي جميعهم، وحتى ابنتي التي تعاني من إعاقة ذهنية عند أختها، وأخبرتهم أنني سأخرج إلى أخي في عدن وأبقى هناك حتى نرى إلى أين سيصل الوضع.

عدن
ثم خرجت، وفي تلك الأيام كانت هناك عرقلة في الطريق في الضالع، وجاء لي ابن أخي إلى نصف الطريق. وكانت قد أخذتني صديقتي وابنها إلى منتصف الطريق، وبعدها خرجت من صنعاء مثل الذي  يُقتلعوا واحد من قلبه. خرجت وصنعاء فيها كل ذكرياتي: حياتي وعمري وسنيني، أمي، أسرتي، زوجي، دراستي، وأولادي. خرجت منها وأنا أعلم أنني لن أستطيع العودة إليها في ظل هذا القمع الشديد.

  • رحمة: والأسوأ أنك تركتِ أبناءك الصغار وابنتك التي تعاني من وضع صحي صعب، ولكن رغم ذلك أصريتِ على المضي من أجل المختطفين.

أمة السلام الحاج: نعم. بعد ذلك خرجت، وعقب ذلك تم تهديد زوجي فلحق بي، وعندما أكمل أبنائي السنة الدراسية التحقوا بنا في عدن، وجلست هناك الى قبل ثلاث سنوات ثم انتقلت الى تعز.


  • رحمة: وهكذا انتقلتي من النضال في صنعاء الى النضال في المناطق  الخاضعة لسيطرة الشرعية والآن نريد أن نعرف خلاصة المشاريع والأنشطة التي قمتِ بها في رابطة أمهات المختطفين في اليمن، وفي صنعاء تحديدًا.

أمة السلام الحاج: أولًا، عندما أسسنا الرابطة عملنا على عدة جوانب: الرصد والتوثيق، الجانب الإعلامي، الجانب الاجتماعي، والدعم النفسي. وكانت هذه أبرز الأشياء التي اتفقنا على العمل عليها.
بدأنا بالجانب الإعلامي أو المناصرة لقضية المختطفين، وبدأنا بعمل الوقفات والبيانات وغيرها. ويمكن القول إننا عملنا أكثر من 300 وقفة، وأصدرنا بيانات وعملنا تقارير، منها التقرير الأول «أمهات على أبواب السجون»، والتقرير الثاني والثالث والرابع «أمهات على أبواب العدالة»، وتقارير نوعية خاصة بالنساء حتى لا يُنسى اسم أي واحدة من النساء في السجون، وتقرير «القبر الكبير» الذي كان حول القصف الذي استهدف كلية المجتمع في ذمار و«القوقعة السوداء» الذي يتحدث عن السجن المرعب في الحديدة.
وعملنا تقارير نوعية توضح هذه الحالات، ومن المهم جدًا طرحها، ونحن إن شاء الله سنرفعها على موقعنا حتى يطلع عليها من يريد.

  • رحمة: يبدو أنها كانت مؤثرة جدًا، وإلا لما كان الحوثيون يكررون محاولات اختطافك واعتقالك، ويطلبون ولي الأمر والضمانات. ولا بد أنهم تأثروا جدًا بما قمتِ به. ولكن ما هي أبرز الأنشطة التي تفخرين بها وشعرتِ من خلالها أنك أثّرتِ بعمق، ونحن هنا نتحدث عن صنعاء قبل أن ندخل فيما حدث في عدن؟

أمة السلام الحاج: بالطبع، الشيء الذي أفتخر به أننا أسسنا الرابطة وحددنا يومًا وهو «يوم المختطف اليمني»، وسميناه بهذا الاسم، ونحن نحتفل به في كل عام، وهو يوم 18 أبريل.
كذلك وصلنا صوتنا منذ  كنا في صنعاء إلى المبعوث الأممي والمنظمات الدولية وإلى كل مكان، وأظهرنا أن هناك مختطفين في سجون الحوثيين، وهذا أفتخر به كثيرًا، لدرجة أن هذه القضية ظلت حاضرة في كل المحافل والاجتماعات. وكلما كانت هناك لجنة تفاوض او اتفقوا  على اتفاق،  نحن  نكون  موجودات بتصريحاتنا وتقاريرنا، رغم أنهم  يغفلوننا ويتجاهلون وجودنا على الطاولة، لكننا كنا موجودات ونتابع هذه الاتفاقات وننشر، ونكرر أننا لا نريدهم أن يختلفوا بل نريدهم أن يتفقوا حتى يخرج أبناؤنا من السجون.

كلمة لأمة السلام في احدى الفعاليات الدولية
وهؤلاء مدنيون، ونحن نعمل مع المدنيين الذين لم يشاركوا في الحروب وتم  اخذهم من داخل بيوتهم. ونفتخر أننا ساهمنا وراجعنا كشوفات التبادل التي حدثت، وكنا نصحح على أساس: هل هذا موجود في السجن أم غير موجود، لأننا نوثق حالاتنا بشكل كبير.
وأنا فخورة بأن البنات اللاتي معي في الرابطة التي أترأسها وأديرها جميعهن نساء عاديات جدًا،  لا يفهمن شيئًا في مجال الحقوق، ثم تدربن وتأهلن، وأصبحت اثنتان منهن محاميتين، وكثيرات درسن علم النفس وغيرها، حتى نخدم هذه القضية بكل الطرق والأشكال.
كما أفتخر بالإعلاميات اللاتي اشتغلن معنا وتأهلن وتدربن على الإعلام الحقوقي. كل هذا أفتخر به، وأفتخر أنني ساهمت ولو بشيء بسيط في هذا العمل وتوصيل هذه الرسالة.

  • رحمة: أنتِ امرأة قوية، عانيتِ الكثير، وأنتِ مثال وقدوة لكثير من النساء اليمنيات. ولكن بعد انتقالكِ من صنعاء إلى عدن، تزامن ذلك مع تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي، ومع المضايقات التي مورست ضد عناصر حزب الإصلاح، وكان ذلك قبل اتفاق الرياض، وكذلك المضايقات التي طالت الشماليين. ما هي أبرز المضايقات التي تعرضتِ لها في عدن؟

أمة السلام الحاج: كما أخبرتكِ من سابق، نحن في رابطة أمهات المختطفين مؤمنات بالقضية، ولدينا قضية أبنائنا. وقد نذرنا أنفسنا وبدأنا نتكيف مع التطورات الحاصلة في اليمن، وبدأنا نجتمع أونلاين ونتابع العمل عن طريق الإنترنت. وعندما جاء كوفيد-19 جعلنا أكثر تمسكاً بهذه الطريقة في التواصل، وقد سهلت الأمر كثيراً بالنسبة لنا. استطعنا من خلالها أن ندير عملنا في الرابطة ونضمن استمراريتنا. وكما أخبرتكِ، نحن نعمل في عدة محافظات وليس محافظة واحدة، ومرة واحدة فقط اجتمعنا جميعاً في سيئون عام 2022، وذلك بعد حصولنا على مشروع من جهة ما، وكانت أول مرة نلتقي فيها كأعضاء في الرابطة، كون الكثير لا يعرفن بعضهن البعض، وفي منطقة نستطيع أن نقول عنها إنها محايدة.

  • رحمة: عندما وصلتِ إلى عدن، هل بدأتِ تفكرين أن هناك مختطفين في عدن ومأرب، أم كنتِ تركزين فقط على المختطفين لدى الحوثيين

أمة السلام الحاج: نحن عندما بدأنا الدخول مع الأمم المتحدة ونرسل الكشوفات، وتصاعدت وتيرة الانتهاكات وطال زمن الحرب، أصبحت الأطراف كلها تنتهك المواطنين، ولم يكن الحوثيون وحدهم، رغم أنهم في المرتبة الأولى في الانتهاكات ولا يضاهيهم أحد، ولكن هناك مختطفون في مأرب والساحل الغربي وعدن وتعز ومحافظات أخرى.


  • رحمة: هذا يعني أننا نستطيع القول إنكم أصدرتم بياناً على الأقل بشأن الساحل الغربي، وآخر بشأن السلطة في مأرب، أو المجلس الانتقالي، وآخر عن السلطة تعز، وليس جميعها كانت تركز على الحوثيين،   وذلك حتى نرى إلى أي مدى كنتم متخصصين في مجال الاختطاف والمعتقلين؟

أمة السلام الحاج: نحن عندما نصدر بيان على أنه تم اختطاف أحد، نذكر المسميات، مثلاً نقول: هناك معتقلين ومختطفين عند  جماعة الحوثي أو الشرعية بمسمياتها، نذكر كل طرف بمسمّاه، ولهذا نجد مضايقات من كل الجهات.

  • رحمة: واضح، وهذا لم يُبقِ لكم صديقاً، لذلك تضطرون للمغادرة من كل مكان تذهبون إليه. يا ترى، كيف قررتِ ترك عدن والذهاب إلى تعز؟

أمة السلام الحاج: حدثت مضايقات وضغوطات، فاضطررنا إلى الانتقال إلى تعز، أولاً من جهة الجو، وثانياً من جهة الأمن.

  • رحمة: متى انتقل مقر الرابطة إلى تعز؟

أمة السلام الحاج: نقلنا المقر الرئيسي من مأرب إلى تعز بحكم وجودي هناك، وأصبح في مأرب فرع. وبالطبع كان لدينا فرع في تعز فُتح عام 2018، وعندما نقلنا المقر الرئيسي إلى هنا طورنا هذا الفرع.

تعز - اليمن

  • رحمة: دعينا نقيّم تسع سنوات مضت على تأسيس رابطة أمهات المختطفين في اليمن. كم عدد الفروع الموجودة للرابطة في مختلف محافظات اليمن؟

أمة السلام الحاج: لدينا أربعة فروع، اثنان رسمياً، والباقي أونلاين؛ لأنها في أماكن غير آمنة.

  • رحمة: خلال تسع سنوات، كم كان عدد طاقم الرابطة وكم أصبح الآن؟

أمة السلام الحاج: في البداية، ولا بد أن يعرف الجميع أننا في رابطة أمهات المختطفين متطوعات، كنا وما زلنا، ولا يوجد لدينا دعم من أحد.

  • رحمة (مقاطعة): هل يعني ذلك أنه لا يوجد لكم دعم من الأمم المتحدة أو غيرها؟ إذاً، كيف أسستم الرابطة، وكيف تديرون النفقات التشغيلية؟

أمة السلام الحاج: أولاً، لم يكن لدينا مقر رئيسي أو لا احد مؤمن بنا. كانوا ينظرون إلينا كمجموعة من النساء، وأحياناً يصنفوننا تبع فلان وعلان. إلى أن منظمة مسار السلام، التي تديرها نساء، بدأنا نتواصل معهم، وبدأوا  يؤمنوا بقضيتنا وفتحوا لنا المجال ليكون لدينا مشاريع للرابطة. وقد حصلنا على مشاريع من الهولنديين، والسي فورود، وغيرها من المنظمات الدولية.

فعالية الدعم النفسي لامهات المختطفين

  • رحمة: هل كان هذا التمويل موجهاً للتأهيل ولنفقات تشغيل الرابطة؟

أمة السلام الحاج: لا يوجد في المشاريع شيء اسمه تشغيلية، ولكن يوجد بند صغير في المشاريع يمكن أن ننفق من خلاله. والمهم أن يستمر عملنا. وبطبيعة الحال، بنات الرابطة صبرين كبير جداً. وكنا مجموعة من المتطوعات، وأحياناً كنا نلجأ إلى فلان ونطلب منه مبلغاً مالياً من أجل المتطوعات، كحق مواصلات قد يصل إلى 20 أو 30 دولاراً. وبالنسبة للافتات والتقارير، الجميع يتعاون معنا، وهي دعم منهم، خصوصاً المؤمنين بقضيتنا والذين لا يريدون أن يظهروا.

  • رحمة: هذا ينطبق على كثير من منظمات المجتمع المدني في اليمن والشرق الأوسط، وفي العالم بأكمله.

أمة السلام الحاج (متابعة): الآن بدأنا ندخل في مشاريع عن العدالة الانتقالية وحفظ الذاكرة، ونُسيّر المشروع الذي يأتي لنا بحسب مناهج الرابطة.

  • رحمة: تطورتم من التضامن إلى التأهيل ثم المناصرة. دعينا نغلق الآن باب التضامن وندخل إلى المشاريع الأخرى. بدايةً، ما هو تعريفكِ للمختطف، أو كيف تعرف رابطتكم المختطف والمختفي قسراً وفق أدبيات الرابطة؟

أمة السلام الحاج: المختطف هو الذي أخذته جهات غير رسمية، والمخفي قسراً معروف عند الكل من هو. مثلاً، عند الشرعية نسميهم معتقلين تعسفياً، والمختطفون هم الذين أخذتهم جهات ليست شرعية. وعند الشرعية يكونون رسمياً معتقلين، وهذا عندنا في الرابطة. لكن عند الأمم المتحدة أو مكتب المبعوث الأممي يسمونهم محتجزين. أما نحن فنسمّيهم مختطفين؛ لأنهم اختُطفوا من جهات غير رسمية، سواء في عدن أو في صنعاء.

  • رحمة: أو في مأرب؟

أمة السلام الحاج: في مأرب وتعز هذه جهات رسمية، بمعنى أن السلطة المحلية هي من تقوم باعتقالهم.

  • رحمة: إذاً، خلال تسع سنوات، كم عدد المختطفين والمختطفات والمخفيين قسراً الذين ناضلتم من أجلهم وتبنيتم قضاياهم؟ نريد رقماً تقريبياً.

أمة السلام الحاج: بعد التبادلات وخروج كثير، أصبح العدد الآن (1020)، لأن الاختطافات ما زالت مستمرة، وهناك معتقلون لا يزالون في السجون بحدود (490)، وهم قدماء من عام 2015 حتى اليوم وما زالوا موجودين في السجن.
أما العدد الجديد، فتخيّلي أن الوتيرة مرتفعة؛ حينما يقوم الحوثي باختطاف الناس نقوم بتوثيقها، وزاد العدد، ونحن إلى الآن وثّقنا (1020).

  • رحمة: من أي عام وإلى أي عام؟ لأن هناك تقريرًا في 2017 وثّقتم فيه (712) حالة؟

أمة السلام الحاج: الآن زادت الوتيرة في كل عام، وبدلًا من أن يتناقص عدد المعتقلين يتزايدون. وكما يعلم الجميع، الآن باب التبادل متوقف، واللجنة متوقفة من الشرعية والحوثيين، لأن الحوثيين تعنّتوا، حيث تشترط اللجنة والشرعية ضرورة أن يأتي الحوثيون بخبر عن محمد قحطان، ولذلك أُغلق باب التبادل أو أي فرصة لإخراج المعتقلين من السجون. ولهذا، الاعتقالات لا تزال قائمة، وإذا تم الإفراج، يتم الإفراج عن واحد أو اثنين فقط.

محمد قحطان

  • رحمة: بالمناسبة، فيما يتعلق بالأستاذ محمد قحطان، المأسور لدى الحوثيين، هل تعتقدين أنه لا يزال على قيد الحياة؟

أمة السلام الحاج: لا توجد لدي أي معلومات، وأنا أعتقد أنه لا يزال على قيد الحياة.

  • رحمة: وأنا أعتقد ذلك، وواثقة، وإن شاء الله يكون الأستاذ محمد قحطان بخير. والآن دعينا نعود إلى التوثيق، الذي يبدو وكأن المستهدفين لديكم في سجون الحوثي، وليس في سجون الأطراف الأخرى. لماذا لا يكون هناك تركيز على المختطفين في تعز أو عدن أو الساحل الغربي؟

أمة السلام الحاج: هذا موضوع شائك بالنسبة لنا كيمنيين. أولًا، جماعة الحوثيين قامت باختطاف نساء، ونتيجة لوصمة العار لا يستطيع الأهالي الإفصاح عن أن بناتهم مختطفات، وهذه نقطة مهمة جدًا، ولا بد للناس أن يعرفوها. ولذلك من الصعوبة توثيق حالات الاختطاف التي ارتُكبت بحق النساء.

  • رحمة: هل تعتقدين أن عدد المختطفات أكبر من الموجود في سجلكم، بسبب العرف الاجتماعي اليمني الذي يجعل الناس يشعرون بالحرج من الاعتراف باختطاف النساء أو أن بناتهم مختطفات أو معتقلات؟

أمة السلام الحاج: الأُسر عندما تُسجن ابنتهم في قضية عادية يتابعونها، مثلًا إذا حدث لها ظرف أو قُتلت بالخطأ يتابعون. لكن الحوثيين يتفننون في أنه أول ما يعتقلونها يربطونها بالأخلاق، فالأهالي يتخلّون عن هذه الفتاة، إلى درجة أنه في أحد الأيام ذهبنا إلى أسرة لتوثيق الحالة، ونحن متأكدون من أن البنت موجودة، فقالت الأسرة: لا توجد لدينا بنت، وأن ابنتهم قد ماتت.

  • رحمة: هذا يعني أن عدد النساء المختطفات أكبر، أليس كذلك؟

أمة السلام الحاج: بكل تأكيد. عندما تخرج النساء من داخل السجون نسمع أصوات صراخ، ويخرجن معًا في الشماسي. ولكن حينما نريد توثيق الحالة نجد صعوبة كبيرة جدًا. نحن وثّقنا (140) امرأة تم اختطافهن.

  • رحمة: 140 امرأة خلال كم سنة؟ هل مثلًا من 2016 حتى اليوم؟

أمة السلام الحاج: هؤلاء من قمنا بتوثيق حالاتهن، وقد خرج معظمهن.

  • رحمة: ما هي الأسباب التي تؤدي عادة إلى اختطاف النساء أو اعتقالهن؟

أمة السلام الحاج: الأسباب التي يقولونها عند خطف أكثرهن تكون أثناء سفرهن وعودتهن من الطرقات التي يذهبن عبرها إلى جهة مأرب. يقولون إنهن ذهبن إلى الدواعش، فيمسكونهن، وبعضهم يقول إن السبب هو التجسس أو الحرب الناعمة، وغير ذلك. وأيضًا عند الخروج في مظاهرة أو بسبب لباس معين. كل هذه أسباب يختطف بها الحوثيون النساء من الطرق والأماكن العامة، مثل انتصار الحمادي، وفاطمة العرولي، وبنت شوعي. وبالنسبة لأسماء العميسي، وانتصار الحمادي، ورباب المضواحي، فقد تم إطلاق سراحهن، والبقية لا نزال نتابع حالاتهن.

فاطمة العرولي

  • رحمة: ما أبرز وسائل الضغط الممكنة على الحوثيين التي قد تساهم في الإفراج عن المختطفين؟

أمة السلام الحاج: أفضل طريقة هي المجتمع، والمشايخ، والقبائل. عندما يقتنعون بالفكرة يدخلون لهم من نقطة العيب والعار. ولكن عندما يتم تداول القضية إعلاميًا يزيدون في عنادهم ويتبعون طرق مختلفة.

  • رحمة: كم نسبة النساء اللواتي تعرضن للتعذيب من بين (140) امرأة ذكرتِهن؟

أمة السلام الحاج: تعرضن لشتى أنواع التعذيب، أقل شيء يتم احتجازها في مكان ضيق، وسبّهن وشتمهن. وربما سمعتم الاعترافات التي أدلت بها سونيا وبرديس وغيرها من الفتيات، اللواتي أوضحن كيف كان التعامل معهن داخل السجن، وهي أمور تُدمي القلب، ولا يليق أن تكون في اليمن وعلى يد يمنيين.

  • رحمة: إلى أي مدى يتعاون المجتمع الدولي معكم؟ لا أقصد ماليًا فقط، بل دعمًا وتسهيلًا وضغوطًا. وهل التعاون يزداد أم يقل؟ وماذا عن المجتمع الإقليمي؟ هل جربتم التواصل مع السعودية أو الإمارات أو إيران أو عُمان لممارسة الضغط على الحوثيين؟


أمة السلام الحاج: سنبدأ بالإقليم. أنا حاولت ودخلت السعودية، ووصلت إلى السفير محمد آل جابر، ووضحت له قضية المختطفين، وأنه من الضروري أن يتدخلوا لإخراج المرضى الذين في السجون، ويتوسطوا لهم  بأي طريقة من أجل إخراجهم. وحاولت الدخول إلى العُمانيين، لكني لم أستطع الوصول إلى قيادات عُمانية، حتى نخرج هؤلاء المرضى الذين يعانون الأمرّين داخل السجون.

  • رحمة: أريد أن أفهم هذه النقطة: هل العُمانيون رفضوا، أم أنك لم تجدي جهة تواصل مناسبة للتواصل معهم؟

أمة السلام الحاج: لم أجد من يوصلني إلى القيادة التي يمكن أن تسمعني أو تقوم بهذه الوساطة. وبالنسبة للمجتمع الدولي، يناصروننا ويردّون على إيميلاتنا بأنهم مناصرون لنا ولقضيتنا، ومكتب المبعوث الأممي يعمل من أجل المختطفين، وكل هذا الكلام الذي يقولونه لنا دائمًا. حتى إنه في آخر لقاء لنا قلت لهم: ما الذي ينفعني من هذا الكلام؟ ماذا أقول لأمهات المختطفين؟ هل أقول لهن إن المبعوث الأممي يتعاطف معنا؟

  • رحمة: ما أغرب قصة ميدانية عن مختطفة أو مختطف مرّت عليك أثناء عملك في الرابطة؟

أمة السلام الحاج: قضية المخفيين قسريًا؛ أمهاتهم يتمنين فقط أن يعرفن إن كان أبناؤهن قد ماتوا وأين قبورهم. إحداهن أم العزاني، رحمها الله، زرتها وهي مريضة، فقالت لي: «يا أمة السلام، أنا أخاف أن أموت ولم أرَ ابني محمد». هذه العبارة لم تفارقني ليلًا ولا نهارًا، وأنا الآن أقيسها على جميع الأمهات. وفي الأخير ماتت، ومحمد لا يزال مختفيًا قسريًا في عدن ولم يظهر حتى اليوم.
وهذه من أبسط القصص. معاناة المختطفين داخل السجون ليست معاناة المختطف وحده، بل معاناة أسرته وأهله وذويه وأبنائه أكثر منه.

وجع الأمهات تترجمه الدموع
إحدى الفتيات الصغيرات كان والدها داخل السجن، وكانت مريضة بالإكزيما، فكانت والدتها تشتري لها الأدوية، وكانت الطفلة تأخذ نصف الدواء حتى لا تضطر أمها لشراء علاج آخر، لأنها تعلم أن والدتها لا تملك المال ووالدها داخل السجن.

  • رحمة:  ابكيتنا استاذة أمة السلام و اوجعتي قلوبنا.

أمة السلام الحاج(متابعة): وهذه القصص ما هي إلا قطرة في بحر. تخيلي أننا نتحدث الآن عن ألف مختطف، لكل واحد منهم نفس القصة. والمأساة ليست في المختطف وحده في السجن، رغم أنها مأساة كبيرة جدًا، وانا هنا اتحدث عن كل السجون وليس سجون الحوثيين فقط. التعذيب الذي يحدث لهم الألم الفضيع واسرهم التي تتابعهم بعدهم وامهاتهم الآن كبيرات في السن، ووضعهن الصحي سيئ جدًا، ولا يوجد لديهن دواء. وهناك أسر تجمع القراطيس وقوارير الماء  لتبيعها من اجل ان تستطيع أن تطعم من هم داخل السجن وخارجه، لأن من هم داخل السجون يحتاجون مصاريف. قبل يومين جاءتني أم ابنها معتقل لدى جماعة الحوثي وهي تسكن  في تعز  وقالت: «لم أعد أستطيع، من أين لي بالمال؟» بسبب اختلاف العملة. أرسل له وأنا أعمل عند كل الناس حتى أوفر لولدي قيمة الأكل.
هذه الدولة لم ترَ هؤلاء، ولم تعلم أين هم. في أيام بن دغر اعتمد لهم منحة مالية صُرفت مرتين ثم انقطعت تمامًا. واليوم يعيشون  في حالة يُرثى لها. لذلك لا بد أن ينظر المجتمع إلى أهالي المختطفين، وأنهم مُجتاحون، وحالتهم الإنسانية والمادية صعبة جدًا. لديهم أطفال يدرسون، وأمهات مريضات، ولا أحد يستطيع مساعدتهم في صنعاء لأنهم محاصرون. الآن لا توجد مساعدات، والوضع مزرٍ جدًا.

  • رحمة: إلى أي مدى تتحمل الحكومة التي تُسمّى بالحكومة الشرعية مسؤولية ما يحدث؟ وما واجباتها أصلًا في هذا الجانب تحديدًا؟


أمة السلام الحاج: كان لدينا حملة في شهر سبتمبر، على أساس أن نوصل رسائل لجميع الفاعلين: رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ولإننا لم نستطع مقابلتهم، قمنا بإرسال رسائل لهم، كما نرسلها للأمم المتحدة وغيرها.  انه هذه مسؤوليتهم، وهم مسؤولون أمام الله عن هؤلاء بشر ويمنيين، هم مسؤولين عن النساء والأطفال والمعتقلين والمختطفين أين سينذهبون  من هذه المسؤولية؟
لا بد أن يقوموا بحلول لهؤلاء الناس، لأن الناس لن تتحمل أن تظل هكذا دون أي حل. نحن رابطة، ليس بأيدينا شيء، ولا نملك ميزانية  لمساعدة هؤلاء الناس حتى للدعم النفسي للمفرج عنهم أو لأسرهم، نتعب كثيرًا حتى نحصل على دعم من هنا أو هناك أو من أي منظمة. فكيف بهذا العدد الكبير؟
أين مسؤولية الدولة والجهات الحكومية عن هذا الملف الإنساني؟ والحوثي يساوم ويتاجر بهذا الملف. تخيلي أنهم يتاجرون بهم داخل السجون؛ وحينما يرسل الأهالي حوالات لأبنائهم، توجد بقالة داخل السجن يشترون منها بأسعار أعلى من الخارج، والحوثيون يستلمون الحوالات ويتاجرون بهذه الأموال داخل السجون. تخيلوا هذه الدرجة من القهر.

رحمة (ختاماً): مشاهدينا، كما رأيتم، من هم خارج السجن يعانون أكثر من المختطفين والمخفيين قسرًا. هناك آباء وأمهات يموتون قهرًا، ولا يتمنون إلا رؤية أبنائهم أو معرفة مصيرهم قبل أن يموتوا. وهناك أطفال ينامون على أمنية واحدة: أن يروا آباءهم كل صباح، أو يفتحوا أعينهم ويجدوا إخوتهم وأقاربهم إلى جوارهم.
وهناك نساء يعملن ويكافحن لإعالة الأسر داخل البيوت والمعتقلات، ويجمعن المال لإرساله إلى أزواجهن أو إخوتهم داخل السجون، ويحاولن قدر استطاعتهن تعويض غياب الآباء.
فما بالكم بوضع المختطفين داخل السجون والتعذيب الذي يتعرضون له.
نلقاكم في الحلقة القادمة مع أمة السلام الحاج، للحديث عن السلام والعدالة والمصالحة، وموقع هؤلاء الضحايا من مشاريع السلام القادمة.

ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة (اضغط هنا)

الكلمات الدلالية