الاحتواء لا القيود: كيف تحمي الأسرة بناتها؟
يُعدّ الشعورُ بالأمان والاحتواء والانتماء للفتاة داخل الأسرة، متطلبًا أساسيًا، لا يقلّ أهميةً عن الحاجات المادية، بل يفوقها بكثير. فالفتاة التي تنشأ في بيئة يسودها الاحتواء والتقدير والحوار، تُطوّر ثقةً صحيةً بذاتها وبالآخرين، وتكتسب قدرةً على التعبير عن مخاوفها وطلب المساعدة من أسرتها عند الشعور بالتهديد الخارجي، أو الابتزاز، أو التنمّر، أو التعنيف.
فحين تؤدي الأسرة دورها الإنساني قبل السلطوي، تصبح مرجعًا نفسيًا وسلوكيًا ثابتًا، ما يجعل فكرة التمرّد أو الهروب منها غير مطروحة أصلًا؛ لأن الأب والعائلة هنا يمثّلون الملاذ الآمن، لا مصدر الخوف.
ولا تُقاس حماية الفتاة بكمّ القيود المفروضة عليها، بل بمدى ما تشعر به من أمانٍ نفسيّ وانتماءٍ إنساني داخل أسرتها. فالأسرة التي تُحسن بناء شخصية ابنتها على أساس الاحترام والاحتواء والثقة، تُنشئ فتاةً محصّنةً من الداخل، قادرةً على التمييز، وطلب المساندة، واتخاذ القرار السليم عند الخطر.
إن الفتاة التي تجد في أسرتها مأوىً آمنًا لا تفكّر بالهروب منها؛ لأن العائلة في هذه الحالة ليست سلطةً قاهرة، بل مرسى طمأنينة. وحين يكون الأب والأخ والزوج مرجعياتٍ إنسانية قبل أن يكونوا سلطات، تصبح الأسرة خطّ الدفاع الأول ضد أي استغلال أو ابتزاز؛ إذ إن أول ردّ فعلٍ طبيعي للفتاة عند الإحساس بالتهديد هو اللجوء إلى من تثق بهم، لا البحث عن مخارج خطرة.
في المقابل، فإن العنف الأسري، والاضطهاد، والتقليل من القيمة، ومعاملة الفتاة بدونية أو ككائن تابع، يخلق شرخًا نفسيًا وسلوكيًا عميقًا، ويدفعها، لا شعوريًا، إلى البحث عن الأمان خارج الإطار الأسري، مهما كانت المخاطر.
للأسف هناك أسر تعنّف بناتها وتضطهدهن وتسقيهن المرارة والدونية والاضطهاد، وألوانًا لا تنتهي.
ثم يأتي البعض ليستغرب لاحقًا سلوك الهروب أو الانخراط في علاقات مؤذية واستغلالية، وكأنّ الأسباب لم تكن واضحة منذ البداية.
بل أصبح المجتمع، في كثير من الجرائم، يُحاكم الضحية (المرأة!)، ويتجاهل المجرم!
التربية السليمة لا تعني القسوة، بل تعني بناء الضمير الداخلي. فالوازع الديني والأخلاقي الحقيقي لا يُفرض بالخوف، بل يُغرس بالوعي والمسؤولية. وحين نُربّي ابنتنا على أنها مسؤولة عن أفعالها، نُكسبها شخصيةً متّسقة، واحدة أمام أسرتها وأمام المجتمع. أمّا حين نُعنّفها، فإننا ندفعها إلى ازدواجية السلوك؛ فتتصرف وفق الموقف والحاجة، لا وفق القناعة والمبدأ والوازع القيمي الراسخ.
إن معاملة البنات والنساء بإنسانية واحترام ليست ترفًا إنسانيًا أو فكريًا، بل ضرورة تربوية وأمنية ومجتمعية. فهنّ بشرٌ كاملات الحقوق، لهنّ ما لإخوانهن من كرامة وقيمة، ولسن ممتلكاتٍ ولا أدواتِ ضبطٍ اجتماعي. وأيّ خطابٍ متطرّف يُقصي إنسانيتهن هو خطابٌ يهدم الأسرة من الداخل، وإن ظنّ أنه يحميها.
إن الأسرة الواعية لا تحمي بناتها بالقمع، بل بالاحتواء والتفهم، ولا تُحصّنهن بالخوف، بل بالثقة، وتحميلهن مسؤولية سلوكهن بوعيٍ بعيدٍ عن القمع. فلا تُنشأ الأخلاق بالعنف، بل بالقدوة والحوار والاحتواء. فحيث يوجد الأمان لا يوجد هروب، وحيث توجد الثقة لا يصبح مجرم أو مبتز منفذًا.