صنعاء 19C امطار خفيفة

الحمدي وحقيقة اغتياله(5)

أورد المناضل السبتمبري المرحوم عبدالغني مطهر عبده، في مذكراته «يوم ولد اليمن مجده»، جُزْءًا بَسيطًا من حياة الرئيس إبراهيم الحمدي؛ منها أنَّ ثُوَّار ذمار حاصروا بيوت المسؤولين في ذمار ثاني أيام الثورة عام 1962م، وَتَمَّ إلقاء القبض عليهم، وكان مِمَّن ألقِيَ القبض عليهم: الحمدي، ووالده؛ بحجة أنَّ والدَهُ من قُضَاة العهد الإمامي الكِبَار، وَتَمَّ اقتيادهم إلى صنعاء، وهناك سلموهم للقضاء الثوري لمحاكمتهم.

تدخل المرحوم اللواء يحيى المتوكل، وكان يومها أحد الضُّبَّاط الذين أوكِلَ إليهم محاكمة مسؤولي العهد الإمامي، فأبلغ «المحكمة العسكرية» عن نزاهة الحمدي ووالده، وأخبرها أنه ليس لهُما سَوابق جِنائية، ولم تتلوث أيديهما بأموال الشعب، ولم يكونا أداةً من أدوات الظلم والاستبداد في العصر الملكي؛ فأطلقت المحكمة العسكرية سراحهما، لكن عبدالغني مطهر لم يتطرق في مذكراته إلى فترة رئاسة الحمدي.
يحيى محمد المتوكل
وحكت روايات أخرى أنَّ الحمدي كان أثناء وبعد حصار صنعاء (حصار السبعين يومًا) على مَقرُبَة من الفريق حسن العمري، وأنه رافقه في كُلِّ المعارك التي شارك فيها.
وحكى الأستاذ عبدالكريم صبرة، السكرتير الإعلامي في مكتب الفريق العمري، في تلك الفترة، أنَّ الحمدي كان السكرتير العسكري في مكتب العمري، وأنه كَانَ يثق ثِقةً مطلقة به، لدرجة أنه أوكلَ إليه كَثيرًا من المهام حينها.
ومن مكتب العمري كانت انطلاقة الحمدي الأولى؛ لممارسة العمل السياسي والعسكري في آنٍ واحد. ويرى صبرة أنَّ الحمدي كَانَ سَببًا فِيْ مغادرة العمري السلطة، وقيادة الجيش بشكل دراماتيكي.
محسن العمري
لم يقف الحمدي سَدًّا مَنيعًا أمام تهورات العمري الذي قام بقتل حَلاق من حراز في القاع؛ الأمر الذي أدى إلى مظاهرات في شوارع صنعاء، مُطَالبةً الرئيس الإرياني ومجلس الشورى باستدعاء الفريق العمري، ومساءلته عن الجريمة التي ارتكبها بحق مواطن من أبناء حراز؛ حتى تَتِمَّ محاكمته محاكمة عادلة، فارتأى رئيس الدولة ورئيس الوزراء وأعضاء مجلس الشورى وضع الفريق العمري أمام خيارين اثنين: إمَّا أن يخرج من البلاد خُروجًا مُشَرِّفًا إلى القاهرة مع أسرته، أو تسليمه للقضاء لمحاكمته؛ فاختار المغادرة.
لم يكن الحمدي سَببًا فِي مَا جرى للعمري. ومن المعروف أنَّ العمري كان ينافس الرئيس الإرياني، ويحاول الظهور أمام الشعب وكأنه الرئيس الفعلي للبلد. وهذا ما جَعَلَ الرئيس يستخدم دهاءه؛ لإبعاد قائد للجيش من المشهد السياسي.
ويحكي البعض أنَّ القاضي الإرياني هُوَ مَنْ دَفَعَ مشايخ حراز والحيمتين وبني مطر لدعوة رعيتهم للتظاهر في العاصمة صنعاء للمطالبة بالقصاص من العمري.
وفي مذكرات صبرة التي نشرها الزميل الصحفي الأستاذ محمد المقطري، في صحيفة «الحُريَّة»، بدا عبدالكريم صبرة نَاقِمًا على الحمدي، وَكَارِهًا له ولفترة حكمه إلى الحَدِّ الذي يتفق مع الرواية التي تناولتها وسائل إعلام القتلة، القائلة بأنَّ الحمدي حين قتل وُجِدَ مُنتَحِرًا مع فتاتين فرنسيتين في أحد حوانيت صنعاء؛ وهو ما لم يصدقه الكثير من المحللين والمتابعين لهذا الحدث.
وصبرة في مذكراته لم يُشِرْ إلى من يقف وَراء حَادثة اغتيال الحمدي؛ وَلَعلَّ ذلك لأنَّ صبرة انضم مع القاضي عبدالسلام صبرة، إلى صَفِّ مشايخ القبائل الذين شاركوا وأسهموا في إبعاد الحمدي من السلطة، لقربهم من مشايخ بيت أبي لحوم الذين تربطهم علاقة مصاهرة ببيت صبرة.
لم يكن عبدالكريم صبرة الوحيد مِمَّن وقفوا في صَفِّ من أبعدوا الحمدي من الحكم، فهناك الكثير من الإعلاميين والصحفيين والسياسيين والعسكريين ناصبوا الحمدي العداء تلك الفترة.
وَنظرًا لانقسام الجيش بعد أحداث أغسطس؛ فقد كان هناك الكثير من ضباط الوحدات يناصبون الرئيس إبراهيم الحمدي وأخاه عبدالله العدَاء؛ نَظرًا لعلاقتهم الوثيقة بالفريق العمري، وإخلاصهم له أيام عملهم تحت قيادته، وقد كانا في الصف المواجه للوحدات المنتمي إليها الضباط من الوحدات العسكرية الأخرى التي كانت في الصف الذي كسر حصار السبعين يومًا على صنعاء؛ فترتب على ذلك خصومة سياسية ضده عكست نفسها على مرحلة حكمه.
استطاع الحمدي في فترة وجيزة من حكمه، أن يُرمِّم العلاقات المتهدمة في فترة الصراع السابق لحكمه، وَحَاورَ القوى السياسية المتمردة في المناطق الوسطى وضمها إلى صفه، واستطاع أن يخلق مع الجنوب اليمني علاقات جيدة، وخطا بها خطوات متقدمة؛ الأمر الذي جعل المحيط الإقليمي، وَخصوصًا المملكة السعودية، تستشعر خطره على مصالحها، وبالخصوص في ما يتعلق بتقاربه مع سالمين ودولة الجنوب اليمني، فَسعت سَعيًا حَثيثًا لإبعاده من السلطة بطريقة بشعة، وقامت أجهزتها الاستخباراتية بالتخطيط لعملية اغتياله، فأصابت الرجل في مقتل.
وتحكي الروايات أنَّ الرئيس سالمين كان يقضي عطلته السنوية في صنعاء، وخلالها يحل ضَيفًا على الرئيس الحمدي، وتداول الناس عند دفن سالمين للحمدي أقوالًا تفيد بأن سالمين تعهد بالانتقام للحمدي من القتلة، وكان المتهم الرئيسي بمقتل الحمدي نائبه المقدم أحمد حسين الغشمي الذي ألقيت على رأسه في مقبرة الشهداء أحذية المشيعين والمتظاهرين الذين فرقتهم قوات مكافحة الشغب، ولاحقتهم إلى شوارع وأزقة بعيدة داخل العاصمة صنعاء.
المؤسف في الأمر أن يكون هناك من كانوا على مقربة من الحمدي، وسكتوا أثناء الحديث عن مقتله والواقفين وراء عملية اغتياله.
هناك من يتهم المقتول بقتل نفسه، وَلَعلَّ مرد ذلك إلى أنَّ الحمدي وثق بحب الشعب والجماهير له، ولم يحسب الحساب الكافي لأمنه الشخصي. وهذا ما يراه بعضهم السبب الذي سهّل وصول القتلة عن طريق عزومة غداء في بيت الغشمي، وجعلت منه «قناة الجزيرة» القطرية عُنوانًا للفيلم الوثائقي عن مقتله.
ولو كان هناك جهاز أمني قوي يحيط بالرئيس؛ لكشفت المؤامرة قبل القيام بها. فالرئيس في كل الدول يتولى حراسته جهاز أمني قوي، وهذا الجهاز يُحاسَب في حال التفريط والتقصير في مهامه المَنوطَة به.

الكلمات الدلالية