صنعاء 19C امطار خفيفة

الحوار في زمن الانقسام: نحو ثقافة تتجاوز الخلافات

لم يكن الواقع اليمني يومًا خاليًا من التعدد، لكن ما نشهده في السنوات الأخيرة من انقسام وتشظٍ على مستويات متعددة، منها الفكرية، الاجتماعية، والسياسية، يضعنا أمام سؤال عميق:  كيف يمكن أن نعيد للمجتمع لُحمته؟ وكيف نزرع في نفوس الأجيال ثقافة تتجاوز الانقسام؟
الجواب، وإن لم يكن بسيطًا، يبدأ من مفهوم أصيل ومجرب:  الحوار.


الحوار ليس ترفًا فكريًا، ولا مجرد شعار يُطرح في المناسبات. بل هو ممارسة يومية، نابعة من احترام الإنسان لكرامة الآخر، ومن إدراكنا أن الحقيقة لا يمتلكها طرف واحد، وأن الاستماع لا يقل أهمية عن الكلام. وفي اليمن، حيث تعمّقت الفجوات، لم يعد الحديث عن الحوار مجرد خيار، بل صار ضرورة لبناء السلام الداخلي، والقدرة على العيش المشترك.
حين يغيب الحوار، يسهل أن تنتشر الأحكام المسبقة، وتتصاعد الأصوات المتشددة، وتُغلق أبواب الفهم المتبادل. ويصبح المختلف عدوًا، بدل أن يكون زميلًا في الوطن والتجربة والمصير. وهذا ما نشهده اليوم، بشكل أو بآخر، في بعض البيئات التي أغلقت نوافذ التواصل، وضيّقت على الأفكار الجديدة، واعتبرت التنوع خطرًا بدل أن تراه غنىً.
لكن من أين نبدأ؟ وكيف نُعيد الاعتبار لقيمة الحوار في زمن الانقسام؟
الخطوة الأولى هي العودة إلى الإنسان، وإلى الأسرة، وإلى المحيط القريب.  فكل ثقافة مجتمعية تبدأ من التربية، من الطريقة التي نتحدث بها مع أطفالنا، ومن قدرتنا على خلق بيئة في البيت تحترم الرأي المختلف، وتُعلّم الأبناء كيف يصغون قبل أن يتكلموا.
حين يتعلم الطفل في بيته أن يعبّر عن رأيه دون خوف، وحين يرى الوالدين يتحاوران في اختلافهما باحترام، وحين يجد في محيطه الصغير تشجيعًا على السؤال بدل الزجر، فإنه ينشأ وهو يقدّر قيمة الكلمة، ولا يبحث عن العنف ليعبّر عن ذاته. هذه البذور، التي تُزرع في الأسرة، تمتد لاحقًا إلى المدرسة، والجامعة، وساحة العمل، والمجتمع ككل.
ويأتي دور الشباب هنا محوريًا. فالشباب، بطاقاتهم وأسئلتهم واندفاعهم، هم القادرون على كسر الجمود الذي فرضته سنوات الصراع. لكن ذلك لا يحدث تلقائيًا. بل يحتاج إلى توعية، وتدريب، ومساحات آمنة للحوار والتفكير، دون تسييس مفرط أو أحكام قاسية.
متى ما امتلك الشاب المهارة ليدير حوارًا مع من يختلف معه، فقد وضع قدمه الأولى على طريق الصحيح. ومتى ما تدرّب على التفكّر قبل ردّ الفعل، وعلى التفنيد قبل التهجم، فقد أصبح لبنة في بناء ثقافة جديدة.
ومن المفيد هنا التذكير بأن الحوار لا يُلغِي الاختلاف، بل ينظّمه ويُبقيه ضمن حدود التفاهم. نحن لا نحتاج إلى مجتمع متماثل، بل إلى مجتمع قادر على التعايش رغم التباين. فالفكرة ليست في أن يفكر الجميع بطريقة واحدة، بل في أن يملك الجميع المهارة والنية للتفاهم والعمل المشترك لبناء وطن يسع الجميع.
وفي السياق اليمني، نحتاج إلى خطاب إعلامي وتربوي جديد، يُشجع الشباب على أن يكونوا روّادًا في نشر هذه الثقافة، لا مجرد متأثرين بالواقع. علينا أن نُخرج الحوار من دائرة النخبة إلى دائرة الناس، إلى الحوارات اليومية، إلى المجالس، إلى المدارس، إلى المبادرات المجتمعية، وحتى إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت ساحة لصناعة الرأي العام.
لقد أثبتت التجارب أن التغيير الثقافي يبدأ من التفاصيل الصغيرة.  من لغة الخطاب، من اختيار الكلمات، من احترام الآخر في النقاش، من الوعي بأن ما نكتبه أو نقوله يمكن أن يُصلح أو يُؤذي. وهذه مسؤولية كل فرد، ولكنها أكبر على الشباب، لأنهم الأكثر تأثيرًا في تشكيل المستقبل.
وفي كل ذلك، لا بد أن ننتبه إلى ضرورة أن يكون الحوار مرتبطًا بالفعل.  الحوار الذي يبقى في دائرة الكلمات فقط، يفقد أثره. لكن حين يقترن الحوار بالتعاون في مشروع مشترك، أو مبادرة مجتمعية، أو نشاط مدرسي، فإنه يتحوّل إلى خبرة حيّة تُثبت للجميع أن الاختلاف ليس عائقًا، بل عامل غنى.
ختامًا، إن الحوار في زمن الانقسام هو خط الدفاع الأول عن وحدة المجتمع.  هو الجسر الذي يمكن أن يُبنى فوق الهوّة، إذا توافرت النية، والاحترام، والرغبة في التعلم والتطور. وبين الانقسام والتفاهم، يملك كل شاب في اليمن الخيار ليكون جزءًا من الحل، لا امتدادًا للمشكلة.
لنبدأ من حيث نحن. من البيت، من المدرسة، من الأصدقاء، من وسائل التواصل. لنختر كلماتنا بعناية، ولنُصغِ بصدق، ولنرَ في اختلافنا فرصة لا تهديدًا. فبهذا وحده، يمكن أن نصوغ ثقافة تتجاوز الانقسام، وتفتح الطريق نحو يمنٍ يسع الجميع.

الكلمات الدلالية