حين يتحول الاستقلال إلى بداية صراع
لم أعد أطيق متابعة وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تحولت إلى ساحات مشحونة بتكتلات الصراع وخطابات الكراهية. صراعٌ لم يولد اليوم، بل بدأ مع بزوغ فجر الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م. يومها احتفلنا بخروج آخر جندي بريطاني من عدن، بينما كانت دماء إخوتنا في جبهة التحرير، وعدد من الشخصيات العدنية والاجتماعية في المحميات المعارضة للجبهة القومية، لم تجف بعد. لذلك لم تكتمل فرحة الاستقلال، وسُمّي منذ بدايته «استقلالا منقوصا».
منذ ذلك اليوم، لم تتوقف التصفيات الجسدية ولا الصراعات على السلطة، حتى أُنهك الجنوب، وسُلِّم كجسدٍ متعب إلى وحدة غير محسوبة العواقب. وحدة لم تكن ثمرة توافق، بل نتيجة هروب من جراح لم تُعالَج، وخلافات جنوبية–جنوبية لم تُحسم بحلول عادلة تُعيد للجنوب عافيته، وتُرمم الشروخ الاجتماعية والسياسية التي خلّفتها تلك الصراعات.
بقي الجنوب، نتيجة ذلك، مصدر توتر دائم داخل اليمن والمنطقة، بفعل عقلٍ إقصائي متصلّب، ما زال يستثمر كل مآسي الماضي ليبرر استمرار سفك الدماء. عقلية لم تمنح العقل الجنوبي فرصة لمراجعة التجربة، أو لتقييم المرحلة، أو للبحث عن مخرج من دائرة الصراع إلى فضاء التوافق وبناء دولة عادلة.
كانت فرصة بناء هذه الدولة أقرب ما تكون بعد ثورات الربيع العربي، ومع ضعف القوى التقليدية القبلية والعسكرية التي أعاقت مشروع الدولة لسنوات. لكن، وللأسف، انتقلت العدوى إلى الجنوب، وعاد النفوذ القبلي والعسكري ليهيمن، معيقا أي مسار جاد لبناء دولة القانون والمؤسسات.
اليوم، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحات مفتوحة للكراهية، والعنصرية المناطقية، والطائفية. تُفكك ما تبقى من قوى الدولة، وتضرب أدوات التنمية السياسية والاجتماعية. صار الحشد المناطقي أداة لإدامة إنهاك البلد، وتمزيق لحمته، وتعزيز الصراع، حتى غدا الجنوب بؤرة توتر تُستغل من قِبل أعداء الأمة.
شهدنا تدخلات إقليمية ودولية، ومشاريع مدمرة، سمحت لإسرائيل وغيرها من القوى المعادية بالعمل وتشكيل أدواتها داخل نسيجنا المنهك. وما زال هذا الواقع لا ينتج لنا سوى الخيبات.
ويبقى السؤال المؤلم مفتوحا: متى ستتوقف هذه الخيبات؟ ومتى نستعيد وطنا، وننعم بخيراته، ونخرج من تاريخٍ يعيد قتلنا كلما ظننا أننا تجاوزناه؟