صنعاء 19C امطار خفيفة

من المسرح إلى القصر الجمهوري

الغابري يتحدث عن الغشمي وصالح وبدايات الصورة السياسية

في الحلقة الثانية من «حكايتي» مع المصوّر عبدالرحمن الغابري، نواصل فتح صندوق الذاكرة الذي لا تدونه الأوراق بقدر ما تحفظه العدسة. بعد حديثه في الحلقة الأولى عن علاقته بالرئيس إبراهيم الحمدي ومواقف إنسانية ظلّت عالقة في وجدانه، نقترب هنا من محطة سياسية شديدة الحساسية: الرئيس أحمد الغشمي، وما بين اللقاءات العابرة واللقاء الأخير الذي استدعاه فيه قبل اغتياله بأيام، وحديثه المباشر عن "الوحدة" كحلمٍ كان يتشكل في كواليس تلك المرحلة.

الحلقة لا تتوقف عند السياسة وحدها؛ إذ يكشف الغابري كيف تشكل وعيه الإبداعي بين المسرح والتوجيه المعنوي والصحافة، وكيف كان يرى في الفن "قضية" وفي الصورة "أمانة" لا تتكرر. ومن قلب التحولات العاصفة، يأخذنا إلى واحدة من اللحظات العنيفة في تاريخ اليمن الحديث: دخوله مكتب الغشمي بعد التفجير، وتوثيقه للمشهد كما كان، ثم السؤال الكبير الذي يلاحقه: لماذا بقيت تلك الصور خارج ذاكرة الناس؟

كما تمتد الرحلة إلى أرشيفه الهائل الممتد عبر المحافظات والحروب والمنفى الداخلي، وإلى همّ الرقمنة وحماية مليوني لقطة من التلف والنهب، وصولًا إلى رؤيته لأخلاقيات الصورة ورفضه تحويل الألم الإنساني إلى "مكسب". هنا، يروي الغابري اليمن كما رآها: بلدًا يتغير سريعًا، وذاكرةً تقاوم النسيان، وعدسةً لا تزال تبحث عن لحظة سلام تستحق أن تُلتقط.

"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

الغابري

  • رحمة: أهلاً وسهلاً أستاذ عبدالرحمن. في الحلقة الأولى تحدثنا عن الرئيس إبراهيم الحمدي وعلاقتك به، وكيف جمع لك مبلغًا ماليًا بحسب ظروفه. وماذا عن الرئيس أحمد الغشمي؟ هل التقيت به؟ ومتى؟

الغابري: التقيتُ به لأول مرة في أيام إبراهيم الحمدي، وكانت لقاءات عابرة. وسبق ذلك أن زرته في منزله بمنطقة شملان أثناء إحدى العزائم. وخلال فترة حكم الحمدي كنا نلتقي ضمن لقاءات تضم عددًا من القادة العسكريين. كما كنت ألتقي به وبرئيس الجمهورية لاحقًا علي عبد الله صالح، الذي كان حينها لا يزال قائد معسكر خالد. وفي الحقيقة، كانت معرفتي بعلي عبد الله صالح أسبق من معرفتي بالغشمي.

وبحكم عملي في المسرح، كنت أشارك في إحياء الاحتفالات والمناسبات الرسمية. والتقيت بالغشمي أيضًا في هذا الإطار، إذ كان يشجّع الأعمال المسرحية. أذكر أن الفنان الراحل عبدالله العمري كان يشارك في عمل مسرحي خاص بعنوان «فأر في قفص الاتهام» من تأليف الرائد عبد الكافي محمد سعيد، وكان هناك توجه لإنشاء مسرح للقطاع الخاص، وقد حظي ذلك بدعم وتشجيع منه.

أحمد الغشمي

أما اللقاء الرسمي بيني وبينه فكان بعد وفاة الحمدي، حيث كنت أزوره لالتقاط الصور ثم أنصرف، إذ لم أكن أجلس مع الرؤساء. وقلت هذا صراحة من قبل: لم أجلس مع أي رئيس، حتى مع علي عبد الله صالح في مكتبه. فعندما اقترح أحدهم أن أكون مرافقًا خاصًا للرئيس وألازمه، رفضت الفكرة وقلت: لا يمكن أن أقضي عمري ألتقط الصور لشخص واحد فقط. استغربوا موقفي وقالوا إنني مجنون، فأجبتهم: ليكن، لكنني لن أكرّس حياتي لتصوير شخص واحد طوال عمري.

  • رحمة: وماذا عن الرئيس علي عبدالله صالح؟ هل تذكر أول لقاء لك به، وأين كان؟ خاصةً وأنك كنت تعمل في التوجيه المعنوي؟

الغابري: التقيت به خلال فترة إبراهيم الحمدي حين كنت أشارك في تنظيم الاحتفالات، كما جمعني به لقاء في معسكر خالد، ثم تكررت لقاءاتنا في تعز. وأشهد للتاريخ أنه كان كريم الضيافة، وهذه حدود علاقتي بهم.

أما أحمد الغشمي، فبعد استشهاد الحمدي كنت أزوره لتغطية الأخبار والتصوير. وقبل اغتياله بأسبوع استدعاني، فساورني خوف شديد عندما أبلغني مدير مكتبه، أحمد العماد، قائلاً: "الرئيس يريدك". سألته بقلق: "خير إن شاء الله؟" فقال: "تفضل بالدخول".

دخلت عليه، فرحب بي قائلاً: "اجلس يا ابن الغابري، كيف حالك؟" أجبته: "بخير". ثم قال: "سنحقق الوحدة". فقلت متعجبًا: "وما علاقتي أنا بالأمر؟" ثم أضفت: "إذا تم ذلك على يديك فستدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وسيكون إنجازًا عظيمًا". شعرت بالارتياح لأنني كنت أتوقع توبيخًا أو عقوبة. سألته: "كيف سيتم ذلك؟" فقال إن هناك خطوات جارية في طريق تحقيق الوحدة. فباركت له من أعماق قلبي، رغم أن قلبي كان لا يزال يرتجف.

  • رحمة: وما طبيعة علاقتك به أصلًا؟ لماذا استدعاك؟ وماذا قال لك؟

الغابري: لا أعلم، ولكن ربما لأنه كان في نظرهم أن  الصحفي  والمثقف يمكن أن ينشر الخبر بطريقة جميلة. وأنا كنت أكتب في الصحافة الحكومية بعض المواضيع الأدبية وأحيانًا الجغرافيا.

  • رحمة: كيف مواضيع الجغرافيا؟ ما الذي تقصد بالمواضيع الجغرافية؟

الغابري: مثلًا أتحدث عن المميزات العامة للكرة الأرضية، والجغرافيا اليمنية، وطبيعتها، ومثل هذه المواضيع.

  • رحمة: ما هو أبرز مقال كتبته وانتشر إلى درجة أنه حينما كنت تسير في الشارع كان الناس يقولون: هذا الأستاذ عبدالرحمن الغابري الذي كتب هذا المقال؟

الغابري: عندما كنت أكتب عن الجغرافيا اليمنية.

  • رحمة: بعد ذلك، هل كان لديك مواضيع فنية أو أدبية؟ ما هي القضايا التي كنت تركز عليها؟

الغابري: قضية الفنون بشكل عام؛ لأنني كنت أهتم بها، ولا زلت حتى اليوم.

الغابري اثناء توثيق لحظات هطول الأمطار

  • رحمة: في مختلف المجالات الأدبية والإبداعية، نعود ونسال: ما أبرز القضايا التي أوليتها اهتمامك؟

الغابري: كنت أهتم بكل من يمتلك موهبة حقيقية، سواء في المسرح أو الموسيقى أو الفنون التشكيلية أو التصوير الفوتوغرافي. درّبت عددًا كبيرًا من المهتمين بالتصوير، وقدّمت الدعم والتشجيع للعديد من الفنانين التشكيليين والمطربين. كما تولّيت إدارة المسرح العسكري، وعملت مخرجًا ومديرًا خلال فترة حكم الغشمي، حيث خُصص لي آنذاك مبلغ ثلاثة آلاف ريال، وكان يُعد مبلغًا كبيرًا بمقاييس ذلك الزمن.

  • رحمة: هذا يعني أنه كان كريمًا؟

الغابري: كانت هذه المرة الأولى التي آخذ منه  ثلاثة آلاف ريال، ، وذهبت إلى المنزل وأنا في غاية سعادتي. وكان إيجار البيت حينها 250 ريالًا، فسددت الديون والالتزامات، وتبقى منها.

  • رحمة: هل هذا يعني أنه كان الموقف الوحيد الذي جمعك بالرئيس الغشمي؟

الغابري: كنت أراه وألتقي به، ولكن هذا هو الموقف المباشر الذي كان بيني وبينه.

  • رحمة: بالنسبة للصور، هل التقيته للتصوير؟ وكم صورة التقطت له؟ وما أبرز صورة التقطتها له؟

الغابري: طُلب مني توثيق حادثة مقتل الغشمي، فقمت بتصويرها سينمائيًا وفوتوغرافيًا. التقطت المشاهد كما كانت، وما تزال آثارها موجودة؛ فقد صورت المكتب وهو يحترق، وكنت أول من دخل إلى الموقع.

  • رحمة: اشرح لنا: أول ما دخلت المكتب بعد تفجير الرئيس الغشمي، كم كان حجم الدمار حينها؟ هل  70%أو80% أو 90% ؟

الغابري: قبل أن أدخل المكتب وجدته يُسعف. كان هناك محسن فلاح من الشرطة العسكرية، وعلي الشاطر، ودكتور من المستشفى العسكري، وكانوا يخرجون الغشمي وهو في حالة صعبة جدًا. كانت قبعته غير موجودة، وشنبه محروق، وشعره محروق، ولكن كان لا يزال هناك أنين يصدر منه. ولقيت سلطان مهيوب، وهو زميلنا مصور وكان عضو مجلس نواب، ووجدت صاحب البوفيه عمي أحمد، وقلت له: كيف الفندم؟ قال: بخير. ودخلت المكتب ولا يزال اللهب موجودًا، ورأيت قبعة وحذاء الغشمي، والشعر متناثرًا في السقف والحيطان، ووجدت الرجل الذي كان معه ولم يتبقَّ منه إلا أقدام مبتورة. وكان معي الزميل محمد علي حسن، وقلت لعمي أحمد: الله يعطيك العافية.

لقطة مسرحية

  • رحمة: هل كانت هناك أشياء أو قطع؟ نريد أن نعرف حجم شنطة المتفجرات التي كانت موجودة.

الغابري: يبدو أن التدمير لم يكن قويًا في المبنى، ولكن له آثار. ويبدو لي أن الشنطة فُتحت بين الاثنين، فُتحت وهي في حضن الشخص، فالتأثير الأكبر كان على الأشخاص، على الغشمي وتفاريش. هناك آثار، ولكن لم يكن بذلك الحجم؛ العقود تدمرت، والسقف لم يتأثر تأثرًا كبيرًا، وكذلك الحيطان.

  • رحمة: من وجهة نظرك، لماذا لم ينشروا تلك الصور التي صورتها عن التفجير حتى يرى الناس هول ما حدث، أو ما تعرض له الرئيس أحمد الغشمي؟

الغابري(متابع): بعد ذلك ذهبت للغداء، وقالوا إن السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي سيأتي ليرى كارثة ما حدث في المكتب. ذهبت للتغطية، وكان لا يزال جثمان تفاريش (مبعوث الرئيس سالم ربيع علي) موجودًا و قد صبوا مطهر، والمكتب كان كما هو، وصورت وانتهيت من تصوير السفراء الأجانب والعرب، وسلمتهم الصور وذهبت.

  • رحمة: والرئيس إبراهيم الحمدي عندما اغتيل، هل التقطت له صورًا بعد الاغتيال؟

الغابري: أنا صورت الجنازة بشكل كبير.

من جنازة الشهيد ابراهيم الحمدي وشقيقه

  • رحمة: ما هي الصورة المميزة التي التقطتها لرؤساء اليمن، الغشمي أو الحمدي أو الرئيس علي عبدالله صالح، وما تزال عالقة في ذاكرتك؟

الغابري: صورة عبدالكريم العرشي، ونشرتها في فيسبوك، إحداها ملونة، وهي من أجمل الصور معه. وأنا صورته كثيرًا، صورته وهو رئيس؟

  • رحمة: قيل إنه تم اعتقالك على خلفية اغتيال الناصريين، هل هذا صحيح؟ ومتى؟

الغابري: بتقرير كيدي طبعًا. أنا كنت مؤمنًا باليسار، ولكن ليس اليسار اليمني للأسف الشديد، وكنت مؤمنًا بأدبيات اليسار.

  • رحمة: هل تقصد الشيوعية الاشتراكية العلمية؟

الغابري: كتب هيجل وماركس ولينين، هذه الكتب كنت أقرأها كثيرًا، وأنا لست مؤطرًا رغم محاولة أصدقائي بتأطيري، ولكن في الأخير جاء الحبس على أنني ناصري أثناء انقلاب الناصريين. كانوا يريدون التخلص مني ببلاغ كاذب، وأنا لست ناصريًا رغم حبي لجمال عبدالناصر.

  • رحمة: ما هو أسوأ ما تعرضت له في السجون الثلاثة التي تنقلت فيما بينها؟

الغابري: أسوأ ما تعرضت له، وبشكل أفظع، هو الأمن الوطني؛ لأنه كان في الديوان مجموعة أشخاص، وكان عبارة عن إسطبل بهائم للخيول تحت الأرض، وفيه ندى ورطوبة، وكان هذا المكان مرعبًا جدًا ومخيفًا، وفوقه البركة التي يُغطس فيها المتهمون أثناء التعذيب.

  • رحمة: طيلة مسيرتك المهنية لا بد أن هناك الكثير من الأخطاء التي اقترفتها تقنيًا، ما هي أبرز هذه الأخطاء؟

الغابري: الصورة الصحفية لا تتكرر. وهناك صورة كنت قد ضبطت العدسة فيها على إعدادات الفلاش، وسرعة الفلاش 60 في كل الأحوال، لا تزيد عليها ولا تنقص، وهذا في تصوير النيجاتيف يسبب مشكلة تقسيم الصورة إلى نصفين أسود وأبيض فتتشوه. وهذا حصل معي كثيرًا؛ لأن التصوير الصحفي فيه عجلة، ولا تنتظر لتصور منظرًا طبيعيًا، ولكن هناك أشياء كثيرة كسبتها مثل هذه اللقطات. لدي لقطات سياسية لم أنشرها بعد، وهي من أجمل اللقطات.

الغابري في هذا الحوض الحميري عبد الناصر

  • رحمة: مثل ماذا؟

الغابري: مثلًا، تكون بين زعيمين في لقاءات ثنائية، وترى النفاق السياسي؛ إذ تكون في الصورة ملامحهم عند الالتقاء، فتأخذ تلك اللحظة. أو خصومًا محليين سياسيين، فهذه اللقطات لدي منها الكثير. واحدة من هذه اللقطات حدث فيها هذا الخطأ التقني، وهو إعداد الفلاش على سرعة 60، ونسيت ذلك، فكانت الصورة في وقت الظهيرة، فانقسمت الصورة نصفين، ولم يظهر الشخص الذي كنت أود تصويره.

  • رحمة: سبعون عامًا منذ ولادتك، دعنا نعمل حصيلة لإنتاجك الإبداعي السينمائي والمسرحي.

الغابري: أنا شاركت في إخراج فيلمين في فلسطين وجنوب لبنان؛ أحدهما "مكان الولادة فلسطين"، والثاني في كفر شوبا، وشاركت فيهما مساعد مخرج ومصور. وكما ذكرتُ سابقًا في النبطية و"تراشي الفخار"، وصورت في برج البراجنة وفي عين الحلوة. ثانيًا، عدت إلى اليمن في 1976، وبالنسبة للتصوير الفوتوغرافي فأنا مستمر فيه حتى في حرب لبنان.

  • رحمة: وماذا عن السينما؟

الغابري: في عام 1986 كان هناك اقتراح ساهم فيه الأستاذ عبدالله البردوني في تصوير فيلم عن الفلكلور بشكل عام وعلاقته ببناء المدرجات. هذا الفيلم قائم على الأعمال الزراعية والفلكلور والغناء المساعد على العمل، بدءًا من رفع الأحجار إلى التراب والبذرة والحصاد إلى الخبيط إلى المطحن إلى الأكل، وهذه جميعها صورتها بأصوات نسائية ورجالية في الريف اليمني. وبالنسبة للمسرح، أخرجت أربع مسرحيات: ثلاثًا لمحمد الزرقة، وواحدة لمحمد المحبشي وإسماعيل الكبسي اسمها "المناقيش". شارك فيها الأستاذ عبدالله البردوني، وهو من سماها. وتطورت علاقتي بالأستاذ عبدالله كثيرًا، كما أنني دعوته حينها إلى زيارة نقابة الفنانين، وزارنا وتحدث عن الفنون.

  • رحمة: وماذا عن الموسيقى؟ ما الذي أنتجه عبدالرحمن الغابري موسيقيًا؟ وما شاء الله، مواهبك متعددة.

الغابري: أنا لحنت لثلاثة أو أربعة أشخاص. لحنت في تعز أوبريت اسمه "أعراس"، لحنت ثلاثة ألحان ووزعت عليهم ثلاث أغانٍ: واحدة من الفلكلور والتراث، واثنتان من ألحاني. وكان هذا في الثمانينيات. غنيت وعزفت في التلفزيون، وكنت من ضمن المؤسسين - أنا وعلي الأسدي وعلي العودي ويحيى الشلال وعلي الرداعي - أول فريق إنشاد في الشمال. وكانت فرقة غناء جماعي مع مجموعة فتيات معنا، وغنينا من التراث، وأنتجنا حوالي سبعين إلى ثمانين أغنية موجودة وموزعة موسيقيًا للألحان المميزة في اليمن بشكل عام، وغنيناها في كثير من المهرجانات في الكويت والعراق وأمريكا وبريطانيا والسعودية.

  • رحمة: وماذا عن المؤلفات؟ كم عددها؟ وما أبرز المؤلفات التي أصدرتها؟

الغابري: أنا كتبت كثيرًا من المواد الأدبية والسردية في الصحافة وعلى الإنترنت، ولكن في الأخير أصدرت رواية اسمها "بيت الزوقبي"، وهي رواية من واقع بيت الزوقبي الذي كان بجوار مدرسة الأيتام، وأنا شاهدت بأم عيني بيت الزوقبي وسجن القلعة والسجن العسكري، بناها الأئمة في قصر غمدان نكاية باليمنيين.

بيت الزوقبي

  • رحمة: هل لديك مؤلفات مستقبلية؟

الغابري: لدي الآن رواية من جزأين اسمها "أرخبيلات أسعد"، ولكن لم تُنشر بعد.

  • رحمة: يتبقى القصص القصيرة، لم تحدثنا عنها. هل كان لديك كتيبات تحتوي على قصص قصيرة وحكايات إبداعية؟

الغابري: لدي قصص كثيرة، بعضها نُشر وبعضها لم يُنشر بعد.

  • رحمة: هذا يعني أنها ليست إصدارات، ولكن أعمال نُشرت في الصحف؟

الغابري: في الصحف والإنترنت، وهي حكايات صغيرة مركزة، مثلًا عن زهرة طالب، أو مسرحية عن حياتي في الأيتام، عن أمي، أو لقطة معينة حكيتها، وفيها ذكر لأماكن معينة مثل غيل الأسود وأرتل في صنعاء، وذكرت الفلاحات والفلاحين، هي حكايات تحت بند حكايات صورة نشرتها ونشرها آخرون. وكذلك نُشرت قصتي في الهند، ولكن الأجمل أنه لدي كمٌّ هائل لم يُنشر بعد ومتراكم.

  • رحمة: دعنا نعود مرة أخرى للصور الفوتوغرافية ونتحدث عن الثمانينيات، الذي أنتجته والمقارنة بالجودة، خصوصًا بعد الثورة التكنولوجية الحاصلة الآن.

الغابري: من الضروري أن يطور الإنسان نفسه بأي شكل من الأشكال، بالقراءة المتعددة كالقراءة الأدبية والفنية، إلى جانب أنه لا بد من اقتناء الآلات لما تقتضيه المرحلة، كون هناك تطورات جديدة. وتبقى عندك الرغبة والعشق للكاميرا هي التي تنتج وتستمر في هذا الجانب المهم. أنا قبل وجود الكاميرات المتطورة كنت أصور بكاميرات بسيطة جدًا، وبعدسات أضيق، ولكن الأهم من هذا ما هي اللقطة التي التقطتها، وكيف التقطتها، والزاوية، وكيف اخترت هذه الشخصية والوجه والقوام واللباس.

نساء بملابس تقليدية

  • رحمة: بدأت بالطبيعة وجمال الطبيعة، ثم انتقلت إلى التصوير السياسي، خاصة بعد اغتيال الرئيس أحمد الغشمي.

الغابري: أنا بدأت بالطبيعة والأشخاص والبيئة بشكل عام: الإنسان والأرض، وكثفتها وأنتجت أفضل من الصور الرسمية والسياسية. الصور السياسية بالنسبة لي مجرد تسجيل مرحلة، ليس فيها فن إلا أنك سجلت مرحلة من مراحل لها أشخاص معينين، وبالتالي أظهرت ملامحهم كيف كانت وتوجهاتهم مع الخصم والصديق.

  • رحمة: ما هي أبرز المحافظات التي وثقتها بكاميرتك وكانت الأجمل؟

الغابري: في 1989، قبل الوحدة، نزول المسؤولين إلى تعز والسير برًا إلى عدن، وارتصاص المواطنين والجماهير المحتشدة التواقة لتحقيق الوحدة اليمنية؛ لأنه كان هناك أمل كبير لها. اصطف الناس بشكل طبيعي جدًا من تعز وحتى وصلنا إلى عدن، وكانت الجماهير في منتهى السعادة، ومطالبة قيادة الشطرين حينها بتحقيق الوحدة والاتفاق عليها. فكانت هذه من أجمل اللقطات. أنا شخصيًا سُعدت لها؛ لأنني لا أصور أحداثًا سياسية عادةً، فقد صورت حروبًا وأحداثًا كثيرة، ولكن تلك اللقطات الوحيدة التي سُعدت بها إلى درجة غير عادية؛ رأيت ملامح الناس وأصواتهم غير الأصوات التي تُجمع وتهتف للزعيم أو السيد. تلك سجلتها تسجيلًا، وهي أجمل ما يكون، وحتى اللحظات الأخيرة من التوقيع على الوحدة، وأنا أنشرها كلما يأتي عيد الوحدة.

مواطنون يرتصون في الطريق احتفاء بالوحدة

  • رحمة: عندما قامت الوحدة في 1990، وأنت كنت قد سافرت إلى عدن في السبعينيات، ما الذي تتذكره عند زيارة عدن سابقًا؟ وقارنها بما بعد 1990.

الغابري: أنا نزلت إلى عدن في أوائل السبعينيات، وكنت عندما أزورها أشعر وكأنني أزور سان فرانسيسكو.

  • رحمة: ما أكثر شيء وثّقته غير المعلا وخور مكسر والمدرسة؟

الغابري: لم أترك شيئًا في عدن إلا ووثّقته من السبعينيات وحتى اليوم.

  • رحمة: دعنا نرى أرشيفك خلال نصف قرن، وأبرز ثلاث محافظات وثّقتها.

الغابري: هي كثيرة، ولكن أكثر وأبرز من حيث الكم والنوع هي جزيرة سقطرى. ذهبت إليها في 1989 قبل الوحدة، بفضل الأستاذ عبدالله البردوني والأستاذ عبدالباري طاهر أيام الحزب، ومن بعد الوحدة تواصلت زياراتي إلى سقطرى حتى اليوم، وأنتجت لسقطرى فوتوغرافيًا 35,000 لقطة. لم أترك حصًى ولا نباتًا صغيرًا ولا عشبًا ولا موجًا ولا شجرةً ولا طيرًا ولا حيوانًا إلا والتقطت له صورة.

سقطرى بعدسة الغابري

  • رحمة: وبعد ذلك تعز أو صنعاء أو عدن؟

الغابري: تكاد تكون متقاربة: تعز، صنعاء، عدن. وأعتقد أن صنعاء احتلت مكانة لا بأس بها بحكم أنني موجود فيها. أيضًا صوّرت تعز كثيرًا، وكذلك الحديدة وحجة والمحويت وصعدة. وأكثر اللقطات، كما أخبرتك مسبقًا، سقطرى وصنعاء بتحولاتها، وكذلك عدن وتعز وذمار، وبالأخص عتمة.

  • رحمة: عتمة سكنت في ذلك. وفيما يتعلق بأرشيفك. دعنا نحدد نسبة الصور الأبيض والأسود ونسبة الصور الملوّنة تقريبًا، كم نسبتها؟

الغابري: الصور الأبيض والأسود هي ما قبل الثمانينيات وحتى منتصفها.

  • رحمة: نشرت وصرّحت في أكثر من تصريح بأن لديك 49 صندوقًا. حدّثنا عن هذه الصناديق، مساحة كل صندوق وكم يستوعب من الصور.

الغابري: أنا لم أُحصِ المليونين، ولكن قد يصل العدد إلى هذا وربما أكثر. وواحد من الصناديق، عندما قمت بعدّ ما فيه، وجدت فيه 400,000 نيجاتيف. والصناديق التي لدي بأحجام مختلفة، وأصغر صندوق بحجم "مدكّة المقيل"، لأن عندي البوزيتيف والنيغاتيف، ولم أعدّهم جميعًا حتى الآن، لأن الحرب لم تجعلنا نحصي أنفاسنا، فما بالك بالصور.

  • رحمة: هذا يعني أنك لم تعدّها بشكل كامل، ولكنك قلت إنك رقمنت فقط 9% من صورك، فلماذا لم تُرقمن بقية الصور؟

الغابري: لم أؤرشف كثيرًا من النيغاتيف والبوزيتيف إلا القليل جدًا، لأنني أُحبطت أولًا من 2015، وكنت قد بدأت قبلها بأخذ اسكنر وقمت بالأرشفة.

  • رحمة: في حرب 1994 من المؤكد أن هناك شيئًا عالقًا في الذاكرة؛ قذيفة بجوار البيت أو صورة محددة. حدّثنا: ما الذي وثّقته في حرب 1994؟

الغابري: في 94 جاء صاروخ إلى جنبنا في الحي السياسي، وأيضًا الصاروخ الذي جاء في باب البلقة بجوار مستشفى الجمهوري. ثم سافرت إلى العلمين ووثّقت الحروب. أنا وثّقت حرب لبنان وإسرائيل، والحرب العراقية الإيرانية، وحرب 79 بين الشمال والجنوب. وكنت حذرًا، لأنني في عام 1979 أُصبت وأنا أصوّر سينما، إصابةً بليغة بعد مقتل الغشمي، وقُتل الكثير بجواري.

  • رحمة: فيما يتعلق بحروب صعدة، هل لديك صور فوتوغرافية لها؟

الغابري: بالنسبة لصعدة لم اصورها إلا صور جمالية. وبعد حرب 94 توقفت عن الذهاب إلى الحروب، لأنه عندما نضحي، نضحي من أجل من؟ وعندما كنت في لبنان كدت أن أموت في راشيا الفخار، ونجوت من ثلاثة حوادث مرعبة في الحروب.

  • رحمة: وماذا عن 2011؟ هل وثّقت صورًا للطرفين؟

الغابري: في 2011 كنت أذهب إلى الجانبين، وصوّرت فيديو حوالي 12 ساعة.

  • رحمة: أنت ذكرت أنك لا تُكلف كاميرتك عناء تصوير الصراعات والأحداث.

الغابري: صحيح، أنا أكتفي بملاحظة حالات معينة وأوثّقها. أنا وأمين وزرياب، أبنائي، قمنا بتوثيق فوتوغراف وفيديو، ولدينا ارشيف كبير عن 2011 في السبعين أو التحرير أو الستين.

  • رحمة: وماذا عن عملية عاصفة الحزم؟

الغابري: وثّقنا بشكل كبير جدًا: ضربة عطان ونقم، والمضادات، والقتلى في الأمن المركزي في عطان. قمنا بعمل فيلم كامل عنه، ولأن في عطان دُمّر مكتبنا الذي كان مقابله، ولم ننتبه، كنا مشغولين بالتصوير في الخارج ولم نكن نعلم أن مكتبنا تكسّر. وكان من حسن الحظ هناك ضربات صغيرة بجانبنا ولم تكن بحجم ضربة عطان. حينها طلبنا من موظفات تقنيات، وهن طالبات، أن يعدن إلى البيت وأغلقنا المكتب. وفي ضربة نقم صوّرنا ليلًا، وكما تعلمين كانت ضربة مفزعة جدًا، وصل أثرها إلى التحرير.

  • رحمة: متى آخر مرة خرجت من صنعاء؟

الغابري: بشكل نهائي نوفمبر 2025.

  • رحمة: ما خلاصة المشاريع التي نفذتها منظمتك، منظمة الهوية اليمنية الثقافية؟ دعنا نتحدث من 2005 إلى 2025.

الغابري: الفكرة جاءت من وقت مبكر جدًا، وكنت أريد أن أتحول إلى مؤسسة ثقافية، لأن مقومات المؤسسة كانت موجودة.

  • رحمة: بالنسبة للمعارض، كم معرض صور أقمت؟ قيل إنك أقمت 73 معرضًا حتى 2023.

الغابري: يتجاوز الـ80 معرضًا في أنحاء العالم، ولكن محليًا بالطبع أكثر. وكان آخر معرض عملته في الجاليري الذي كان موجودًا لدينا في صنعاء، وشاركت في معارض بألمانيا وأمريكا وهولندا.

  • رحمة: ما أبرز الصور التي كانت تدهش الناس أو تبهرهم في المعارض الدولية والعربية؟

الغابري: صور الأشخاص والنساء الفلاحات في الحقول والأعمال الزراعية كانت الأبرز. وكذلك الصور الجمالية كالمدرجات وصور سقطرى. وكانت صور سقطرى من الصور اللافتة جدًا للحضور، من أجمل اللقطات. وكما أخبرتك، بدأت في الثمانينيات وحتى اليوم، وقد أنتجنا لها مجموعة أفلام. هذه اللقطات كلها، حتى بالأبيض والأسود، كانت لدي من أوائل السبعينيات وحتى اليوم، ولاقت رواجًا كبيرًا، حتى في فرنسا اشتروا مني.

المراة بعدسة الغابري

  • رحمة: هناك سؤال يدور في ذهني وكذلك لدى المشاهد: كيف استطعت أن تحتفظ ببيانات مليوني صورة؟ هل كنت تسجل في الصورة الزمان والمكان؟ كيف كنت تفرق بين الصور التي جمعتها؟

الغابري: قد يعتقد البعض أن الأمر صعب، لكنني كنت أعمل قبل أن تأتي الأظرف البلاستيكية؛ كنت أضع الفيلم في ظرف وأذكر المعلومات على الصورة: المكان والتفاصيل. لأن أحيانًا في الفيلم الواحد أكثر من لقطة؛ مثلًا لقطة في تعز وأخرى في القاعدة وثالثة في إب وصورة في ذمار. قد تجدين في الفيلم الذي هو 36 أو 120 أكثر من لقطة في أكثر من مكان. الرقمنة متعبة جدًا، وقد تسببت لي في انزلاق غضروفي في العمود الفقري. ويعد تصنيف الصورة هو الأصعب عند الرقمنة.

  • رحمة: من من أبنائك ورث موهبة عبدالرحمن الغابري؟

الغابري: أبنائي الأربعة: الابنان والبنتان، زرياب وأمين وشذى وأريج، جميعهم مصورون، وابني الأكبر شادي له اتجاه آخر.

  • رحمة: وهل يساعدك أبناؤك في الرقمنة؟

الغابري: أبنائي لديهم أعمال ومشغولون بأمور كثيرة، ولهذا نقلنا إلى عدن. كما أن أبنائي لا يعرفون ما الموجود في النيغاتيف، وحتى لو أراد أحدهم العمل معي أو أحضرت موظفًا، لا يمكن أن يتم العمل إلا وأنا بجواره من أجل التصنيف. مثلًا أنا كنت في عدن وعملت ملف عدن؛ هم لا يعرفون الأماكن ولا الأشخاص، الدنيا تغيرت، وناس توفوا وآخرون أتوا.

  • رحمة: اليمن دائمًا فيها حروب وانقلابات وصراعات سياسية وعسكرية كل خمس سنوات، فكيف استطعت حفظ أرشيفك الكبير خلال هذه الصراعات والاضطرابات؟

الغابري: أكثر ما تضرر كثيراُ كان في الحرب من 2015؛ كان لدي مجموعة في البيت في الدولاب، والبيت بالقرب من المكتب، وكلاهما بالقرب من فج عطان. وعندما جاء الصاروخ تحول المكتب إلى ركام، والدواليب التي كان فيها أرشيف الصور لم أجد زوجتي إلا تحت الدولاب. وكنت أتعامل مع السفارة الإثيوبية من أجل نقل معداتي إلى هناك ولكن حدث ما حدث. بيتي تدمر، والمكتب تدمر، وحتى الأرشيف الذي كنت قد رقمنته اختلط مع الذي لم أقم برقمنته، وهذه مشكلة كبيرة. والغبار دخل، والأفلام تحتاج إلى غسل من جديد، لأن المادة الحافظة للصورة تحتاج إلى غسيل خاص بالأفلام ومثبت للمادة التي فيها، وإلا الخدوش تظهر في الصورة مباشرة مع الغبار.

  • رحمة: في 29 سبتمبر 2021 قيل إنه تم احتجازكم في صنعاء، لماذا؟ وما كان السبب؟ وماذا كنتم تفعلون؟

الغابري: كنا نقوم بتصوير فيلم من إخراج شذى ابنتي، اسمه From Yemen with Love، فيلم  جميل ومدته ساعة ونصف، وهو باللغة الإنجليزية، ترجمته واخرجته ابنتي شذى. كنت أنا والطاقم نصور ولدينا تصريح، وأنا مستشار وزارة الثقافة للفنون البصرية سابقًا، ومع ذلك قبضوا علينا وصادروا المعدات، ولا أعلم لماذا. وبعد ذلك لم يخرجوا المعدات إلا بعد شهر، بعد أن عمل ابني تعهدًا. أما أنا زعلت منهم ودخلت معهم في ملاسنات؛ قلت لهم: صوّرت صنعاء القديمة ولم أجد فيها إلا الملصقات التي شوّهتوها، ولم يعد هناك شيء جمالي. صوّرنا في بيت الموروث الصنعاني، فلماذا تقبضون علينا؟ جئت، وكان هناك ما يقارب ثمانية إلى تسعة يطلبون مني الحضور معهم، وأخذوا معداتي. وكان معنا فتاة مقدمة، وقلت لهم إننا نصور في الداخل اما الخارج فلم نجد فيه سوى الملصقات الخاصة بكم وصور الانتخابات. وأخبرتهم بأن صنعاء القديمة محمية، ويفترض ألا توضع فيها بوسترات، وقلت إن هذا عيب و تشويه للتراث.

  • رحمة: في الأول من أكتوبر 2021 أيضًا تم توقيفكم، هل له علاقة بما حدث في المرة السابقة أم تعوّدتم على ذلك؟

الغابري: بالنسبة للتوقيفات، خلّها على الله. أحيانًا يأتون إلى داخل المكتب من كل الجهات، وبعد ذلك عزلنا. كانت هناك مطالب كثيرة، ولا يوجد لدينا عمل. كيف تعيش وتدفع إيجارات ولا يوجد دخل؟ وكان لدينا موظفات، والمكتب تركناه بديكوره، فكيف تدفع الضريبة والتأمينات والزكاة وأنت لا يوجد لديك دخل؟ وانا مديون بعت ارضي من اجل ان افتح هذا المكتب لذلك نزحتُ إلى عدن مثلي مثل الكثير.

  • رحمة: ذهبتَ إلى عدن واستُقبلوك، وكل شيء كان جيدًا، فما الذي استطعت إنجازه في عدن خلال العام؟

الغابري: في عدن ما زلنا نرتّب ونقوم بإعداد أشياء بسيطة، لأن مكتب "الهوية اليمنية" الذي كان في صنعاء لم يعد ذاك المكتب الذي كان في السابق؛ فقط كرسي ومكتب صغير، وقليل من الأرشيف والهاردات، وهذا الموجود معي في عدن. ولكن لدينا عمل، ونحن للأمانة لم تواجهنا مشاكل. في المرة الأولى أخذنا تصريح ممارسة المهنة والعمل بسهولة، ولم نواجه أي مشكلة. حتى السجل التجاري بالنسبة لـ"جابريز" لم نواجه فيه أي مشاكل. وبالنسبة لـ"الهوية اليمنية"، الأوراق القديمة معي، والتصاريح الأولى والنظام الأساسي أحضرتُها معي، ولا توجد لدي أي مشكلة، ولم يتعبونا، وأقول هذه للأمانة وبتجرد.

  • رحمة: أنا أقصد كمنظمة "الهوية اليمنية الثقافية".

الغابري: يبدو أن سبب هذا الموضوع أنني نشرت مجموعة صور قديمة كنت قد رقمنتها، ونشرتها بطبيعتها دون استخدام أي تقنيات حديثة. وكما رأيتِ في بعض الدول الأوروبية، يرتاحون للصور التي تكون بالأبيض والأسود، وكانوا في غاية الانبساط بها؛ لأنهم يرون فيها كيف تحوّل اليمن. وهذا السبب، وأنا بدأت بهذه الطريقة حتى أُري الناس ما لدي، ووجدت أن لدي أكثر وأكثر، ولكنها هي التي عرّفتنا بالعالم.

  • رحمة: بعد انتشار شبكات التواصل الاجتماعي والنهضة التكنولوجية الأخيرة، إلى أي مدى أسهمت المؤسسة أو ساعدت في حفظ الذاكرة اليمنية؟ أم أثرت عليك وأخذ بعض الآخرين صورك ونسبوها إلى أنفسهم؟

الغابري:  في المؤسسة أنا بحاجة إلى كادر فني للرقمنة يكون لديهم دخل شهري، لأن الكم هائل. ومن أين لديك الإمكانيات؟ ثانيًا الأجهزة المهمة والحديثة.

  • رحمة: انتقلت  إلى عدن، ما تبقّى من أرشيفك بعد الحرب والدمار، وما هي المشاريع التي تركز عليها في المؤسسة لكي تحفظ هذا الأرشيف من الدمار أو النهب أو أي صراعات قادمة لا قدر الله؟

الغابري: هذا ما يتعبني ويؤرقني بدرجة كبيرة جدًا. هذه المؤسسة حاولنا أن نؤسسها ونجعلها مؤسسة رائدة في المجال الثقافي والفني. الأهم من ذلك أنني بحاجة إلى موظفين بحدود اثنين أو ثلاثة أو أربعة، لأن الكم هائل للرقمنة، وأكون معهم من أجل تصنيف المحتوى: الأفلام الموجودة بالأبيض والأسود وغيرها. الشيء الآخر أن هذه الأفلام بحاجة إلى أجواء خاصة ومكيّفة، لأن الأفلام تتأثر بالرطوبة مثلها مثل الأدوية؛ إذا ذابت المادة مع الرطوبة فلن تصلح الصورة، وتحدث خدوش وتتغير الملامح، سواء الطبيعية أو غير الطبيعية، وحتى الرقمية أيضًا. هذه المؤسسة بحاجة إلى هذه المقومات.

بعد الرقمنة أختار مجموعة الصور الهائلة لكل منطقة في اليمن، وللشخصيات، والشخصيات النسائية، والفلاحات والفلاحين، والنساء في الريف والحضر، وأرتبها وأطبعها في ملفات محورًا محورًا، وأضع فيها كل ما هو موجود في اليمن من كل قرية، حتى الأزياء، من المهرة إلى صعدة، ومن يافع إلى عتمة والعدين، وهكذا. هذا الارث انا بذلت فيه جهدًا لا يمكن وصفه؛ عمر كامل وأنا أعمل فيه، من عمري ومالي، ولم أهتم بشيء كما اهتممت به. لم أترك مكانًا في اليمن، أو قرية، أو إنسانًا، أو أرضًا إلا ودوّنته. فهذا الجهد ملك للشعب اليمني وللإنسانية، وليس لي شخصيًا. فمن أراد أن يتفاعل معي في هذا الموضوع سأكون شاكرًا له، وسيكون له شأن كبير إنه دعم هذه المؤسسة التي تُعنى بالثقافة، سيكون له دور مثل دوري.

  • رحمة: هناك نقطة أخرى، كيف تنقل خبراتك ومهاراتك للشباب؟ هل فكرت في ذلك، مثلًا بعمل دورة تدريبية خاصة في مؤسستك تقوم فيها بتعليم التصوير وأخلاقيات المهنة والحفاظ على الصور؟

الغابري: قمنا بذلك من تلقاء أنفسنا، وهناك طلاب من مختلف الجامعات الأهلية والحكومية في صنعاء، والله بذلت جهدًا معهم، وحتى مراكز ومؤسسات مدنية، سواء رجال أو نساء، درّبتهم مجانًا عمليًا على طريقة التقاط الصورة، والحس الفني، وكيف يجب أن تكون فنانًا مواظبًا على عملك. وكانت دفعات من الطلاب وكذلك مراكز نسائية ورجالية، وبدون أي مقابل، ولم أطلب شيئًا من أحد، حتى إضاءة الكهرباء والاستوديو والأجهزة كانت علينا. وفي يوم من الأيام جاء أحد من التأمينات يريد التأمين عليهم، فقلت له إن هؤلاء نقوم بتدريبهم مجانًا، لكنه أصرّ أنه يريد التأمين عليهم.

  • رحمة: هل قررت أن تصدر مجلدًا أو موسوعة "أرشيف اليمن: ذاكرة عبد الرحمن الغابري" مثلًا؟

الغابري: فكرت في ذلك كثيرًا، ولكن ما باليد حيلة؛ فالطباعة مكلفة جدًا، وأنا بالكاد أستطيع أن أنفق على نفسي والإيجار. وقد سألني وزير الإعلام السعودي عام 2008 عندما عملت معرضًا هناك، ولاقي إعجاب الكثير، وكان بحضور وزير السياحة ووزير الثقافة اليمني. المهم سألني، فقلت له: بارك الله بالأستاذ وزير الثقافة و الاخ  وزير السياحة، قد عملوا جهدًا. وقال: لماذا لا تضع ذلك في أطلس؟ وقال أحدهم: دعه يدعمك. قلت: يكفي أننا شرفناكم، وإن دعمتم ذلك فجزاكم الله خيرًا.

  • رحمة: كم مرة تعرضت لنهب صور لك ونُسبت بأسماء غيرك؟

الغابري: كثير جدًا، وقلت لهم: عندما تأخذونها خذوها كما هي ولا تشوّهوا فيها. فأنتم الآن تسيئون لأنفسكم، لأن الملكية الفكرية ليست لكم. قال أحدهم لي: هذه ليست ملكًا لأبيك أو أمك، هي ملك للشعب اليمني.

  • رحمة: من وجهة نظرك، كيف يمكن أن نعالج نهب الحقوق الأدبية والفكرية للمبدعين اليمنيين، وبالذات أرشيفك؟

الغابري: لا يوجد حل إلا أن ترقمنها ثم تضع عليها ختمًا سريًا خاصًا، وتسجلها في "جوجل"، وهم سيحاسبونهم، لأن هناك خبراء يعرفون لمن تعود الصورة في الأصل. ولكن الموجودين لا يعرفون الملكية. هناك أشخاص ينشرون صورًا لمستشرقين كبار جاؤوا إلى اليمن في أوائل القرن العشرين، وقلت لهم: هذه جاءت قبل أن يأتي جدك، وتأتي لتنزلها على أنها لك! وحتى في القنوات حدث نفس الشيء؛ أخذوا من صوري ولم يذكروا الحق الفكري للصور حتى صحفيين وفنانيين.

  • رحمة: إذا كانت هناك مسؤولية أخلاقية للصورة، في رأيك لو حددناها في ثلاثة بنود، ما هي هذه البنود؟

الغابري: أولًا يجب أن يكون المصور مثل الطبيب، يرى كل شيء في الإنسان ولا يهمه إلا معالجة المريض الذي أمامه. الأمانة في الصورة هي أخلاقية بالدرجة الأولى. والشيء الآخر، ما لم يكن الفنان ذا رفعة في أخلاقه فليس فنانًا، فهو مجرد ملتقط عبثي. و لذلك أنا لا أحبذ نشر صور الموتى أو المرضى، مع أن لدي كمًا كبيرًا جدًا. فأنت عندما تنشر صورة ولو لقريبك وهو في حالة عجز أو ضعف، فهذه إهانة له. ومن المعيب جدًا أن تفعل ذلك، أو تنشر صور جثث مقطعة من أجل كسب موقف سياسي، فهذه ليست أخلاقًا. لدي صور نشرتها قبل اياما وهي من عام 1986 لفتاة تضع الماء فوق رأسها، ولاقت انتشارًا كبيرًا، وقد صورتها بعد أن أخذت الإذن منها. ويفترض أخذ الإذن عند التقاط الصورة. ونحن هنا حتى في الفيديو لا نصوّر إلا بعد أن يوقّع الشخص على تنازل مقابل الظهور. وهكذا أعمل.

صورة لفتاتة في 1986

  • رحمة: وهذا واجب أخلاقي، ولكن لو سألتك كم النسبة التي وثّقت فيها اليمن، أحداثًا وشخصيات؟

الغابري: أعتقد أنني وثّقت كل شيء: من حروب ولقاءات وسياسة وفعاليات ثقافية وفنية، ورموز ثقافية وأدبية وفكرية وعسكرية ورياضية.

  • رحمة: لو أتيحت لك مستقبلًا فرصة أن تلتقط صورًا أخرى لمناطق أو شخصيات أخرى، ما هي هذه الشخصيات وما هي هذه المناطق؟

الغابري: أتمنى، ولو أن الإنسان يحن إلى الماضي لأنه الأجمل، لكن أتمنى أن أجد اليمنيين واليمنيات كلهم في حالة ابتهاج عظيمة، بأزيائهم الملونة وجمال أرواحهم وأغانيهم وحياتهم اليومية الرائعة. هذا ما أتمنى أن أوثقه. أتمنى أن أراهم يعملون في الحقل والمصنع والمعمل، فالإنسان بالدرجة الأولى هو المكسب. وإذا بنيت الإنسان ووعّيت المجتمع، بالتأكيد سيبني الأرض بشكل أفضل. الصور البشعة التي انتشرت لشباب يمضغون القات هي نتيجة للتعليم. أتمنى أن نصل في التعليم ولو إلى نسبة بسيطة مما وصلت إليه سنغافورة، التي كانت عبارة عن مستنقعات وأصبحت  الدولة الأولى في التعليم.

  • رحمة: ألا تحلم بأن ترى كل الأطراف السياسية أو أمراء الحرب مجتمعين على طاولة وبينهم سلام، ويكون عبدالرحمن الغابري أول من يلتقط هذه الصورة؟

الغابري: بالنسبة لأمراء الحرب، يجب أن يتغيروا كلهم، ويجب أن نجد بديلًا لهم، ومن المفترض أن يأتي أشخاص يبنون السلام. أنا بالنسبة لي كل هؤلاء مقرفون.

  • رحمة: ما الذي تنتظره من الحكومة، وبالأخص من وزارة الثقافة، خاصة أن هذا واجبها وأن أرشيفك ملك اليمن والإنسانية؟

الغابري: أين هي الحكومة اليمنية؟ هم لم يهتموا بالإنسان الجائع، فكيف سيهتمون بالثقافة؟ ثقافتهم شراء أسلحة وقات وشراء ذمم.

  • رحمة: افترض أن الله هداهم، ما هي أمنيتك؟

الغابري:أنا غسلت يدي من الأمل بهؤلاء جميعًا، ولكن للأمانة هناك أشخاص أعرفهم جيدًا، وهم نادرون جدًا، ولن أذكر أسماءهم حتى لا أغيظ التعبانيين، ولكن أحتفظ بهم في قلبي. هم وصلوا إلى مرحلة المسؤولية الكبيرة والإنسانية، وربما في عام 2008 كنت قد ذكرت بعضهم في كلمة كتبتها وتناقلتها كل الصحف، وكانت مؤثرة جدًا. قلت عنهم إن هؤلاء فيهم مسؤولون لديهم حس فني وتذوق فني جميل، ومثقفون يَعُون ما يصنعه الفن للشعوب بشكل عام، والدولة بلا فنون ليست دولة.

  • رحمة: على المستوى الإقليمي والدولي، طالما أن المستوى المحلي ليس مهتمًا بالذاكرة اليمنية، فهل تواصلت معك بعض المؤسسات؟ وهل فكرت بالتعاون معهم من أجل حفظ أرشيفك؟

الغابري: أنا أتمنى في مجالي تحديدًا أن يدعموا الجانب الثقافي؛ لأنه مهم، ويصل إلى مرحلة إنتاج أشياء كثيرة، وكذلك الوعي. ستنتهي الحروب البينية وفكرة الظلم والضيم والنهب؛ لأنه إذا كنت واعيًا لا يمكن أن تصنع حرب أو تكون محاربًا. إذا كنت واعيًا، فلا بد أن تهتم بهذا الحقل، بالإنسان وما يهم الوطن. أما أن تكون تاجر حرب أو رئيس حزب عصبوِي، فلن تصنع شيئًا، والوطن بلا ثقافة ليس بوطن. وأن يكون المجتمع مثقفًا، فهذا يصنع للوطن الكثير.

ونحن، كما قلت عشرين مرة، بلدنا أغنى من الخليج كله بثرواتنا وطقسنا. أنا هنا في عدن أمرّ من ساحل أبين إلى العشاق، إلى جولدمور ورأس عمران والبريقة، وأقول: يا لعظمة هذا الوطن لو استُغل! في ريمة، في جبل واحد، أربعة فصول طوال السنة، من تهامة وحتى تصل إلى الجبيل، والزراعة نفسها كل محصول بما يتناسب مع الطقس. حتى الفواكه عندنا طوال العام؛ الصيفية موجودة في الشتاء، والشتوية موجودة في الصيف.

أنا عملت موسوعة الجزر، واشتغلت فيها عامًا ونصف، والله لا تحتاج هذه الجزر إلا إلى لمسات بسيطة لتتحول إلى أفضل منتجع في العالم. غير سقطرى وكمران وعبد الكوري، هناك بُكلان وعُقبان وكثير من الجزر بحاجة إلى الاهتمام.

رحمة:  الأستاذ عبدالرحمن الغابري، الذي حوّل عدسته إلى حارس للهوية اليمنية، والذي حاول جاهدًا أن يحافظ على ذاكرة اليمن، ولديه أرشيف يتنقل به من محافظة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، في ظل هذه الظروف الصعبة، شكرًا لك. اليوم استفدنا من حوارك، واتضحت الصورة قليلًا نحو المستقبل.

مشاهدينا، سرنا مع الغابري بين صالات العروض وشوارع صنعاء القديمة وسقطرى وتعز وعدن، وداخل استديو التلفزيون والمسارح، وحاولنا أن نستعرض مراحل مهمة من تاريخ اليمن وأحداثًا مهمة من خلال كاميرته. إلى لقاء قريب. ولا شيء يجمع اليمنيين ويدفعهم للتغيير مثل استعادة الزمن الجميل. نلقاكم في حلقة قادمة وضيف آخر.

الكلمات الدلالية