صنعاء 19C امطار خفيفة

أين تكمن العلة؟

بشريطٍ مسجّل، يتحدث الأخ أحمد سعيد كرامة عن إشارات تتعلق بانسياب حركة ونشاط ميناء عدن، تعبّر عن وصول دفعات متتالية من سلع ومواد تغطي احتياجات السوق الوطنية، سواء سلع استهلاكية أو وسيطة أو تخدم قطاعات إنتاج—إن كان هناك ثمة قطاع إنتاج بالمعنى المتعارف عليه، أي المضيّف لقيم حقيقية خالصة تخدم التراكم بالمعنى الاقتصادي.


ما يهمني هنا من حديث الأخ كرامة ثلاثة أمور:
الأول: الترحيب بهذا الحراك المبشر بخير، يترتب عنه مداخيل حقيقية ترفد خزينة الدولة بالمزيد من الموارد، بالنقد الأجنبي والعملة المحلية (الريال).
الثاني: رفع كفاءة حركة استقبال وتفريغ كافة الحمولات، منعًا لأي تأخير له مردوداته السالبة، كما يدرك ذلك المتعاملون في عالم التجارة استيرادًا وتصديرًا—إن كان لنا ثمة نشاط تصديري.
الثالث: ضمان سرعة عمليات الشحن والتفريغ عبر مرونة عملية تقلل من بيروقراطية المناولة والتخليص، مما يزيد من الأثر الإيجابي الكلي لحركة النقل والتفريغ في نشاط الموانئ، ويدركها أهل الشأن.
ما دفعني لتناول هذا الموضوع، وما أثاره الأخ كرامة من بيانات عن موارد مالية متحصلة تتجاوز—كما يقول—السبعين مليارًا يوميًا من الريالات اليمنية، مضافًا إليها متحصلات بالنقد الأجنبي، أساسًا بالدولار؛ ما ذكره—سواء كان توقعات أو بناءً على معلومات—يضع المهتمين بأحوال الاقتصاد الوطني المنهك، وأسواق تبادل السلع والخدمات، إلى جانب ما يحيط بسوق تبادل العملة الوطنية من شحّة وندرة، أمام تساؤل ضروري:
ما الذي يجري في أسواق تداول العملة الوطنية؟ ولماذا يزداد عجز جانب العرض النقدي من الريال اليمني عن ملاقاة الطلب الفعلي؟ وما أسباب ندرة الريال في الأسواق؟
من الطبيعي أن نجد الجواب لدى البنك المركزي، وليس لدى كتلة الصيارفة؛ إذ هم فقط آلية ووسيلة تتحرك في سوق الصرف وفق قواعد منضبطة يحددها ويشرف عليها، وهو المسؤول الأول والأخير عن مقدار الحجم الكلي من العملة الوطنية المتداولة في الأسواق كافة، ناهيك عن دوره في ضبط حركة تداول أي نقد أجنبي.
البنك المركزي يدرك تمامًا مفهوم قانون جريشام، وفحواه أن أي وضع يجري فيه التداول بنوعين من النقود—أحدهما جيد والآخر رديء—فإن النوع الرديء يطرد النوع الجيد من التداول. لكن ما نلاحظه في سوق الصرف عكس ذلك؛ حيث إن قيمة تبادل الريال مع عملتي الريال السعودي أو الدولار تتم عبر معايير تحكمية—للأسف—يتدخل الصيارفة فيها، وليس وفق أسس ومعايير نقدية اقتصادية ترتبط بكفاءة عمل قطاعات الاقتصاد الوطني.
أسواقنا تعاني من خلل كلي، وتعتمد على تلبية احتياجاتها عبر الاستيراد شبه الكامل لتغطية الاستهلاك، ناهيك عن تدبير ذلك بالنقد الأجنبي، بعيدًا عن المعونات أو الاستدانة إلا في أضيق نطاق؛ لأن أسلوب المعونات والقروض لا يخدم—البته—قطاع الإنتاج، ولا قطاع الخدمات، خاصة في أوضاع مضطربة كالتي تمر بها بلادنا.
إن استمرار عجز سوق تداول الريال عن تلبية الطلب الكلي للسوق أمر خطير، والأخطر استمراره بالشكل الملحوظ، مع التصريح بوجود اختناق في السيولة لدى الجهات المعنية، وأقصد تحديدًا:
البنك المركزي اليمني
كافة البنوك التجارية
وأخيرًا، وليس آخرًا، ينبغي الإشارة إلى ما يحدث في محلات الصرافة التي تتهافت—يا للعجب—لتلبية طلب شراء الريال مقابل الريال السعودي أو الدولار. إنه أمر غريب؛ إذ لا وجود للعملة الوطنية، وهناك—على ما يبدو—وفرة من النقد الأجنبي، المفترض أن يؤول إلى البنك المركزي عبر قنواته الشرعية.
لكن يبقى السؤال:
أين ذهبت الكتلة النقدية من الريال اليمني التي ضخها البنك المركزي في السوق؟
نطرح الأمر للنقاش، كما نطرحه على قيادة البنك المركزي، للخروج من دوامة القول بأن السيولة غير قابلة للضبط، فهي من صلب مهامه، المحكومة بضرورة حماية سعر العملة وفق سياسات واضحة.
السكوت عن عدم قدرة سوق الصرافة على تلبية طلبات شراء الريال مقابل العملات الأخرى أمر بالغ الخطورة، ولا يحدث إلا في الأسواق السوداء المخالفة للقانون.
وفي الختام، لا يستقيم الأمر مطلقًا إذا استمر دفع رواتب جهاز الدولة بالنقد الأجنبي—عدا السلك الدبلوماسي—فهذا خلل جوهري ينبغي تلافيه بسياسات سريعة تمارسها الحكومة والبنك المركزي، حمايةً للعملة الوطنية من العبث.

الكلمات الدلالية