حين تتحول الحرب إلى نظام وتتفكك البنية الاجتماعية في اليمن
بعيدًا عن السردية التقليدية التي تُرجع أزمة اليمن إلى التدخلات الخارجية وحدها، يتشكّل في الداخل واقعٌ أشدّ خطورة؛ إذ لم تعد الحرب مجرّد صدام عسكري، بل نظامًا اجتماعيًا يُدير تفاصيل الحياة اليومية، ويجعل من انقسام البلاد وقودًا يضمن بقاء أطراف الصراع داخل معادلة السلطة.
غالبًا ما يُفسَّر ما وصل إليه اليمن بتغليب العامل الخارجي، سواء عبر التدخلات الإقليمية أو الصراعات الدولية المتقاطعة على أرضه. ورغم مركزية هذه العوامل، فإنها لا تعمل في فراغ. فالحرب كنظام لا تستمد قدرتها على الاستمرار من الخارج وحده، بل من تفاعلها العميق مع تحولات داخلية مست بنية المجتمع، وقيمه، وآليات تكيفه مع العنف بوصفه واقعًا دائمًا.
قبل الحرب، كان اليمن يعاني اختلالات بنيوية واضحة، لكنه كان لا يزال يحتفظ بمساحة مشتركة، ولو هشة، تُدار فيها الخلافات عبر الدولة، والأحزاب، والوساطة الاجتماعية، والقبيلة. ومع تحوّل الحرب إلى نظام، تهاوت هذه المساحة. حلّ محلها تفتّت جغرافي واجتماعي، تحوّل فيه المكان من إطار للعيش المشترك إلى هوية أمنية مغلقة، تُعرَّف بمن يسيطر عليها، لا بمن يعيش فيها.
يمكن ملاحظة هذا التحول في مدن كانت تمثل تاريخيًا مراكز تداخل اجتماعي واقتصادي، قبل أن يعاد تنظيمها وفق اعتبارات السيطرة والموارد. لم تعد المدينة فضاءً عامًا، بل وحدة إدارية ــ أمنية ضمن نظام الحرب، لكل منها اقتصادها المحلي، وشبكاتها، وحدودها غير المعلنة.
ضمن هذا التحول، أعاد نظام الحرب تشكيل الثقة بوصفها أحد أعمدة الاجتماع السياسي، حيث أصبحت تُمنح على أساس القدرة على الحماية وفرض الأمر الواقع، لا على أساس القانون أو الانتماء العام أو الشرعية المؤسسية. تآكلت الثقة الأفقية بين المواطنين، مع انحسار الشعور بالمصير المشترك، وتفككت الروابط اليومية التي كانت تُنتج تضامنًا اجتماعيًا ضمنيًا. وفي الوقت نفسه، انهارت الثقة العمودية بين الفرد والمؤسسات، بعدما فقدت الدولة قدرتها على تمثيل المجال العام، وحلّ محلها فاعلون لا يستمدون شرعيتهم من المجتمع، بل من القوة.
القبيلة بدورها لم تكن بمنأى عن هذا التحول، وإن جرى ذلك بشكل غير منتظم. ففي بعض المناطق الريفية، أُعيد توظيفها كوحدة تعبئة وصراع ضمن منطق الحرب، بينما حافظت في مناطق أخرى، لا سيما الحضرية، على أدوار اجتماعية أكثر مرونة، وإن كانت أقل تأثيرًا. هذا التفاوت الجغرافي لا ينفي الاتجاه العام، بل يؤكد أن الحرب كنظام أعادت تشكيل البنى التقليدية وفق احتياجاتها، لا وفق وظائفها التاريخية.
أما الاقتصاد، فكان أحد أكثر المجالات التي أظهر فيها نظام الحرب قدرته على إعادة إنتاج نفسه. لم يقتصر الأمر على الجبايات أو السيطرة على الموارد، بل امتد إلى إعادة تعريف القيم الاجتماعية. تراجعت قيمة العمل المنتج والمعرفة والاستحقاق، لصالح أنماط كسب سريعة تقوم على الجباية، أو الوساطة المسلحة، أو المضاربة في السوق السوداء. حتى اقتصاد التحويلات، الذي أنقذ ملايين الأسر من الانهيار، أسهم في فصل البقاء الفردي عن أي أفق جماعي، وعزز التكيّف مع النظام القائم بدل مقاومته.
في هذا السياق، انحسرت الطبقة الوسطى التي كانت تمثل الحامل الاجتماعي لفكرة الدولة، من معلمين وأطباء وموظفين ومثقفين وناشطين مدنيين. هذه الفئة، التي تآكلت بفعل الفقر، وانقطاع الرواتب، والهجرة القسرية، لم تغب عن المشهد فحسب، بل تركت فراغًا قيميًا واجتماعيًا ملأه نظام الحرب بقواعده الخاصة. ومع غيابها، لم تفقد الدولة مؤسساتها فقط، بل فقدت قاعدتها الاجتماعية ومعناها الرمزي.
ولم يقتصر أثر هذا النظام على السياسة والاقتصاد، بل امتد إلى النسيج الاجتماعي ذاته. تمزقت العائلات بين الداخل والخارج، وتباعدت المحافظات على مستوى الأفراد بعد أن كانت متداخلة اجتماعيًا، وتحولت الهجرة والنزوح إلى نمط حياة دائم. ومع هذا التمزق، لم يعد المجتمع يعيش الحرب بوصفها استثناءً، بل بوصفها حالة طبيعية يُبنى عليها المستقبل الفردي.
ومع طول أمد الصراع، لم يعد العنف نتيجة لفشل السياسة، بل لغتها السائدة. حلّ السلاح محل الخطاب، والقوة محل الشرعية، وبات الحوار يبدو غير قابل للتصور، لا لأنه مرفوض سياسيًا فقط، بل لأن نظام الحرب أعاد تشكيل المجتمع على نحو يجعل التسوية نفسها فعلًا مقلقًا.
المفارقة أن أي صيغة سياسية محتملة، سواء كانت وحدة، أو فيدرالية، أو حتى انفصالًا، لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الحوار. غير أن هذا الحوار يفترض مجتمعًا قادرًا على إنتاج حد أدنى من الثقة، أفقية كانت أم عمودية، وهو ما قوضه نظام الحرب بشكل منهجي.
ما يعنيه ذلك أن الأزمة اليمنية لم تعد مجرد أزمة اتفاق سياسي مؤجل، ولا حتى مجرد حالة تفكك اجتماعي، بل منظومة مكتملة تعيد إنتاج هذا التفكك بوصفه شرطًا لاستمرارها. وأن أي حديث عن حل سياسي، ما لم يترافق مع معالجة جذرية لاقتصاد الحرب، وتحولات الهوية، وغياب الحامل الاجتماعي لفكرة الدولة، سيظل أقرب إلى توصيف نظري منه إلى مشروع قابل للحياة.
السلام في اليمن لن يبدأ من تفكيك نظام الحرب وحده، بل من ترميم المجتمع الذي أعاد هذا النظام تشكيل قيمه، وروابطه، وتصوراته عن العمل والسلطة والمعنى.
فهل يمكن لمسار السلام أن يسبق، أو على الأقل أن يسير بالتزامن مع، عملية إعادة بناء المجتمع؟