العميد طارق بين استحقاقات السيادة وإكراهات التمويل
حين يُذكر العميد طارق محمد عبدالله صالح، لايذكر على انه مجرد قائد عسكري فقط، بل تُستدعى معه الكثير من الأسئلة التي أعتقد انها أثقل من الرتبة والسلاح والمنصب السياسي الكبير كعضو مجلس القيادة الرئاسي (أعلى سلطة في البلاد)، لأنه يقف عند تقاطع واضح بين منصبه السياسي وواقعه العسكري، وبين تطلعات شريحة واسعة من اليمنيين الباحثين عن قوة منظمة في زمن التفكك، وشريحة أخرى من أنصاره ومحبيه، ممن يرون فيه امتداد لمرحلة سياسية وشخصية ارتبطت بعمه الرئيس السابق وأسرته، غير أن هذا الحضور المتنامي، بكل مايحمله من رمزية ودعم، يضعه أمام اختبار أكبر من الأشخاص والمناصب، اختبار يمس جوهر السؤال الأهم لدى اليمنيين وهو؛ هل يمكن تحويل القوة إلى مشروع وطني مستقل، أم تبقى أسيرة لحسابات الممول.؟!
لم يعد التحدي المطروح أمام الفندم طارق والمقاومة الوطنية مرتبط بقدرته على الصمود أو التمدد، بل بقدرته على تعريف ذاته سياسيا؛ هل هو مشروع يمني بتمويل إماراتي في إطار تحالف واضح بينهما، أم مشروع إماراتي بأدوات يمنية، فالاختبار الحقيقي لاستقلال أي قوة مسلحة لايُقاس بما ترفعه من شعارات، ولا بما تصدره من بيانات، بل بقدرتها على اجتياز اختبارات السيادة الصعبة، وعلى رأسها اختباران لايمكن الالتفاف عليهما:
أولهما؛ امتلاك قرار عسكري سيادي، حتى عندما يتعارض هذا القرار مع أولويات الممول أو حساباته الإقليمية..
وثانيهما؛ الموقف العملي من ملفات الجزر والموانئ والممرات الاستراتيجية، حيث يشعر قطاع واسع من اليمنيين أن السيادة في هذه الملفات باتت مؤجلة أو منقوصة، أو محكومة بتفاهمات غير معلنة مع الحلفاء..!!
الفارق كبير جدا بين مفهومي التحالف والتوظيف، فالتحالف، في جوهره السياسي، هو شراكة بين أطراف تمتلك كل عناصر القوة، كالموارد المالية والحاضنة الشعبية، أما حين يختل هذا التوازن، ويصبح أحد الأطراف معتمد بالكامل في (معاشه ورصاصته) على الطرف الآخر، فإن العلاقة مهما جرى تزيينها لغويا تنزلق تدريجيا من خانة الحليف إلى موقع أقرب للمتعاقد أو الموظف، وبعضهم يطلقون عليه البيدق.!!
هذا التعريف لايستهدف طارق صالح، ولا المقاومة الوطنية، بل يُمثل معيار عام يمكن إسقاطه على معظم التشكيلات العسكرية والسياسية التي أفرزتها الحرب التي طال امدها وفتت اليمن..
السؤال الذي يوجه للجميع؛ هل يمكن تحويل تلك القوات المسلحة والتشكيلات المختلفة من كيان ممول من الخارج، إلى مشروع متجذر في الموارد الوطنية، وهل يمكن بناء حاضنة شعبية حقيقية تشرعن القرار، وتموّل الموقف، وتحمي الاستقلال الوطني..؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كنا أمام مشاريع وطنية قابلة للتحول، أم أمام شركات أمنية بصبغة سياسية تعمل ضمن خارطة نفوذ إقليمية أوسع..!
للمرة الثانية؛ هذا النقاش لااريد به التقليل من دور العميد طارق، ولا من تضحيات مقاتلي المقاومة الوطنية، ولا من تطلعات أنصاره الذين يرون فيه أملا لاستعادة الدولة ومؤسساتها، بل على العكس، فإن رفع سقف التوقعات هو اعتراف بثقل الرجل وموقعه، فالقادة الصغار لايُسألون عن السيادة، أما من يُراهن عليهم فيُطالَبون بها دائما..
اخيرا؛ لابد من الاقرار بأن امتلاك الدعم الإقليمي مش غلط ولا خطيئة، بل قد يكون ضرورة في لحظة اختلال تاريخية، لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من لحظة الضرورة إلى أفق الاستقلال، ومن منطق إدارة القوة إلى منطق بناء المشروع، فالحليف يُحترم عندما يُصغي لرأيك، أما التابع فيُقدَّر فقط بمدى التزامه بالتنفيذ، وفي السياسة، لاتُقاس الشرعية بطول السلاح، بل بمدى تحرره، وفي اليمن، حيث تختلط البنادق بالأجندات، تظل السيادة ليست ترف ولا شعار أخلاقي، بل الشرط الوحيد الذي يُحوّل البندقية من أداة في صراع دولي، إلى حارس حقيقي لمستقبل الجمهورية..