صنعاء 19C امطار خفيفة

غبار التاريخ وسوأته

من أسوأ مراحل حياة اليمنيين اقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا وسياسيًا، مرحلة حكم الإمام يحيى حميد الدين، بل هي أسوأ مرحلة عاشتها اليمن في العصر الحديث، وهي كانت مرحلة تشبه ما تعيشه اليمن اليوم في ظل سيطرة مليشيات 21 سبتمبر 2014 الانقلابية، والفارق أن المظاهر والعلامات التي مازال لها أثر في واقع المجتمع اليمني من طراز حديث -نسبيًا- ما هو إلا مما تبقى من منجزات ثورة السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر، ومما فرض وجوده الواقع البشري المعاصر..!

قد يقول المزيفون والمرقعون من أنصار الحكم الإمامي البغيض، إن الإمام يحيى وولده أحمد كانا على درجة من التقى والفضل والعلم والأدب والفهم والسياسة، وأنهم كانوا فقهاء علماء شعراء، ويشيدون بزعم العدل والعدالة والأمن والأمان أثناء حكمهما، ويتهمون من يُشرّح بنشاط العلم أحوال المجتمع اليمني في تلك العهود بالمغالطة والتزوير والافتراء، ويصبون عليهم من التهم والهمز واللمز والتضليل ما لم يقله الأنقياء في الشيطان، ويقولون فيهم ما لم يقله مالك في الخمر، لذلك فإن نزع الحقائق تفضح سوءات الحكم الإمامي، وسنوضح ما كتبه الرحالة العرب والأجانب الذين بعثهم الله لزيارة اليمن في ذلك العهد البغيض، ليشرّحوا ذلك العهد بمشارطهم الإنسانية المحايدة سوءات الأئمة وسوء أحوال الشعب اليمني في زمنهم، ذلك أن الأجانب والرحالة قد وصفوا أحوال الشعب اليمني وما كان يعاني من سوء الظروف وقساوتها نتيجة للسياسات الانعزالية والقمعية التي انتهجها الأئمة مع الشعب اليمني إبان حكمهم!
فالرحالة والأديب أمين الريحاني أشار مما أشار في كتابه "ملوك العرب"، إلى أن الإمام كان حاكمًا استبداديًا يمنع الأجانب من دخول اليمن، ويقمع أية محاولة للتمرد أو الإصلاح، مما زاد من معاناة الشعب وقسوة الحياة في اليمن.
والكاتب البريطاني هارولد جاكوب، أشار إلى أن سياسة الإمام الانعزالية أبقت اليمن معزولة عن العالم، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية وانتشار الفقر والجهل في اليمن.
والمستشرق الإيطالي كارلو نالينو، وصف نظام الإمام يحيى بأنه "خلافة زيدية صارمة مستبدة"، وأن السلطة تتركز في يد الأسرة الحاكمة، مما أثر سلبًا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب إلى درجة غير معقولة.
السير غيلبرت كلايتون الذي كان في ذلك العهد ممثل بريطانيا في اليمن، وسفيرها في السعودية، وصف الإمام يحيى في كتابه "عن السعودية ‏on Saudi Arabia" بأنه صعب المراس، وبأنه حاكم قاسٍ إلى أبلغ حد، وبخيل بدرجة كبيرة، وكان يفرض ضرائب مجحفة على الشعب اليمني. مشيرًا إلى رفضه التحديث والانفتاح، مما أثر سلبًا على حياة الشعب اليمني.
وجاء في كتاب البعثة العراقية إلى اليمن، 1936، وصف الإمام يحيى بأنه "حاكم مستبد، وكان يفرض ضرائب مجحفة على الشعب اليمني، وكان يسيطر على كل جوانب الحياة في اليمن". وذكر أن "الحياة المعيشية للناس كانت سيئة، وكان الشعب اليمني يعاني من الفقر والجهل والمرض".
هذه الشهادات تعكس النظرة النقدية للأجانب الذين زاروا اليمن في عهد الإمام يحيى، والتي ركزت على سياساته القمعية والانعزالية التي أثرت سلبًا على الأوضاع الإنسانية والمعيشية للشعب اليمني.
هذا هو وصف الأجانب للإمام يحيى واليمن في عهده، وأما عن وصف اليمنيين لهذا الإمام فأقتطف لكم ما نشر في كتاب المرحوم زيد عنان -رحمه الله- عن طمع الإمام يحيى وبخله وحرصه الشديد على إفقار اليمنيين وتقتير عيشتهم:
يروي المرحوم زيد بن علي عنان، عضو البعثة اليمنية إلى العراق، أواخر أربعينيات القرن الماضي، في مذكراته عن طمع الإمام يحيى حميد الدين في جمع الزكوات والأموال، حتى إن الإمام حين عيّن الصّفِي محبوب رئيسًا للبعثة إلى العراق أعطاه سندات لقبض الزكاة من أتباع المذهب الزيدي العراقيين في العراق!
ويضيف عنان أن الإمام يحيى كان مولَعًا بشراء الأراضي، وذات يوم وصل إليه رعوي من قرية القابل يشفع الإمام (بمعنى يريد شراء قطعة أرض بجانب أرضه من الإمام)، فاستغرب الإمام أن أحدًا مايزال لديه أموال ليشتري! وقال متسائلًا: "وعدشي مع الناس دراهم!".
ويضيف زيد بن علي عنان قائلًا: أخبرني القاضي محمد الحجري أن البدر محمد (ابن الإمام يحيى) عند عودته من إيطاليا مطلع الثلاثينيات، سأله أبوه ما ابسرت (ماذا أبصرت) في إيطاليا؟ فقال أبسرت عجائب، وزرت منطقة فيها وديان تشبه ودياننا فيها بُنبَه (مولّد للماء على بئر)، وهذا ينفع عندنا.
فأجابه الإمام يحيى غاضبًا: يابن امّك! مَن عَد عيبيع منك الجربة حقّه (يقصد قطعة الأرض) وقد البُنْبَة في طرَفها! فالتفت البدر للقاضي محمد قائلًا وساخرًا من أبيه: إحنا ذا جينا ننهب مش ندّيول.
هذا هو الإمام يحيى البخيل الذي أفقر الشعب اليمني حتى مات جوعًا ومرضًا، وطال حكمه 44 سنة، جمع خلالها 500 مليون ريال فرانصي (ماري تريزا) في خزائنه، بحسب رواية المرحوم زيد بن علي عنان في مذكراته!
وهذا مبلغٌ ضخمٌ جدًا في وقته، وحين تعرف أن قيمة الكبش مثلًا في ذلك الوقت كان 3 أو 4 ريالات، فلك أن تحسب القيمة الهائلة لما يمتلكه الإمام في خزائنه وفي قصورهم أموال الشعب! بقيمة اليوم مئات التريليونات، في حين أنه قدم من قفلة عذر إلى صنعاء وليس معه أين يقبر، وسكن في بيت العمري مؤقتًا، واتخذ من المستشفى الذي بناه الأتراك دارًا له وسماه "دار السعادة"!
الإمام يحيى وولده من بعده وابيه من قبله من غبار التاريخ ومن قبلهم من الأئمة تراكمات غبار فوق بعضها البعض حتى تكوّن في اليمن عبر التاريخ من غبارهم وسوأتهم تراكمات من الخرافات والجهل والمرض والفقر العلمي والفكري ماشكل عبأً ثقيلاً على فكرة النهضة والتطوير والتنوير منذ اندلاع ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 والرابع عشر من اكتوبر 1963حتى اليوم !. القصص المذكورة في آخر المقالة من مذكرات الأستاذ زيد عنان، رحمه الله.

الكلمات الدلالية