ارث التثوير وثقافة هدم الدولة
ما يحدث في الشارع اليوم ليس طارئًا، بل هو امتداد مباشر لثقافة "التثوير" التي أُسِّست عليها الدولة الفتية بعد الاستقلال؛ تلك الثقافة التي قامت، في كثير من تجلياتها، على ثورة الشعارات، واستثارة الحماسة الجماهيرية، وتوجيه الاتهام لكل مختلف أو مخالف في الرأي.
ما زلت أستعيد، وأنا في الثانية عشرة من عمري، مشاهد الجموع التي اجتاحت عدن، وهي تحمل الفؤوس والهراوات والبنادق، تتقدّمها الطبول والحناجر المبحوحة بشعار: "ثورة.. ثورة.. لا إصلاح".
لقد تربّينا وسط هذا الضجيج، وكنّا – بوعي أو بدونه – جزءًا منه.
لكننا كبرنا، وكبرت معنا الأسئلة.
قرأنا، وشاهدنا، واكتوينا بالنكبات التي خلّفتها تلك الثقافة، وعشنا التناقض الفادح بين الشعارات والواقع. وبعد انفتاح الوعي، التقينا بكثير من المناضلين الأوائل الذين حرمتهم ثقافة الإقصاء من حقّهم في الشراكة السياسية، بل ومن أرضهم وممتلكاتهم.
ومع كل نضج فكري وتجربة مُرّة، كانت تتشكّل لدينا قناعة أكثر رسوخًا:
أن الوطن لا يمكن أن ينهض إلا بالشراكة، والحقوق المكفولة، والدولة العادلة، والحكم الرشيد.
غير أن الشراكة ما تزال حتى اليوم على المحك،
والعدالة ما تزال مبتورة،
والحقوق ما تزال ضائعة،
والحكم الرشيد ما يزال أسير الفوضى.
كم ضاع من أعمارنا، وما زلنا نعيد إنتاج المشهد ذاته:
نرفع الفؤوس، ونحشد الجماهير، ونلهب عواطفها، ونستدعي ذات الشعار القديم: "ثورة.. ثورة.. لا إصلاح".
فكلما لاحت بارقة إصلاح، برزت في مواجهتها حالة من الفوضى، والحشد، والضجيج، والصراخ، لنعود مرة أخرى إلى نقطة الصفر.
وحين نبحث عن "الحقوق" التي رُفعت باسمها كل تلك الشعارات، لا نجد في كثير من الأحيان سوى استحقاقات محدودة انتُزعت بقوة الأمر الواقع، أو مكاسب ذاتية تحوّلت إلى نفوذ عسكري أو قبلي، ثم راحت تقف في وجه أي مشروع إصلاح أو تقويم جاد، لأنها تدرك أن قيام الدولة يعني نهاية الامتيازات غير المشروعة.
وهكذا، بدل أن يكون الإصلاح طريقًا للعبور إلى المستقبل، يتحوّل – في نظر المستفيدين من الفوضى – إلى خطر يجب إفشاله، ليظل المجتمع أسير الحلقة ذاتها:
شعارات صاخبة، تعبئة عاطفية، تعطيل للإصلاح، ثم عودة متكررة إلى نقطة البداية.
إن الأوطان لا تُبنى بالهتاف، ولا تُدار بالغوغاء، ولا تُحمى بثقافة التحريض والتخوين، بل تُبنى بالعقل، والشراكة، والعدالة، وسيادة القانون.
وما لم نتحرّر من إرث "التثوير" بوصفه أداة للهدم لا للبناء، فسنظل ندور في ذات الحلقة، نستهلك أعمارنا في الصراخ، بينما يضيع الوطن مرة بعد أخرى