صنعاء 19C امطار خفيفة

كل تأخير وفيه خير

كالأرض الجدباء التي تنتظر الغيث والمطر، تنتظرُ الساحة السياسية المضطربة في بلادنا، بفارغ القلقِ والصبر، نتائج مشاوراتِ المكلَّف بتشكيل رصاصة الرحمة… عفوًا، تشكيلِ الحكومة، التي عُهِد بها إلى المخضرم الأخ شائع الزنداني؛ ليعترك مع الوطن بمشكلاته التي لا تُحصى، وحَسَنًا فعل… وهو يتروّى في الحركة داخل واقعٍ تتجاذبه ذئابٌ تتقاتل، وليس عقولًا تتناقش وتتحاور.

كلٌّ يرى الأمورَ من ثقبِ إبرته الضيقة، بأن بابَه هو بابُ الفرج، أمّا غيرُه فما لديهم غيرُ السراب والمتاهات. وهكذا تجدُ نفسك في بحارِ سياسةٍ متلاطمة، من نوعٍ غريب؛ لا واقعيّ، ولا وطنيٍّ أصيل، ولا عمليٍّ براغماتي، بل سياسةٌ رعناء عنوانها: أنا، ومن بعدي الطوفان، والآخرون هم العدم. وكما يُقال في المثل:
يقولون: كلُّ تأخيرٍ فيه خير، أو كما يُقال: في العجلة الندامة. وأنت بين الأمرين تذوق الأمرين، وتحاول تمرير خيوطِ الخياراتِ الوطنية بثقوبِ إبرِ خياطةٍ إمّا مصابةٍ بالصدأ، أو مسدودةِ الأنفاس، فاقدةِ القدرة على التنفّس زفيرًا ونفيرًا؛ لذا يكون حصادُها مرًّا، مميتًا، ومؤكدًا.
ندرك ما أنت فيه، والكلُّ عونٌ لك إن كنت تبحث، سواءً في جوف الأرض أو في أعماق البحر، عن دررٍ وأسماء؛ بعد ما تكلّس عقلُها، وما أصابها الزمنُ بالصدأ والتقادم، وفقدان الذاكرة بأن الوطنَ خيرٌ للجميع، ومن يتولى شؤونه كلُّ المنتسبين إليه روحًا وجسدًا وتاريخًا، وتطلعًا لواقعٍ جديدٍ لا تعلو هاماته انتساباتُ القبيلة، ولا قوّةُ المنطقة أو الفخيذة، ولا تاجٌ مُرصّع بمرض الزعامات التي أكل الدهرُ منها وشرب، ولا هندسةُ المصالح وفق ما بات يُعرَف بـ«توازن قوى» على الأرض؛ تلك التي أنتجت للوطن حصرمًا، وما زرعت يومًا سنابلَ قمحٍ مثمرات.
وتأكيدًا، ندرك معك المعنى الأعمق للابتعاد، جغرافيًا ووطنيًا، عن أسلحة الدمار الشامل الملازمة لقوى المحاصصة، أيًّا كان اسمُها أو عنوانُها.
فالمرحلةُ تتطلب بالضرورة عدمَ تدوير الأدوات، والأدويةُ منتهيةُ الصلاحية. وندرك معك بأن الواقع، بما تفرضه الوقائع على الأرض، بات يتطلب نهجًا وأدواتٍ جديدةً، لها سجلٌّ خالٍ من الشوائب، وتمتلك برنامجَ عملٍ وطنيًّا يعيد تأسيسَ مفهوم دولة المواطنة المتساوية عبر آليةِ مؤسساتِ دولةٍ فاعلة، بسياساتها الناجعة، يُتاح عبرها لمكوّناتٍ وطنيةٍ ذات خبراتٍ علمية ومهاراتٍ مكتسبة حقُّ المشاركة، إيمانًا بأن المرحلةَ رحلةُ مشاقّ، ومهامُّ إعادةِ تأسيسٍ وبناءِ دولة، وليست مجردَ نزهةٍ في لعبةِ سيركٍ سياسيٍّ معادٍ دون مضمونٍ أو محتوى.
إنها مرحلةٌ تحتاج أدواتِ عملٍ تساعد على إنجاح مهمةِ مرحلةٍ انتقاليةٍ، بكل إمكاناتٍ تستجيب لمهامّ ليست هينة. فالواقعُ يأمل، والمستقبلُ ينتظر أن يرى على أرض الواقع حكومةَ مهامّ، لمواجهة استحقاقاتٍ وطنيةٍ طال غيابُها: أمنًا، وسياسةً، واقتصادًا، وثقافةً، وغيرها من مجالات إعادة بناء بنيةٍ وطنيةٍ طالها الخرابُ والدمار.

الكلمات الدلالية