صنعاء 19C امطار خفيفة

هوكينغ وثقوب إبستين السوداء

ستيفن هوكينغ

كشف ظهور اسم ستيفن هوكينغ في وثائق "إبستين" جانباً معقداً من زواج المصلحة بين العلم والمال. فالعلم يحتاج دائماً لتمويل ضخم يغسل تعب المختبرات، والمال القذر يحتاج دوماً لمسحة قداسة لا يمنحها إلا عقل يستطيع شرح الانفجار العظيم وهو جالس على كرسيه المتحرك.

وقع الجمهور في حيرة أخلاقية. كيف لهذا العقل الذي فكك طلاسم الكون أن يعجز عن فك شفرة نوايا مضيفه في الكاريبي؟ الحقيقة أن هوكينغ لم يكن يرصد النجوم فحسب، لكنه كان "النجمة" التي يزين بها الممولون سهراتهم، والبرهان الذي يسوقونه لإثبات آدميتهم المفقودة.
في عام 2006، تحول الكاريبي من مأوى للقراصنة القدامى إلى منتجع لـ "قراصنة العقول". وجود نوابغ بوزن هوكينغ في مؤتمر علمي هناك لم يكن لخدمة الفيزياء وإنما لمنح المكان طابعاً شرعياً، ليظهر وكأنه امتداد طبيعي للمؤتمرات الدولية التي تقتات في كثير من الأحيان على فتات الجهات الخاصة.
كان جيفري إبستين يتقمص دور "ميديشي" العصر الحديث (مع فارق في الذوق الأخلاقي طبعاً). ففي القرن السابع عشر، دعمت عائلة ميديشي المصرفية غاليلو غاليلي حين احتاج إلى "ظهر". ليس حباً في "دوران الأرض" ولكن امتلاك عالِم يتحدث مع النجوم يمنحهم تفوقاً ميتافيزيقياً على خصومهم. وبالمقابل، وفي حركة تذاكٍ سياسي أطلق غاليلي على أقمار المشتري اسم "أقمار الميديشي" ليربط خلوده بتمويلهم.
بعد أربعة قرون تكرر المشهد في الكاريبي لكن بصورة مشوهة. هوكينغ لم يكن مهدداً من الكنيسة. كان مهدداً بـ " "فقر الميزانيات". وإبستين لم يكن يطمح لتخليد اسمه عبر أقمار جديدة، ولم يطلب من هوكينغ تسمية ثقب أسود باسمه (فقد كان إبستين نفسه ثقباً أسود يبتلع الأخلاق). لكنه اكتفى بصور تذكارية بجانب هوكينغ ليلطخ بظله أطراف ذلك الكرسي المتحرك.
اندفعت القصة للواجهة لأن العالِم الذي اعتاد الناس رؤيته أمام أسرار الكون، وجد نفسه داخل شبكة صنعها النفوذ. وتم زج اسمه في أتون الإدانة الأخلاقية، فالعالِم الذي كان يحل معادلات الثقوب السوداء في رأسه، كان أبعد ما يكون عن إدراك شباك العنكبوت التي نُسجت حوله.
كان هوكينغ "الضحية الأرقى" لعملية اختطاف رمزي استهدفت طهارة العلم لتلميع قذارة المال. وإدانته أخلاقياً هي الجريمة الثانية التي يرتكبها إبستين ضده من وراء القبر. فالمجرم الحقيقي هو من لوث الرمز، والضحية الحقيقية هي الرمز الذي لم يعد يملك حتى حق الدفاع عن نفسه. هوكينغ ظل طوال حياته سجيناً لجسده، وفي نهايتها أراد النفوذ القذر أن يجعله سجيناً لسجلاته المشبوهة.

الكلمات الدلالية