مدير هيئة المدن التاريخية بشبام لـ«النداء»: استمرار الحرب التهديد الأكبر لـ«مانهاتن الصحراء»
تعدّدت المسميات التي أُطلقت على مدينة شبام حضرموت عبر تاريخها؛ فحينًا عُرفت بـ«شبام العالية»، وحينًا آخر بـ«الروضة»، غير أن الاسم الذي ذاع صيتها به عالميًا هو «مانهاتن الصحراء». وقد جاء هذا الوصف الفريد نتيجة ما تحتضنه المدينة من أقدم نماذج العمارة العمودية في العالم، حيث ترتفع مبانيها الطينية الشاهقة إلى سبعة أو ثمانية طوابق، ويعود تاريخها إلى القرن السادس عشر الميلادي.
وأبهرت شبام زائريها من مختلف أنحاء العالم بتخطيطها العمراني الاستثنائي، القائم على البناء الرأسي في قلب الصحراء، بما يجسّد عبقرية معمارية وإنسانية نادرة. غير أن هذه المدينة التاريخية باتت اليوم مهددة بالاندثار بفعل جملة من التحديات، في مقدمتها انهيار عدد من المباني الأثرية منتصف يناير الماضي، الأمر الذي يفرض على الجهات المعنية والقائمين على إدارتها بذل جهود استثنائية وعاجلة للحفاظ على هذا الإرث الإنساني الفريد.
في هذا الحوار، يتحدث حسن عيديد، مدير عام الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية بشبام، لصحيفة «النداء»، عن أبرز التحديات التي تواجه عمل الهيئة، وحجم الأضرار التي لحقت بالمدينة التاريخية خلال العام الماضي، وتأثير الحرب على جهود ترميم المنازل الأثرية، إلى جانب قضايا أخرى ذات صلة.
- لماذا لا تباشر هيئتكم بخطة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المباني القديمة في شبام حضرموت؟
في البدء لا بد من الإشارة إلى أن تسليط الأضواء من قبلكم على مدينة شبام التاريخية، كواحدة من المدن اليمنية المسجلة في مركز التراث العالمي باليونسكو منذ العام 1982، أمرٌ مهم، لما تتميز به شبام من قيمة عالمية استثنائية ومعايير ارتبطت باستخدام الإنسان لما يحيط به من مواد تقليدية. ومن المعروف أن مدينة شبام بُنيت من الطين، وهي بذلك تمثل نموذجًا متفردًا بين بقية المواقع الطينية المسجلة، كمدينة حية لا تزال الناس تعيش بين جدرانها وشوارعها.
وفيما يتعلق بخطة الحماية والحفظ والصون والترميم، فإن مكتب الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية بشبام يعمل وفق خطط مسبقة ومنهجيات تتسق مع الحفاظ على القيمة العالمية الاستثنائية للمدينة. وتعلمون أن الوضع الحالي في اليمن غير مستقر بسبب الصراع والحرب، إلى جانب تحديات أخرى تتمثل في التغيرات المناخية، وضعف الوعي المجتمعي، وضعف تنفيذ القوانين والتشريعات.

ومن أجل إنقاذ المباني من أي انهيارات أو تضرر مفاجئ، فإننا نسير في مسارين لتنفيذ خطة الإنقاذ والحماية؛ يتمثل المسار الأول في دعم الحكومة من خلال الميزانيات المالية، وهذا الأمر - للأسف - متوقف منذ سنوات بسبب غياب سلطة الدولة، حيث توقف تمويل مشاريع الترميم والميزانيات التشغيلية، مما شكّل عبئًا كبيرًا على مكتبنا في تنفيذ خطة الحماية وتنفيذ مشاريع الترميم. أما المسار الثاني، فيتمثل في فتح قنوات تواصل مع المنظمات الدولية العاملة في مجال حماية التراث الثقافي، كمنظمة اليونسكو ومنظمة «أليف».
- أين ذهبت جهودكم السابقة في الحفاظ على شبام؟
الجهود مستمرة في الحفاظ على مدينة شبام، لكنكم تعلمون أن مباني مدينة شبام مبنية من الطين، وهذا يعني أن مبانيها بحاجة إلى صيانة دورية مستمرة بسبب زيادة الأمطار وكوارث السيول والفيضانات. وهذا أيضًا يحتاج إلى مسؤولية مجتمعية، لأنه بمجرد ظهور أي ضرر بسيط ومفاجئ، فإن على المالك أن يتدخل في صيانة هذا الضرر قبل أن يتزايد ويصبح ضررًا أكبر، غير قادر على تنفيذ التدخلات، مما يضطره إلى التواصل مع مكتبنا للتدخل السريع.
وهذا يحتاج إلى تواصل ووقت طويل إلى حين موافقة بعض الجهات التي تنفذ مشاريع ترميم كمشروع متكامل، وليس تدخلًا في حالة فردية، في حين أن التدخل في الحالات الفردية هو بالأصل من مهام الحكومة أو وزارة الثقافة.
نحن نعوّل على دور المجتمع ومدى وعيه في تحمل مسؤولية الحفاظ، وسنظل نتابع في تكثيف التواصل مع المانحين ودور الحكومة والوزارة والسلطة المحلية بالمحافظة.
- قلتم في السابق: «ملتزمون بتنفيذ سياسة الحفظ والصون لمدينة شبام التاريخية»، برأيكم ما هي الأسباب والجهات التي تعرقل هذا الالتزام؟
صحيح، نحن ملتزمون بتنفيذ سياسة الحفظ والصون وفق الاتفاقيات الدولية بين اليونسكو والدولة اليمنية كطرف. ونحن في مكتب الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية نمثل الدولة في رفع تقارير الحفظ والصون، بموجب التقارير السنوية التي تُرفع إلى الوحدة العربية لمركز التراث العالمي في فبراير من كل عام، بالتنسيق مع المندوبية اليمنية الدائمة لدى اليونسكو.
ويشرح هذا التقرير الخطوات والإجراءات التصحيحية المتخذة للحفاظ على القيمة العالمية الاستثنائية لمدينة شبام، من خلال مجموعة المشاريع والأنشطة. ونحن نثمّن دور الاتحاد الأوروبي في تمويل مشاريع الترميم، وتنفيذ مكتب اليونسكو - الدوحة، والشركاء المحليين في اليمن: الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة، الذي استمر ست سنوات على مرحلتين من 2020 إلى 2026، إضافة إلى المشروع الطارئ لترميم مباني شبام بتمويل منظمة «أليف» ومكتب اليونسكو - البحرين، وكذلك المشروع الحالي في شبام «مشروع العمارة الفريدة»، الممول من منظمة ALIPH وتنفيذ منظمة إدارة التراث بالشراكة مع المؤسسة الأمريكية لدراسة الحضارات ومكتب الهيئة بشبام، خلال الفترة من 2025 إلى 2027.

كل هذه الإجراءات تأتي ضمن الالتزام بتنفيذ سياسة الحفظ والصون. المشكلة أن التحديات تأتي من الداخل، ومن غياب دور الجهات الحكومية، وأقولها بصراحة وبكل أسف. إضافة إلى عدم تفاعل بعض الجهات المعنية بتنفيذ سياسة الحفظ والصون، والمتمثلة في مكاتب الدولة الأخرى كهيئة العقار والمساحة، ومكاتب الأشغال، والنيابة، والأوقاف. الجميع يتحمل هذه المسؤولية بالشراكة مع مكتب الهيئة بشبام.
نحن ملتزمون بتنفيذ مخطط الحماية الذي تشترك فيه جميع الجهات السالفة الذكر، بعدم تجاوز هذا المخطط في مشاريع البنية التحتية وتدخلات بقية المكاتب المعنية الأخرى في وسط المدينة.
- كيف أثّرت الحرب على الجهود الرامية لترميم المنازل في شبام التاريخية؟
مدينة شبام تأثرت كثيرًا بالصراع السياسي والحرب في اليمن منذ العام 2011، حيث ضعف الأداء الحكومي، وأُلغي التعامل مع مكاتب الهيئة في صنعاء، ولم يتم إنشاء مكتب للهيئة في عدن، وتحملنا عبئًا كبيرًا في تنفيذ سياسة الحفظ والصون.
الحرب أثّرت بشكل كبير، حيث توقف الدعم الحكومي والدولي في آنٍ واحد، خاصة خلال الفترة من 2011 إلى 2019، إذ لم تتمكن المنظمات الدولية من تنفيذ مشاريع ترميم بسبب الحرب. وبعد إقناع وتفاوض مع بعض المنظمات بضرورة التدخل، بدأت مشاريع الترميم منذ العام 2020.
وبما أن مباني شبام من الطين، كان يحتم علينا فتح قنوات تواصل مع بعض الشركاء المحليين لتنفيذ مشاريع عاجلة وصغيرة، كمؤسسة دوعن للعمارة الطينية بحضرموت، ومصنع الإسمنت بالمكلا خلال عامي 2013 و2018.
كما أثرت الحرب على ضعف تنفيذ القوانين والتشريعات، وظهور بعض التجاوزات والمخالفات البسيطة في نمط البناء وتدخلات بعض المكاتب في تنفيذ مشاريع البنية التحتية، لكنها لا تشكّل تهديدًا كبيرًا على القيمة العالمية الاستثنائية لمدينة شبام.
- ما هي الأضرار التي تعرضت لها شبام التاريخية خلال العام الفائت؟
ما يهدد مدينة شبام هو استمرار الحرب في اليمن، وأثر التغير المناخي، وزيادة الأمطار والسيول. وتكمن الأضرار في تزايد بعض الأضرار في مباني المدينة، لكننا نتمنى أن يستمر الدعم الدولي في تنفيذ مشاريع الترميم، لما لذلك من أثر إيجابي على المجتمع المحلي.
فبدون التدخلات ستنهار بعض المباني في ظل ضعف الحالة المعيشية والاقتصادية للمجتمع وظروف الحرب الحالية. كما أن الخرائب الموجودة في شبام تشكّل تهديدًا مباشرًا إذا لم يتم التدخل لهدمها كليًا أو تنفيذ أعمال تصريف للأمطار، خاصة تلك الملاصقة للبيوت المأهولة. وكما تعلمون، فقد انهار أحد مباني شبام الشهر الفائت بسبب عطل في شبكة المياه، لكن تم تجاوز هذه المشكلة.
- ما هي الرسالة التي توجهونها للمواطنين أولًا، وللدولة ثانيًا، وللمنظمات المعنية بالحفاظ على المدن التاريخية ثالثًا؟
بكلمة واحدة، أتمنى أن يتحمل الجميع مسؤولية الحفاظ على مدينة شبام: حكومةً، ومجتمعًا محليًا، ومنظمات دولية. فإذا أردنا أن تبقى مدينة شبام على قائمة التراث العالمي، فهي الآن مسجلة ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر منذ العام 2015، مع صنعاء وزبيد، كونها مدينة طينية خالصة، ما يعني حاجتها إلى مزيد من الاهتمام قبل أن تندثر.
- كلمة أخيرة؟
أؤكد أننا أردنا أن نكون صريحين في هذا الحوار من أجل أن تبقى مدينة شبام حضرموت واحدة من أبرز المدن المسجلة على قائمة اليونسكو في اليمن، وهي لا تزال كذلك رغم التحديات التي تواجه مكتبنا في شبام، سواء من الناحية المالية أو المؤسسية، لا سيما أن التقاعد أخذ جزءًا كبيرًا من موظفيها.
وتظل شبام نموذجًا حيًا لتعايش الإنسان مع بيئته، وهذا ما يحقق الاستدامة في التراث الثقافي.