"اليمن بين فكي"
منذ عام 2011، لم يكن ما جرى في اليمن حدثًا عابرًا أو موجة احتجاج مؤقتة، بل كان لحظة وعي جماعي نادرة، عبّر فيها جيل كامل عن رغبته في كسر بنية سياسية أنهكته لعقود، وبناء دولة حقيقية تقوم على القانون، وتُدار بالمؤسسات، وتحترم كرامة الإنسان. كان ذلك الشرخ الثوري طبيعيًا، نابعًا من تراكم طويل من الإقصاء والفساد، ومن حلم مشروع بدولة مستقلة ذات سيادة، لا تُختزل في أشخاص ولا تُدار بمنطق الغلبة.
غير أن هذا الحلم لم يُمنح فرصة الاكتمال. فما إن انطلقت الثورة حتى وجدت نفسها بين فكين: فكّ نظام قديم يرفض السقوط، وفكّ قوى سياسية جديدة لم تكن تريد تغييرًا جذريًا بقدر ما كانت تسعى إلى وراثة السلطة. هكذا جرى اختطاف اللحظة، وتحويل مسارها من مشروع وطني جامع إلى صراع نفوذ، تُدار فيه السياسة كغنيمة لا كمسؤولية.
بدل أن تكون الثورة أداة لتفكيك منظومة الفساد، تحولت إلى مدخل لإعادة إنتاجها. دخلت البلاد في سلسلة من التسويات الهشة، صُممت لإرضاء مراكز القوى لا لتحقيق تطلعات الناس. جرى التفاوض على الدولة، وتقاسم مؤسساتها، وتدوير النخب ذاتها بوجوه مختلفة وخطاب محدث، بينما بقي جوهر الأزمة على حاله. ومع مرور الوقت، تآكلت فكرة الدولة نفسها، ولم تعد إطارًا جامعًا، بل ساحة صراع مفتوحة.
وخلال السنوات التالية، برزت تحولات سياسية فاضحة، لم تكن نتيجة مراجعات فكرية أو نضج وطني، بل تعبيرًا عن انتهازية صارخة. قوى كانت ترفع قضايا كبرى، ما إن اقتربت من السلطة حتى خفّ صوتها أو تبدّل موقفها. وشخصيات كانت في قلب القرار، وزراء أو مستشارين أو مسؤولين، ما إن أُقصيت أو فقدت امتيازاتها حتى انتقلت إلى الضفة المقابلة، لا دفاعًا عن مبدأ، بل معارضةً لسلطة خرجت من يدها. هكذا تحولت القضايا الوطنية إلى أوراق ضغط مؤقتة، تُستخدم عند الحاجة وتُرمى عند أول صفقة.
في هذا المناخ، فقدت السياسة معناها الأخلاقي، وتحولت إلى لعبة مواقع. لم يعد السؤال المطروح: ماذا نريد لليمن؟ بل: أين نقف الآن؟ ومع من؟ وكم ثمن هذا الموقف؟ ومع هذا الانحدار، اتسعت الفجوة بين الخطاب والممارسة، وبين ما يُقال للناس وما يُدار في الغرف المغلقة.
ولم يكن الإعلام بعيدًا عن هذا المشهد. فقد نشأ خلال الصراع سوق واسع للولاءات، تُشترى فيه الأصوات وتُدار فيه المعارك بالكلمات بدل البرامج. رأينا أقلامًا كانت تعبّر بجرأة عن هموم الناس، ما إن اقتربت من كشف بنية الفساد أو هزّ مراكز النفوذ، حتى جرى احتواؤها بمنصب صغير أو راتب ثابت أو صمت مريح. هكذا خسر المجتمع مساحات واسعة من النقد الحقيقي، وظهر فراغ صوتي مؤلم، افتقده الناس في لحظات مصيرية. وحين عاد بعض هؤلاء إلى الهجوم بعد خروجهم من دوائر النفوذ، بدا خطابهم أقرب إلى تصفية حسابات شخصية منه إلى دفاع صادق عن القضايا.
وبين هذه الاصطفافات والتحولات، ظل اليمن ينزلق أكثر نحو التفكك. صراعات متداخلة بلا أفق، وحروب تُدار دون مشروع وطني واضح، ومؤسسات تُفرغ من مضمونها لصالح شبكات نفوذ. أسهمت أطراف خارجية في تعقيد هذا الواقع، لا فقط عبر التدخل، بل عبر إدارة الأزمة بدل حلّها، وإبقاء البلاد في حالة سيولة سياسية وأمنية تخدم توازنات إقليمية، لا مصلحة اليمنيين. ومع كل جولة صراع، كان الثمن يُدفع من حياة الناس، ومن مستقبل الدولة.
في ظل هذا الواقع، لم يعد الحديث عن إصلاحات جزئية أو تغييرات شكلية مقنعًا. فالأزمة لم تعد أزمة حكومة أو إدارة، بل أزمة بنية سياسية كاملة استُهلكت، وفشلت، وأثبتت عجزها عن إنتاج دولة عادلة أو مستقرة. الاستمرار في تدوير الوجوه ذاتها، أو إعادة تسويق القوى نفسها، ليس حلًا، بل إطالة لعمر المأزق.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مسار مختلف جذريًا، لا يقوم على الانفعال، ولا يكرر أخطاء الماضي. مسار شعبي واعٍ، منظم، يمتلك رؤية واضحة لإعادة بناء الدولة، ويقوده أشخاص يمتلكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإدارة، لا مجرد القدرة على الخطابة أو الحشد. مسار يعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا، لا غنيمة سياسية.
هذا المسار لا يمكن أن ينجح دون محاسبة حقيقية. محاسبة سياسية وقانونية لكل من استغل القضايا، وبدّل مواقفه وفق مصالحه، وأسهم في جرّ البلاد إلى صراعات كنا في غنى عنها. المحاسبة ليست انتقامًا، بل شرطًا للعدالة، وضمانة لعدم تكرار الكارثة. فلا يمكن بناء مستقبل مختلف فوق ركام الإفلات من المسؤولية.
كما لا يمكن الخروج من هذا المأزق دون حوار وطني جديد، حوار لا تُديره الوجوه ذاتها، ولا تُهيمن عليه القوى التي فشلت، بل يفتح المجال أمام أصوات جديدة، ويعيد طرح الأسئلة الجوهرية: أي دولة نريد؟ كيف تُدار؟ وما هي أولوياتها الحقيقية؟ حوار يُبنى على القانون، ويستند إلى مصلحة المجتمع، لا إلى توازنات اللحظة.
اليمن اليوم يقف فعلًا بين فكين: فكّ ماضٍ يرفض أن يرحل، وفكّ حاضر عاجز عن التقدّم. وبينهما، شعب يدفع ثمن صراع لا مشروع له، ويحلم بدولة لم تولد بعد. الخروج من هذا الوضع لا يكون بإعادة تدوير الأزمة، بل بكسر هذا المنطق بالكامل، واستعادة السياسة كأداة لبناء الوطن، لا كوسيلة