غياب الحرية في اليمن وخنق أصوات النقد( 14-14)
في ثلاث عشرة حلقة ماضية تتبعنا كيف تغيب الحرية، و تُخنق الكلمة الناقدة في اليمن وأشرنا إلى مأساة الصحفي الذي يُستدعى من هنا أو هناك، والناشط الذي تلفق عليه تُهم كيدية، والموظف الذي يُخيَّر بين لقمته وصمته.
وأهم فكرة أكدنا عليها في الحلقات الماضية أن المعارضة والنقد ليسا خيانة، وأن الصمت أمام مشاهد الخراب والفساد والفوضى ليس أمنًا كما يتوهم البعض.
اليوم نختم بما بدأنا به، لكن من زاوية أوضح لنكرر القول:
إن السلطة أيًا كان لونها السياسي أو الميليشاوي، وأيًا كان سند سيطرتها على الرقعة الجغرافية المسيطرة عليها في البلاد، فهي مطالبة بتحمل مسؤوليتها عن إقامة العدل، وصرف رواتب الموظفين التابعين لها، وتوفير الخدمات الأساسية للناس في نطاق سيطرتها، والتقيد بمبدأ تكافؤ الفرص في تولي الوظيفة العامة، وأن تدرك أن الناس ضحايا سياساتها لا خصومًا لبعضهم البعض كما تحاول أن تبينه لأتباعها.
هذه الحلقة ترتب الغاية من المعارضة غير المأجورة وتذكر بأن خنق الأصوات بالاعتقال أو بالاستقطاب القسري أو بأي شكل من أشكال الإكراه الأدبي وغير الأدبي لم يترك لنا إلا خيارًا واحدًا، وهو أن يكون لنا فرعون يُغيِّب عن الناس خير البلاد ولا يريهم إلا ما يرى هو.
ومن المهم أن يعي القائمون على السلطة أننا عندما ننتقدها ، فهذا لا يعني أننا ضد طائفة معينة أو ضد الأمن العام، بل ولسنا ضد أحد بذاته.
ننتقد الأوضاع الرديئة التي تعيشها بلادنا منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، ونؤمن أن النقد دائمًا يُوجَّه لمن يمتلك القرار، وأساسه أن هذا الذي يمتلك القرار يجب أن يتحمل المسؤولية.
أما المواطنون فهم ضحايا فساد الحكومة المعترف بها وعبث الميليشيات المسلحة وليس هناك مشكلة شخصية بين يمني ويمني، بل ولا بين مواطن، ومشرف، أو بين مواطن ومسؤول أيًا كان.
كل ما في الأمر أن هناك ناسًا مؤيدين للسلطة لأسباب نفعية ومصلحية، وآخرين موجوعين من فسادها وإهدارها لحقوقهم الإنسانية، والدستورية، والقانونية، ينتقدونها ويرون أن أداءها لا يرتقي إلى المستوى المطلوب وهذا أمر طبيعي جدًا.
وعلى هذا الأساس فالهدف ليس إثارة جدل عابر، ولا مجرد معارضة أو نقد مغرض، بل الهدف هو محاولة الإسهام في التوعية بإبراز الجدوى العامة للمعارضة الوطنية الصادقة، وغير المدفوعة من جهات خارجية، وإبراز منافع النقد الصادق، والحصيف، وإن جاء أحيانًا بأسلوب جاف إلى حد ما.
"المشكلة تكمن في قيام السلطة بتجيير النقد الموجه لها، وتظهره وكأنه معركة بين المعارضة أو النقاد، وبين المواطنين أتباع الطائفة التي وجه اليها النقد او السلطة التي ينتمي إليها مسؤولوها، أو الأفراد العاملون في مؤسساتها أو المستفيدون من فسادها"؛ فتنقل بخبث السخط الشعبي عليها إلى صراع بين المواطنين وبعضهم البعض اعتقاداً منها أن هذا الأسلوب الخبيث يصب في صالح استمرارها؛ غير أن الوعي المجتمعي الراقي والناضج كفيل مع الأيام بفضح هذه الأساليب ورفضها.
معظم المطبلين الجاهلين يستنفرون عندما تُنتقد الميليشيا المنتفعين من فسادها؛ لأنهم تلقوا إملاءات أن في انتقادها ضياعًا لمصالحهم الآنية، أو أن نقد قيادتها يمثل انتقادًا للدين، وكأن النقد نقض لأحكام الدين واركانه.
ونرى أن كل من يشغل منصبًا في السلطة لابد ـ من الضرورة بمكان ـ أن يكون عرضه للنقد ويجب عليه وجوبًا اعتباريا أو قانونيا أو شرعا أن يتحمل النقد، وأن يتعامل معه بصورة إيجابية بعيدا عن التخوين، وسوء الظن.
والمهم في ذلك كله أن يكون النقد بناءً لا تجريحًا ولا تخوينًا؛ فنقد السلطة أو المليشيات القائمة هو محاولة حثيثة للتصويب، والتحذير من تبعات قراراتها وأفعالها، وليس موقفًا عدائيًا صرفًا، حتى وإن دخل نطاق الخصومة الشريفة.
فمن أهم غاياته بناء الوطن؛ فلن يقف ضد أحد من منظور مذهبي أو حزبي أو مناطقي أو عنصري ولا يتعامل مع الناس وفق اي مفهوم من هذه المفاهيم الحقيرة.
ومعالجة أوضاع البلاد حاليًا لم تعد تحتمل تكهنات أو تأويلات أو مداهنات أو مجاملات، ويتوجب انتقاد الأخطاء مباشرة ودون مواربة.
ولا يجوز السكوت عما يتعرض له المواطنون بشكل عام، والصحفيون والمعارضون والنقاد بشكل خاص من ضغوط، وانتهاكات، واعتقالات وتكميم أفواه، ولا يجوز ايضاً قطع رواتب الموظفين وتخوين من يطالب برواتبه . كما لا يجوز الاستقطاب القهري للإعلاميين، والكتاب، والمشاهير تحت أي سبب، أو مسمى، كما تفعله الحكومة والمجموعات الميليشاوية المسلحة في بلادنا حيث تقوم بممارسة ضغوط على المشاهير وعلى وسائل الإعلام الخاصة غير الحكومية لحملهم على الانحياز لها ، هذه الممارسات أجبرت كثيرًا من الصحفيين والنقاد والمشاهير على الاختيار بين الرضوخ، أو التعرض للتضييق والتنكيل؛ وهكذا تزداد ظروف حرية الرأي سؤاً، وصارت في معظم أحوالها مشابهة لمفردات الحياة التعيسة التي يعاني منها اليمنيون منذ انقلاب 21 سبتمبر 2014، وحتى اللحظة.
وهنا مكمن الخطر؛ ذلك أنه كلما ضاقت مساحة النقد، اتسعت مساحة العنف الرمزي والمادي واستفرد الطغيان وتوطن الفساد.
ونؤكد للمرة الألف أن هدفنا دعم الحرية، والعدالة، والمساواة، ورفض الاستبداد والفساد والظلم، وليس دعم طرف ضد طرف.
ونرفض الاتهامات بالخيانة والعمالة والنفاق والتفسيق ونؤكد أن الحوار بين الأطراف هو أنجع السبل لتحقيق السلام، والاستقرار، مع أهمية حقوق الإنسان، وإطلاق الأسرى، والمعتقلين، وفق قاعدة الكل مقابل الكل، وصيانة الحياة الخاصة واحترامها من قبل السلطات في كل المحافظات.
وأخيراً وبما اننا ولله الحمد ننعم بنعمة الدين الاسلامي الحنيف فقد وجدنا أن التاريخ منحنا نماذج عظيمة من سير الأنبياء عليهم السلام، والخلفاء رضوان الله عليهم الذين قبلوا النقد والمعارضة، بل وطالبوها بذلك، ويجب ان نقتدي بهم، خاصة ونحن
اليوم أمام المرآة ذاتها إن تُركت الأصوات الناقدة تُخنق، فسيتم إنتاج فرعون كل يوم في صنعاء، وآخر في عدن؛ وإن وجدت مساحة ضيقةً كانت أم رحبة لمراجعة الاعوجاج ومكافحة الفساد فقد نرى بداية فرج.
فالمشهد قد يقع غدًا إما يبقي اليمن مختبرًا لاستبداد ظالم يضيق بالمعارضة ويقمع النقد، أو يحوّله ولو بخطى بطيئة، إلى وطن يُسمع فيه ترحيب السلطة بالنقد البناء، فتنعم البلاد بالخير والحرية والرفاه.
والله من وراء القصد.