صنعاء 19C امطار خفيفة

أبو أصبع: المبادرة الخليجية مهّدت لانتقال ناقص والحرب عقدت المشهد اليمني

في الحلقة الأخيرة من الحوار مع الأستاذ يحيى منصور أبو أصبع، رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، يتوقف اللقاء عند قراءة سياسية لمحطات مفصلية مرّ بها اليمن خلال العقدين الأخيرين.

يتحدث أبو أصبع للزميلة رحمة حجيرة، عن  محطات محورية تبدأ من المبادرة الخليجية وآليات الانتقال السياسي، مرورًا بمؤتمر الحوار الوطني ومخرجاته المتعثرة، وصولًا إلى أحداث الحصبة ودماج، وسقوط الدولة، ثم الحرب وتدخل التحالف، وما ترتب على ذلك من تفكك سياسي وعسكري وأزمات مركبة.

الحوار يتناول دور الوساطات السياسية الداخلية، وحدود الفعل الحزبي في ظل انهيار مؤسسات الدولة، إضافة إلى تقييم مسارات السلام من جنيف حتى اليوم، وإشكاليات إعادة بناء الدولة والجيش والأمن، في سياق واقع من الانقسام، وتعدد مراكز القوة، وتراجع فرص الحل الشامل.

حلقة ختامية تُقدِّم شهادة سياسية من الداخل، وتعرض وجهة نظر أحد الفاعلين الحزبيين حول أسباب الانسداد الراهن، والأسئلة المفتوحة أمام مستقبل اليمن، دون ادّعاء حسم، أو تجاوز لتعقيد المشهد وتشابك أطرافه.

"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

أبو أصبع

رحمة: مساء الخير، مشاهدينا. في هذه الحلقة نستضيف رجلاً لم يغادر صنعاء، ولم يغادر موقعه كجسر بين الأطراف رغم كل شيء؛ رجل يتذكر الحرب ويمنع استمرارها، ويتذكر الخصومات ليطفئ نارها، ويؤمن أن اليمن لن ينهض بثأر، بل بتقارب ومصالحة وتسامح.

اليوم معنا الأستاذ يحيى منصور أبو أصبع، رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، من صنعاء. لا يحاور الماضي، بل يحاور المستقبل؛ مستقبل اليمن الذي ينتظر طريقاً وصوتاً وجسراً ليمنٍ مزدهر ومستقر. مرحبًا بك، أستاذي القدير.

أستاذ يحيى، في الحلقة السابقة كنا قد وصلنا إلى المبادرة الخليجية وموقفك منها. دعنا في هذه الحلقة نبدأ اولاً من انتخاب شخص واحد. أنت قرأت المبادرة، فهل كنت موافقًا على أن تكون هناك انتخابات يتم فيها انتخاب شخص واحد؟ ولماذا لم تُسمَّ استفتاءً؟

أبو أصبع: المبادرة الخليجية جاءت مفصَّلة ومرتَّبة على مقاس السلطة الحاكمة، وكانت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، تنظر إلى الأحزاب الأخرى، وخاصة اليسارية، نظرة ريبة وشك وعدم استحباب لوجودها. ولهذا نصَّت المبادرة على أن تنتقل الرئاسة من صالح إلى نائبه في المؤتمر الشعبي العام، وبعد ذلك تبدأ الفترة الانتقالية، ويُجرى فيها الانتخابات.

المبادرة الخليجية

وجرت هذه الانتخابات من منطلق أنها انتخابات لتزكية رجل واحد اختارته المبادرة الخليجية، وهو عبدربه منصور هادي، وذلك يعني أنه ليس هناك في المبادرة ولا في تفسيرها إلا أن يكون المرشح لوحده، وهو عبارة عن تزكية من الشعب اليمني.

رحمة: وافقت الأحزاب السياسية، بما فيها الحزب الاشتراكي، على ذلك؟

أبو أصبع: نعم، بما فيها الحزب الاشتراكي، وأحزاب اللقاء المشترك جميعها وافقت.

رحمة: ولكن ربما كان أفضل ما في المبادرة الخليجية مؤتمر الحوار الوطني، وأنت شاركت فيه وكنت رئيس لجنة الضمانات حينها، وهذه ستفيدنا في المستقبل، وأقصد هنا مخرجات الحوار الوطني.

أبو أصبع: صحيح بالفعل، وما أتى الحوار الوطني إلا بعد الانتخابات الرئاسية.

رحمة: ما هي خلاصة مؤتمر الحوار الوطني من وجهة نظرك، أستاذ يحيى؟

أبو أصبع: مؤتمر الحوار الوطني، أستاذة رحمة، كان فرصة تاريخية لا نظير لها في تاريخ اليمن السياسي، وأعتقد أنه كان فرصة عظيمة للحوار والمكاشفة والحلول والمعالجات، كما لم يحدث مثله في الوطن العربي على الإطلاق.

لقد مثَّل مؤتمر الحوار الوطني خطوة عظيمة متقدمة في الاتجاه الصحيح، وشارك فيه أكبر عدد ممكن من أبناء الشعب اليمني، حيث مثَّل أكثر من 500 شخص في هذا الحوار. كما أن هذا الحوار قد توزَّع على تسع لجان، تمثل محاور ومرتكزات أي دولة. هذه اللجان، كلٌّ منها قدَّمت وجهة نظرها في مجالات الدولة التي هي فيها؛ في مجال التعليم، والصناعة، والقوات المسلحة، وحقوق الإنسان، والقضايا القانونية، وقضية بناء شكل الدولة. كل جهة قدَّمت أوراقًا، وتمت مناقشتها، ثم إقرارها من قبل المؤتمر بالكامل، وكانت على درجة عالية من النضج والشراكة والموافقة والتصويت؛ أولًا على مستوى اللجان، ثم المناقشة على مستوى مؤتمر الحوار بالكامل.

مؤتمر الحوار الوطني ـ منصات التواصل

وفي الحقيقة، وكما هي العادة في الشعب، كلما خطونا خطوة إلى الأمام تراجعنا عشرات الخطوات، بل ومئات الخطوات إلى الخلف. فمخرجات الحوار الوطني تم الالتفاف عليها في قضايا عطَّلت الحوار والفترة الانتقالية، وقضية نشاط حكومة الفترة الانتقالية التي كان يرأسها محمد سالم باسندوه.

وبخصوص قضية الأقاليم الستة لم تُناقش في المجلس، ولم يُقرّها. هذه كانت مقترحًا خليجيًا أمريكيًا تبنَّاه الرئيس عبدربه منصور هادي، ونحن كنا جميعًا ضده، ولكنه لم يعلنه إلا في الجلسة الختامية.

وكذلك قضية الدستور؛ كان الدستور على أساس أن يتم تشكيل لجان من مؤتمر الحوار الوطني لمناقشة وحوار لجنة الدستور، التي انتهت من هذا الدستور وهي في دولة الإمارات العربية المتحدة. أذاعه عبدربه منصور هادي دون العودة إلى مؤتمر الحوار الوطني.

هناك قضايا كان فيها تحفظ، فيما يتعلق بالحكم الرشيد وشكل الدولة، من المؤتمر الشعبي العام، وقد تحفَّظ المؤتمر على شكل الدولة: هل تكون دولة فيدرالية أم اتحادية أم اندماجية؟ ونحن في الحزب الاشتراكي طرحنا قضية شكل الدولة أن تكون دولة اتحادية من إقليمين: إقليم في الشمال وآخر في الجنوب.

وبالنسبة للستة أقاليم، اقروا إقليمين، إقليم  شرقي وآخر غربي. قال الحزب الاشتراكي إن ذلك سيقود إلى تصدعات داخل الجنوب نفسه، وإن الجنوب مهدد بالانقسام والتشظي، والعودة إلى ما قبل الاستقلال 67. لأن دولة اليمن الديمقراطية دولة الجبهة القومية، التي قامت في 30 نوفمبر على أنقاض 22 ولاية وإمارة ومشيخة، فإن إعادة التقسيم من جديد، في الوقت الذي توحد فيه الجنوب وقطع شوطًا كبيرًا جدًا، تعني أننا نأتي الآن لنعيد تلك المشاكل والنعرات، وخاصة أنها وُجدت منذ أيام الحرب.

الأقاليم الستة

وبعد حرب 1994 ظهرت قضية الثارات والقبلية وغيرها؛ كانوا يأخذون بعد الحرب الشباب من حضرموت ويافع والضالع وكل مكان، ويذهبون بهم إلى مدارس خاصة في صنعاء عند الإخوان في التجمع اليمني للإصلاح وبعض أوساط المؤتمر، لتدريسهم العُرف القبلي وكيف العودة إلى القبيلة وبنائها.

فقال الحزب الاشتراكي إن إقليمين في الجنوب خطر على وحدة الجنوب، وإنه مع دولة اتحادية من إقليمين، وهو ضد الوحدة الاندماجية والستة الأقاليم، لأن  الستة الأقاليم لم تُناقش ولم تُقر من قبل مؤتمر الحوار الوطني.

وبالنسبة لأنصار الله، كانوا منذ البداية رافضين للاتفاقية الخليجية وملحقاتها وقضية الأقاليم؛ لأن الأقاليم دُرست وخُصصت وحددت على أساس كيفية تحجيم أنصار الله. ففعلوا لهم إقليم آزال من صعدة إلى ذمار، وأُخذوا حجة والمحويت والجوف والبيضاء، ولم يتبقَّ إلا خط واحد يمتد من عمران إلى صنعاء إلى سفيان إلى صعدة، محاطين من كل جهة، لا منفذ بحري ولا مواقع مشتركة.

وعلّق على هذا الإقليم محمد عبدالله اليدومي، رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، وكان معترضًا ولكنه كان مع الخليج، وقال: «جيد أن إقليمنا إقليم آزال، لدينا منتجات كثيرة، سنبيع بطاط». ولم تكن هناك معايير للأقاليم والولايات: معايير اقتصادية وجغرافية وسكانية وثقافية وغيرها.

اليدومي

ومن يقول إن هناك اتجاهات لإعادة هيكلة الجيش، وإن حكومة الوحدة الوطنية أو الوفاق الوطني قادرة على هيكلة الجيش، فما هو إلا واهم ولا يفهم الوضع ولم يفهم شيئًا؛ لأن الجيش كان بيد علي عبدالله صالح حتى دخل الحوثيون وسيطروا عليه. ولهذا كانت كل الهيكلة والتعيينات في الإطار الذي تحدده جماعة علي عبدالله صالح.

وليس هذا فحسب، بل إن الأمن السياسي كان كل يوم يُقتل فيه ضباط الامن السياسي. لماذا يُقتلون؟ اتضح في الأخير لأن غالب القمش من جماعة علي محسن.

رحمة: يا أستاذ، هذا تاريخ، دعنا نكون منصفين. كيف علي عبدالله صالح يستهدف جيشه وقواته، وأنتم كنتم تسمون هذا الجيش عائليًا؟

أولًا، بعد هيكلة الجيش والمبادرة الخليجية تم استهداف الجيش بشكل منظم من قبل الجماعات الإرهابية: تفجير الكلية الحربية وطلاب خارج الكلية الحربية، ثم تفجير عناصر الأمن المركزي في ميدان السبعين، والطائرات التي كانت تتساقط، والدخول إلى الحرس الجمهوري من داخل المجاري. ونُشرت قوى ثورية ومجاميع قبلية تستهدف الحرس العائلي. هل هذه كانت منظمة أم كانت بشكل عادي؟

أبو أصبع: عندما كنا في حرب الحصبة، أنا وأحمد قرحش، كنا عند صادق بن عبدالله الأحمر، وهو يقود حرب الحصبة. جاءت لجنة للتوفيق ما بين صادق الأحمر وعلي عبدالله صالح لوقف الحرب. وكان الأحمر ولديه الفرقة قد استولوا على وزارة التجارة والثقافة ووكالة الأنباء اليمنية «سبأ» ووزارة الإدارة المحلية، وحاصروا اللجنة العامة، وكانوا يريدون الاستيلاء على وزارة الداخلية وقوات الشرطة العسكرية والنجدة، التي كان يرأسها محمد عبدالله القوسي. وعندما ذهبت أنا وقرحش، جاءت اللجنة برئاسة غالب القمش وعضوية كل من فيصل مناع، غالب الأجدع، عبدالقوي الحميقاني، أحمد أبو حورية وغيرهم.

حرب الحصبة

بعد ذلك، عندما جاء لنا الصاروخ ونحن في البدروم، لأننا هربنا من القاعات في الأعلى، حيث كانت القذائف تصل إلى الدور الأول حيث توجد القاعات، وقتل  أحد اصدقاءنا كان عضو اللجنة المركزية الشيخ حسن جرعوم  الذي كنت أودّعه في ذلك الوقت، فسقطت قذيفة مدفعية وأخذته من جنبي، وتطايرت الدماء فوقي وفوق الآخرين. ثم قلنا لصادق: ماذا نفعل؟ قال: ننزل إلى البدروم. ونزلنا إلى البدروم، وكنا قد شرعنا بالجلوس، ثم طلبت منه شاحنًا لأنني كنت أتواصل مع قناة الجزيرة، وطلبنا من محمد بن عبدالله أبو لحوم أن يبحث عن شاحن. فكان يبحث لي في البدروم، ثم مد لي بالشاحن، وحدث التفجير وسقط فوقي، وقُتل وقتها، وكانت الدماء كلها فوقي.

ثم خرجت أنا إلى الساحة في الدورة الثانية ببيت عبدالله حسين الأحمر، والتقيت بغالب القمش، وكان مجروحًا في يديه ووجهه، والدماء تسيل منه. وقال: «هذا علي عبدالله صالح استهدفني، لأنه أراد قتلي». وانا استغربت، لأنه لأول مرة أسمع أن غالب القمش ليس على حالة وفاق مع علي عبدالله صالح. قالوا إنه مع علي محسن. أما علي محسن، فقد حارب فقط في الحصبة والساحة، وجاء وعمل ربكة في الثورة الشبابية لا أول لها ولا آخر.

غالب القمش

علي محسن كان في الأخير، وأنا عنده مع محمد سالم بسندوة، يقول: «خلاص انتهى علي عبدالله صالح، وانتهت الثورة». يعني الثورة عنده كانت علي عبدالله صالح فقط، وليس تغييرًا أو فسادًا أو نظام وقانون أو عدالة اجتماعية أو عدالة انتقالية؛ كل هذا لم يكن في باله.

رحمة: أستاذ يحيى، الوقت يداهمنا. نريد أن نعرف النتيجة وساطتك فيما يتعلق بأحداث الحصبة باختصار، حتى ندخل في وساطة دماج.

أبو أصبع: بعد أن أخبرني بهذا الكلام غالب القمش أن علي عبدالله صالح كان يستهدفه، خرجت بين الرصاص واتجهت إلى مقر اللقاء المشترك، واتصلت بالرئيس هادي وطلبت منه العمل على وقف هذه الحرب. وقلت له: الآن توقفت، لأن محمد عبدالله القوسي أوقف صادق وقواته، وعلي محسن، وأحضر ناس من الحدا، وأمسك بالداخلية والنجدة، وأوقفهم جميعًا عند حدهم على مدى يومين. وطلبنا من هادي ان يتدخل  ومن باسندوة أن يتدخل، بحكم ان علاقته كانت متواصلة مع الرئيس.

تهجير اهل دماج

لكن صادق بن عبدالله ذكر أن والده أخبره بأنه لا بد من الانتقام من علي عبدالله صالح بسبب المقال الذي كتبه في صحيفة الميثاق حول عبدالله بن حسين الأحمر. هل أخبرتك حول هذا المقال؟

رحمة: لا، ولكن هل يمكنك أن تخبرنا بقصة هذا المقال؟

أبو أصبع: حدثت مشكلة، بكيل ابن عبدالله حسين الأحمر كان يمر ولديه من ست إلى سبع سيارات مليئة بالمرافقين، يدوسون الناس ويخالفون إشارات المرور. وفي أحد الأيام، في جولة ريماس القريبة من السبعين، طقم عسكري أوقفهم، فقاموا بصدمه وتبادلوا إطلاق النار. بعد ذلك  يحيى محمد صالح تحرك  بأطقم وبداو الإشتباكات. وبعد ذلك تدخل الشيخ عبدالله الأحمر والرئيس علي صالح  وأوقفوها، وعلى أساس أن يُسجن بكيل ويحيى محمد عبدالله صالح.

ولكن في اليوم التالي صدرت صحيفة الميثاق، وفيها عنوان لمقال الافتتاحية يقول: «ماذا يريد عبدالله بن حسين من الدولة؟ وما لا يريد عبدالله حسين من النظام والقانون؟»

في ذلك اليوم أنا رأيت الصحيفة، وكان معي أحمد قرحش، قال: ما رأيك أن نذهب لرؤية الشيخ عبدالله، لأنه اتصل بي يوم أمس يريدني؟ وبعد ذلك ذهبنا. وجدناهم يتناولون طعام الإفطار، ثم قال عبدالله قرحش: أنت تأكل بهذا الشكل وأنت لديك السكر؟ قال: العسل الصافي الصحيح هو دواء للسكر.

عبدالله الاحمر

ثم قلنا له: ألم تغضب من المقال الذي نُشر في الميثاق؟ قال: أي مقال تتحدث؟ قلت له: ألم ترَ الميثاق اليوم؟ قال: لا. ثم قال: لا تزال موجودة هنا، وأشار إليها أنها لا تزال على الطاولة. ثم أخذها بيده اليسرى، ويده اليمنى لا تزال ممدودة للحرضة، ثم قرأ وقال: «ماذا يريد عبدالله حسين؟ من هو عبدالله حسين؟ أنا عبدالله بن حسين الأحمر، اسمي عبدالله حسين!»

قال: هل تعرف يا شيخ يحيى من هو عبدالله حسين؟ قلت له: من هو؟ قال: هذا بياع حطب عندنا في خمر. ثم قام وأسقط اللقمة من يده، وكان يصرخ بصوت عالٍ:

«أنا عبدالله بن حسين بن ناصر بن مبخوت الأحمر! أنا عبدالله حسين! يا علي عبدالله صالح، يا عفاش!»

لأول مرة نسمع كلمة «عفاش» في ذلك الوقت من عبدالله بن حسين الأحمر، والله شاهد. وبعد ذلك كان يقرأ الجريدة ويكرر: «أنا عبدالله حسين يا علي عبدالله صالح، يا عفاش! وأنت جئت، أنت وجدك، وأنتم تبيعون الجلود في الجوف!»

وبعد ذلك صادق بن عبدالله بجوارنا يضحك، ثم التفت عليه الأب وقال له: «انظر يا صادق، هذه المسألة لا ينبغي أن تذهب بدون رد. إذا لم يكن الرد اليوم فغدًا، وإلا أنتم تردون على علي صالح، وهذه وصيتي لك.»

وبالفعل، صادق الأحمر، ونحن عنده في البيت في حرب الحصبة، وأنا أقول له: تتذكر أبوك ماذا قال؟ قال: أنا أنفذ وصيته.

تصوري إلى أين؟ لقد كان الثلاثة يحكمون البلد: عبدالله بن حسين، وعلي عبدالله صالح، وعلي محسن، وظلوا أكثر من 33 سنة وهم ماسكين الدولة بيد من حديد، وعندما اختلفوا الثلاثة ذهبوا الثلاثة.

صالح والاحمر وعلي محسن

رحمة (مقاطعة):لقد دمروا دولة، والآن أصبحنا نشحت من السعودية دولة.

أبو أصبع: هم حكموا اليمن 33 عامًا، وكانوا سمًّن على عسل، يتقاسمون الدولة أثلاث.

رحمة: الآن دعنا ننتقل إلى وساطتك في دماج، وهذه أثارت الكثير من الجدل. البعض يقول: بأي حق الرئيس هادي يوافق على تهجير السلفيين من محافظة يمنية؟ بينما حسين العزي، مسؤول العلاقات لعبدالملك الحوثي، يقول بأنهم كانوا يحرضون على الإرهاب واستهدافهم. نريد أن نعرف ما هي خلاصة وساطتك فيما يتعلق بدماج؟

أبو أصبع: بدأت المشاكل بين الإصلاح وأنصار الله في 2012 في صعدة والجوف. جاء الإصلاح والحوثيون إلى اللقاء المشترك، كل واحد فيهم يريد من اللقاء المشترك أن يقف معه. بعد ذلك شكّل اللقاء المشترك لجنة برئاسة يحيى منصور، وعضوية نايف القانص، ومحمد النعيمي، وزيد الشامي من الإصلاح، ومحمد مسعد الرداعي من كل أحزاب اللقاء المشترك، وذهبنا إلى الجوف، وحلّينا مشاكل الجوف والحرب التي كانت موجودة ما بين الإصلاح وأنصار الله وهي مسألة طويلة، وفيها قرارات، وكلها موجودة لدي، ولكن هذا أولًا. ثم بدأت الحرب بينهم في صعدة. أرسلنا اللقاء المشترك إلى صعدة، وكنتُ رئيس اللجنة. وصلنا، واستطعنا أن نوفّق بينهم ونوقف هذه الحرب. والحقيقة أنّ الطرفين تجاوبَا؛ لأنّ كل واحدٍ منهم لديه أجندة خاصة. أنصار الله لديهم أجندة السيطرة على صعدة، وبدأوا يفكرون بأشياء أبعد من الإصلاح.

اللقاء المشترك

بعد ذلك أخذونا في رحلة لزيارة صعدة بأكملها، ثم أخذونا إلى مرّان، حيث منزل بدرالدين الحوثي، وأرونا منزله وهو مدمّر، ولكنهم كانوا قد بنوا غرفًا للزوار، وبقينا هناك يومين. وكان هذا بعد الحرب السادسة في 2012.

ثم رأينا صعدة؛ المناطق التي مررنا فيها من شرق صعدة: آل سالم، ونشور، وكتاف، ومجز، حتى وصلنا إلى باقم. ثم عدنا إلى سحر وحيدان وساقين، وكانت المناطق بأكملها معسكرات؛ ما بين كل خمسة أو ستة أو عشرة كيلومترات معسكر تابع للسلطة. فقاموا بعمل معسكرات في صعدة أكثر مما هي موجودة في اليمن بأكمله، وعلى نفقة السعودية. وأصبحت هذه المعسكرات كلها، في هذا الوقت، بيد أنصار الله، ما عدا الجيش الذي اتُّفِق عليه في صعدة؛ تقريبًا خمسة إلى ستة ألوية موجودة في صعدة، واتُّفِق أن تكون من الدولة ولكن تحت إشراف أنصار الله.

مران  في صعدة

في الحرب السادسة، توغّل السعوديون في الملاحيظ ونهوقة فوق نجران، والملاحيظ جنب الخوبة بجوار جيزان، ومسكوا جبل الدخان. وكان عبدالخالق الحوثي، أخو عبدالملك، عمره 18 عامًا، ذهب بأقدامه وهي محروقة، وكان يرتدي «شنبل» ممزقًا كانوا جميعاً بـ«شنبل»  وأثوابًا مهترئة. وكان لديهم بنادق ومقاتلون، واستطاعوا أن يهزموا الجيش السعودي في جبل الدخان ويستولوا عليه. وقالوا: لأول مرة نحصل على الكبسة واللحمة لان الجيش السعودي هرب وانسحب. وقال: أول مرة نأكل ونشبع. ثم استولوا على 11 دبابة، وأسروا جنودًا سعوديين.

رحمة: الآن حدثنا عن وساطتك في دماج؟

أبو إصبع: أنا ذهبت رئيس لجنة من أجل حرب دماج، وعرفنا أن الحوثيين، وأن المعهد الذي أسسه مقبل بن هادي الوادعي، أسسه قبل عشر سنوات، نكايةً بالمذهب الزيدي؛ لأن المعهد جاء على قاعدة الوهابية المتطرفة جدًا، وهي تعتبر أن الزيدية والشيعة كفار، ليس لهم في الإسلام علاقة، ويتعاملوا معهم على هذا الأساس.

مقبل بن هادي جاء إليه طلبة ما بين 12,000 و15,000 طالب في المعهد، وكان المعهد يقع في وادي دماج، وقد بنى مدينة من البيوت للطلبة والمدرسين. وكان لديهم أموال من السعودية مثل الرز، وكان ذلك بتشجيع من صنعاء. وكان عبدالمجيد الزنداني كل شهرين أو ثلاثة يخطب في صعدة، ليس في إثارة البلبلة، ولكن لمحاربة المذهب الزيدي. وصعدة هي كرسي المذهب الزيدي.

مقبل الوادعي

تصوري أن الطلبة موجودون من كل المحافظات: من المهرة إلى الحديدة، ولحج، والبيضاء، والمحويت، وريمة، وغيرهم. كان موجودًا من كل محافظة يمنية أقل طالب 100، وأكثرهم 500 طالب، من إب وتعز وغيرهما. ولكن من صعدة كان سبعة طلاب فقط. لماذا؟ لأن جميع من هم في صعدة مع المذهب الزيدي.

رحمة: هل كان السلفيون يحرضون على استهداف جماعة الحوثي، أم الحوثيون هم الذين أخرجوا يمنيين من داخل محافظتهم وبرعاية من رئاسة الجمهورية؟

أبو إصبع: أنصار الله وصلوا إلى مرحلة أنهم يمنعون كل نشاط لأبناء السلفيين في دماج، والسلفيون رفضوا، وبدأوا بالاشتباكات فيما بينهم بإطلاق النار والأسلحة الثقيلة. ثم جئنا وحاولنا تهدئة الموضوع.

وقد كان الحوثيون يرتاحون لي؛ لأنني وقفت ضد الحروب الستة، إلى درجة أنه في اجتماعات اللقاء المشترك كان عبدالوهاب الآنسي يسميني «وكالة أنباء صعدة» و«وكالة أنباء الحوثيين»، لأنني كنت أتابع الحرب الأولى والثانية والثالثة والرابعة بكل دقة، وكنت مع انتصارات الحوثيين. وكانوا يقولون: لماذا كنت مسرورًا بانتصارات المليشيات على الجيش اليمني؟ قلت لهم: إن هذا الجيش جيش علي محسن وعلي عبدالله، وهم بقدر ما يتقاتلون مع الحوثيين يتقاتلون فيما بينهم.

قلت لهم: كنت سعيدًا بانتصار حسين بدر الدين الحوثي؛ لأنه قاتل 80 يومًا، وعلي سالم البيض 60 يومًا ولديه جيش. ولكنني كنت مع هزائم الجيش؛ لأن هذا الجيش، وعلي عبدالله صالح، دمروا منطقتنا، وأخذوا دائرتي الانتخابية، وقتلوا من أبناء عمي، وعلى رأسهم وادع بن حمود، حوالي 28 شهيدًا. كل بيوتنا مدمرة. قائد الجيش في إب يحيى الشامي، الذي أصبح حوثيًا، أحضر للرئيس علي عبدالله صالح أمرًا من الاستخبارات العسكرية بأنهم يدمرون ستة بيوت من بيوت يحيى منصور وإخوانه وأولاد عمه.

قرية دماج

المهم فيما يخص دماج: خرجنا بنتيجة، بالتنسيق مع الرئيس، أن الحوثيين يوقفون إطلاق النار والسلفيون، يحيى الحجوري وتلامذته، يتوجهون إلى الحديدة، ولم أخرج من صعدة إلا بموكب طويل عريض مع الحجوري وأصدقائه السلفيين في دماج. وبعد خروج السلفيين، وأنا هناك في صعدة، تعرضت لإطلاق نار من السلفيين على السيارة التي كنت فيها، ولولا لطف الله لكانت وقعت الرصاص فوقي. وكان السبب، قالوا: إني انتقلت من شيوعي إلى شيعي.

ولكن أنصار الله أيضًا طلعوا أرواحنا، وليسوا بسيطين. لكن الذي حدث أن حسين بن عبدالله الأحمر قام  باحتجاز أهل صعدة، نساءً وأطفالًا، ومنعهم من السفر. علي عبدالله صالح كان متواصلًا مع الحوثيين، وقال لهم: انظروا ماذا ستفعلون، وتوكل أنصار الله في سفيان، وهي مجاورة لحاشد.

حسين الاحمر

وحينما يقولون الصراع بين حاشد وبكيل، هو صراع بين حاشد وسفيان، لأن سفيان على حدود حاشد الشرقية، والشمالية، والشمالية الغربية، وهي كبيرة جدًا، ومساحتها أكبر من مساحة حاشد. وهؤلاء كانوا دائمًا حيثما تكون حاشد يكونوا في الطرف الآخر.

جاءت الجبهة الوطنية، ذهب أهل سفيان جميعًا في الجبهة الوطنية، في الحزب الاشتراكي، وجاء الحوثيون فذهبوا جميعًا مع الحوثيين. فدخلوا بيت الأحمر حينما وصلوا إلى حوث، ثم دخلوا الخمري، القلعة الحصينة التابعة للشيخ عبدالله الأحمر، وله خمسون عامًا يجمع الأسلحة بداخلها: الدبابات، والمدفعيات، والذخائر، جميعها تحت الأرض وفي الجبال. ودخلوا لها أهل سفيان وأنصار الله واخذوها، وهرب حينها حسين الأحمر، ثم تبعوه.

والقبيلة الأساسية في حاشد، بني صريم، كانوا محايدين لأنهم كانوا مؤتمرًا شعبيًا عامًا، وأخبرهم الرئيس بأن لا يتدخلوا. وهرب  حسين الأحمر إلى صنعاء، ثم رتب أمره وسافر إلى الخارج.

ولكن كنا نقول بأن وصول أنصار الله سيحيّدهم في عمران عند اللواء التاسع مدرع، التابع للفرقة الأولى، وهو عبارة عن أربعة ألوية، عند حميد القشيبي. وحتى أخبرني محمد قحطان: انه لن يستطيع الدخول والخروج من عمران لأن حميد القشيبي هناك. المشكلة أنهم قضوا على القشيبي بساعتين، ولم يأتِنا سوى خبر الإمساك به وإعدامه، ودخلوا المعسكرات.

حميد القشيبي

علي عبدالله صالح أرسل لهم من بني مطر محمد سوار، ويحيى المطري، ويحيى غوبر عن الحيمة والمشايخ، وأخبرهم بأن يأتوا. وعندما وصلوا إلى الصباحة وأوصلوهم إلى متنة، وفي اليوم الثاني توجه أنصار الله إلى معسكر الحرس الجمهوري، والحرس الجمهوري ردهم. وكان هناك أخذ ورد في اليوم الأول والثاني، ثم قال علي عبدالله صالح للحرس  الجمهوري: اتركوهم سيبقون مؤقتًا، وبعدها سيخرجون. وبعدها من معسكر إلى معسكر، وهم يسيطرون على المعسكرات، وعلي عبدالله صالح يتركهم.

رحمة: ولكن أستاذ، للإنصاف، هناك فيديو واضح في النشرة الاخبارية يظهر عبدربه منصور هادي بعد أن سيطر الحوثيون على عمران، وهو يقول: «عادت عمران إلى حضن الدولة»، فما تعليقك حول ذلك؟

أبو أصبع: هادي كان متعاونًا مع أنصار الله على أساس أنهم يكونون معه، لأنه لم يكن أحد يتوقع أنهم سيقومون بالانقلاب. وكان وزير الدفاع محمد ناصر يتواصل معه باستمرار، ولكن أنصار الله كانت لهم حسابات أخرى. اتفقوا مع علي عبدالله صالح أنه يريدهم ان يدخلوا  إلى صنعاء من أجل القضاء على الإصلاح، وبيت الأحمر، وعلي محسن، وجامعة الإيمان.

وزير الدفاع محمد ناصر

واتفاق السلم والشراكة وقعنا عليه في اليوم الذي هرب فيه علي محسن، وكنا في الرئاسة نراقب الحرب شرق غرب مذبح. ثم وصلتنا أخبار أنهم دخلوا جامعة الإيمان، وقالوا إن جامعة الإيمان أرسلت وفد وقالوا لهم : تفضلوا، جامعة الإيمان تحت تصرفكم. وفي اليوم الأول كان يقول علي محسن والإصلاح إن جامعة الإيمان ستصدهم وتعيدهم إلى صعدة، وسلمت جامعة الإيمان بلحظة.

رحمة: ولكن لماذا، أستاذ يحيى؟

أبو أصبع: الإصلاح قال إنه لن يقاتل ما دامت الدولة موجودة، وانسحب من مكان إلى آخر حتى وصل إلى حضرموت. وقلت لك إن الإصلاح تصرّف بطريقته؛ إنه يريد الدولة تحارب عنه، وهو يأتي فقط للإمساك بها. واتفاق السلم والشراكة،  كان نصّ على أشياء ممتازة، وهو الآن في خريطة الطريق الحوثية الأخيرة التي كانت قبل ثلاث سنوات. نصّ على أنه مرجعية، وتصوري أنه  وضع ان على جميع الميليشيات من غير الجيش اليمني أن تخرج من صنعاء وتعود إلى مواقعها، وهذا كان أهم شيء.

ونحن نصيغ البيان هذا في الرئاسة، جاء علي محسن ومعه الجائفي والحاوري، وهؤلاء من أصحاب الرئيس الأساسيين، واستغربنا أنهم جاؤوا معه. وقال عبدربه: أنا من أرسلت لهم، وقلت لهم بأن علي محسن في رؤوسكم؛ لأنه لم يستطع أن يقاتل في الفرقة، والجنود هربوا عليه، وهو في حالة يُرثى لها، وعليكم أن توصلوه إلي.

علي محسن ذهب إلى السفارة السعودية أولاً، ولم يكن هناك أحد من الدبلوماسيين، وأخبر الموظفين أنه: «أنا علي محسن الأحمر، أطلب اللجوء السياسي في السفارة السعودية». وذهب إلى عبدربه في الرئاسة، ودخل علي محسن هو واثنين من الضباط: الحاوري والجائفي. وكان علي محسن بحالة مزرية، وقال: «أنا أقاتل، والدولة لا تقاتل».

السفارة  السعودية

والرئيس قال له: «أنا أرسلت لك بكتيبتين وسلاح، وأنت وحدك، والكتيبة الخاصة بك، وجامعة الإيمان التي قلتم إن فيها 10,000 مقاتل، لم تطلقوا طلقة واحدة، وهربتم». وبعد ذلك الرئيس ذهب وأخذ علي محسن معه ، ثم رأينا طائرة هليكوبتر، فاستغربنا، وسألنا عبدربه منصور، فقال: «هذا علي محسن». وقلنا: «أين سيذهب؟» قال: «سيذهب إلى السعودية». وقال إنه اتصل به الملك عبدالله، وقال: «علي محسن جاء إلى سفارتنا في صنعاء، وهو صديقنا، وفي وجهي الآن، وأنا أقول إنه في وجهك، وأحملك مسؤولية الحفاظ عليه وتسهيل إيصاله إلى السعودية». وأخذته الطائرة الهليكوبتر أمامنا إلى الحديدة، ومن هناك طائرة السعودية نقلته.

رحمة: أستاذ يحيى، نريد تقييم الأحداث ومبادرة السلام من جنيف إلى الآن. ما هي الأخطاء والإيجابيات، وذلك حتى نصل إلى خارطة طريق تقترحها لمستقبل اليمن؟

أبو أصبع: بعد دخول الحوثيين إلى صنعاء واستيلائهم على السلطة، اجتمعت قيادة الحزب الاشتراكي في صنعاء، وأصدروا مبادرة سلام. أنا كنت أحد من صاغها مع عبدالرحمن عمر الأمين العام، وعلي الصراري، ومحمد المخلافي، وعبدالكريم دماج.

جاءت هذه المبادرة على أساس الدعوة إلى السلام أولاً، ووقف الحرب والاشتباكات بين جميع الأطراف، والدعوة إلى حوار وطني شامل كامل لا يستثني أحداً من القوى السياسية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني أيضاً. ومن خلال هذه المبادرة طالبنا حينها الحوثيين بالانسحاب فوراً من عدن، وعدم التعرض لمدينة تعز، وطالبنا الرئيس هادي بأن يقود بنفسه التحرك لدى الأحزاب الموجودة في الشمال والجنوب، وكل الشخصيات السياسية المهمة، للعمل من أجل السلام ووقف الحرب ونزيف الدماء. هذا كنا نحن أول من عمل هذه المبادرة. فيما بعد استمرت الحروب، ثم جاءت السعودية بعاصفة الحزم.

سيطرة الحوثيين

رحمة (مقاطعة): أستاذ يحيى، ولكني أسألك عن مفاوضات جنيف.

أبو أصبع: جاءت عاصفة الحزم في 26 مارس 2015، بعد سيطرة الحوثيين بسنة على صنعاء. وعاصفة الحزم هذه قلبت الأمور رأساً على عقب، وأربكت كل شيء؛ لأنها ظلت تدمر اليمن على مدى سبع سنوات، وهي تقصف في كل مكان، ولم تترك محلاً ولا مكاناً.

ولهذا أنصار الله استغلوا تدخل السعودية الفاضح، وجعلوا من أنفسهم أنهم القوى الوطنية التي تدافع عن اليمن في وجه العدوان الخارجي. ولهذا التف الناس حولهم، القبائل، ونحن الأحزاب الموجودة في الداخل انقسمنا؛ هناك من ذهب إلى السعودية وأيّد الموقف السعودي. وفي الحزب الاشتراكي نحن انقسمنا: جزء منهم ذهبوا إلى الخارج وإلى السعودية، مع شرعية عبدربه منصور هادي، ونحن بقينا في صنعاء على أساس أننا لا نحن ضد الشرعية ولا نحن ضد الحوثيين، ولكننا مع السلام والحوار ووقف الحرب والعدوان السعودي الإماراتي.

عاصفة الحزم

وأنا أصدرت بياناً باسم رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي، ندين فيه عاصفة الحزم وتدخلها في الشؤون الداخلية لليمنيين، وأن أبناء اليمن، سواء كانوا الأحزاب أو أنصار الله أو الإصلاح أو المؤتمر أو الحراك الجنوبي، كل هؤلاء الذين اجتمعوا في مؤتمر الحوار، قادرون على أن يعالجوا مشاكل اليمن دون التدخل السعودي والإماراتي الخارجي.

رحمة: إذاً لا حل إلا بحوار يمني- يمني بدون إملاءات خارجية. ولكن هناك سؤال مهم جداً: كيف تُرتّب مسألة الجيش والأمن من وجهة نظرك، أو دمج مؤسسة الدولة، وتحديداً الجيش والأمن؟

أبو أصبع:  في الوقت الحاضر، نحن في كل عام نخرج من عقد وندخل في عقد أكثر تدميراً، وآخرها ما حدث من سيطرة الانتقالي في حضرموت والمهرة، وهذا يعقد المشهد. وفي كل مرة نقول: «عساها تنجلي»، ونتواصل مع الأحزاب والقوى السياسية التي في الخارج والداخل، وتأتي مشكلة وتدمر كل التحركات. ولهذا نحن ظلينا في صنعاء، وأنا أليت على نفسي أن لا أخرج من اليمن إلا بعد أن تنتهي الحرب، ويسود السلام والوئام والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية. ولهذا أنا حينما أمرض أو أجوع أو أشبع، فأنا لا زلت جالس في الداخل.

سيطرة الانتقالي على  حضرموت والمهرة

نحن ممتلكاتنا مصادَرة، حتى أموال الحزب الاشتراكي التي في البنك الأهلي في صنعاء، ونحن لا نمتلك غيرها: مليار و200 مليون ريال، ومليون دولار. أنصار الله قبل سبع سنوات صادروا كل أموال المودعين بحجة أنه لا توجد لديهم سيولة، ثم اصدروا قانون من مجلس النواب ضد، على قولتهم، الفوائد الربوية. والآن نحن ست سنوات لم نستلم مبلغاً واحداً من أموالنا التي في البنك الأهلي.

حتى أنا كيفت نفسي،  كنت سابقاً أسير بمرافقين وسيارات، والآن بطلتهم جميعاً، وأصبحت أركب الباص منذ أربع سنوات، أو أمشي على الأقدام إلى مقر الحزب الاشتراكي اليمني.

رحمة: هل تعتقد أن أنصار الله أو الحوثيين جاهزون لسلام حقيقي إذا كان هناك اتفاق أو موافقة على شروطهم؟

أبو أصبع: إذا كانت هناك موافقة على شروطه، فبكل تأكيد سيوافقون على سلام حقيقي. ولكن السلام الحقيقي يُبنى على أساس القناعات المشتركة، بأن الجميع يدخل هذا الحوار دون تعالٍ أو تسلّط أو عنف، ودون استقواء بالسلاح. نحن نريد حوارًا يضم كل الأحزاب، صغيرة وكبيرة، وكل منظمات المجتمع المدني التي تقف مع وحدة اليمن وسلامه ووقف العدوان الخارجي، ومن أجل العدالة الاجتماعية والانتقالية، بحيث نبني دولة ضامنة لكل اليمنيين، تذوب فيها كل الفواصل والحواجز العنصرية والسلالية والعرقية والمذهبية والمناطقية والانفصالية.

رحمة: أستاذ يحيى، هل فكرتَ - أو الحزب الاشتراكي والأحزاب الأخرى مثل الناصري، وفرع المؤتمر الشعبي العام، وفرع الإصلاح الموجودين في صنعاء، أو المكتب السياسي لأنصار الله - أن تشكّلوا تكتلًا يقود إلى خارطة طريق بين الأطراف اليمنية، بدلًا من الاعتماد على الدول الإقليمية والمجتمع الدولي للتقريب بين اليمنيين؟

أبو أصبع: نحن لدينا تكتل في صنعاء يحمل اسم «نداء السلام»، وتكتل آخر تابع للدكتور حمود العودي. هذه التكتلات تدعو لحوار وطني لكل الأحزاب اليمنية دون استثناء وبدون تخوين. نجتمع كلنا، وقضية من هو خائن أو فاسد تتعلق بالقضاء اليمني، وهو من له الحق في أن يحاسب ويعاقب ويحدد، وليس الأحزاب.

رحمة: أستاذ يحيى، أنت لك مكانة كبيرة عند كل النخب السياسية، ورغم الاختلاف، هل لديك رسالة تحب إرسالها لكل النخب، سواء الشمالية أو الجنوبية، أو النخب التي مع التحالف، أو النخب التي مع أنصار الله؟

أبو أصبع: أولًا، أنا أدعو أنصار الله لأن يجعلوا من الهدنة سلامًا دائمًا ومستدامًا، وأدعوهم أيضًا لأن يتواصلوا مع كل الأحزاب والقوى بعيدًا عن الغرور والنرجسية. وبالمقابل، أدعو أحزاب الشرعية، أو التي تقول إنها في الشرعية - مع أن الشرعية سقطت في 2012 وذهبت أدراج الرياح - أدعوها للتواصل مع أنصار الله. وأدعو الإصلاح للتواصل مع انصار الله، لان انصار الله متواصلين مع الإصلاح ولهم اربع سنوات  يحاولون التواصل  من خلال منصور الزنداني في صنعاء وفتحي العزب وعلي جباري. وحتى الآن، كل طرف يريد أن يكون هذا السلام وأن يكون هذا اللقاء والتواصل لوجهة نظره. أنا قلت لهم: اتركوا وجهات النظر جانبًا، وعلينا أولًا أن نجتمع من أجل شيئين اثنين: السلام ووقف الحرب، ثم ندخل في القضايا.

نحن في اليمن وصلنا إلى مرحلة لم يشهد لها التاريخ، لا من حيث الحرب العسكرية، ولا الحرب الاقتصادية، ولا من حيث تفشي الجوع والتمزق الجغرافي والسكاني. نحن لم نصل في أي مرحلة من مراحل التاريخ اليمني مثل ما وصلنا اليوم. تصوّري: في الجنوب، بعد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، يأتي الانتقالي ويطالب بدولة الجنوب العربي، مع أن هناك حراكًا جنوبيًا واسع النطاق ضد هذه الفكرة، وهناك مجاميع كثيرة جدًا في الجنوب، بما فيهم الحزب الاشتراكي. وأيضًا هناك في الحزب الاشتراكي من هم مع هذا الاتجاه في الجنوب، مع استعادة دولة الجنوب. نريد أن نقول: دولة الجنوب يصعب، بل يستحيل، أن تعود والانفصال لن يستقيم في الجنوب، بل سيتمزق الجنوب أكثر مما كان قبل الاستقلال. بل الآن الجنوب، وفي ظل وجود الإمارات والسعودية - وهاتين الدولتين الأغنى في العالم - عدن بلا كهرباء ولا ماء ولا ديزل، وهناك من يصرخ بأنه لا يوجد غاز.

رحمة: والوضع في صنعاء أيضًا صعب، ورسالتك وصلت للجميع، وإن شاء الله ربنا يوفقك أنت وزملاءك من الأحزاب السياسية في الداخل الذين لم يسافروا إلى الخارج في تحقيق ما تسعون إليه في ندائكم للسلام. شكرًا لك، لقد أخذنا من وقتك وجهدك، وكان حوارًا طويلًا، ولكنه من أجمل حواراتنا. شكرًا لك، أستاذ يحيى، رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني من صنعاء.

أبو أصبع: وأنا سعيد جدًا، وأشكرك من كل قلبي أنتِ وزملاءك. وأنا سعيد جدًا أنني شاركت في هذا الحوار، وأتمنى لكم النجاح والتوفيق في إيصال الرسالة اليمنية لكل أبناء اليمن، ولمصلحة اليمن والسلام والاستقرار والوحدة لليمن.

رحمة: مشاهدينا، كما شاهدتم، الأستاذ يحيى منصور أبو أصبع، الرجل عمره فوق الثمانين عامًا، وله خمسة عشر عامًا في صنعاء. ومن المؤكد أن لديه الرغبة في أن يخرج ويسافر مع أسرته من صنعاء ويذهب للعلاج، مثل بقية القيادات والنخب اليمنية الموزعة على العواصم العربية والمجتمع الدولي، ولكنه يشعر بأن له دورًا في صنعاء، ودوره أن يقرب ما بين الأطراف السياسية. وإن شاء الله تجتمع الأطراف على كلمة واحدة، ويتفق اليمنيون. الناس تعاني ويموتون في الداخل ألف مرة، والوضع الاقتصادي والنفسي سيئ. ولذا ندعو الجميع لتحقيق السلام في اليمن، ويكفي بهذلة. نلقاكم في حلقة قادمة وضيف آخر.

ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة (اضغط هنا)

الكلمات الدلالية