صنعاء 19C امطار خفيفة

إسفين المناصفة!!

تجري المشاورات الراهنة لتشكيل الحكومة وفق صيغة "المناصفة" بين الشمال والجنوب، ويتم التعامل مع هذه الصيغة كما لو أنها مسلّمة سياسية، غير قابلة للنقاش!!

وكالعادة، لا أحد يسأل: لماذا المناصفة؟ وعلى أي أساس قامت؟ وما مدى مشروعيتها؟ وإلى متى ستستمر؟!.

قد يقال إن مبدأ التوازن الجغرافي في شغل الوظائف العامة العليا يعد، في بعض السياقات، تعبيرًا عن الشراكة الوطنية وضمانة ضد الاحتكار المناطقي للسلطة - وذلك على أية حال أمر مختلف عن صيغة المناصفة القائمة اليوم - غير أن اليمنيين، في الوقت ذاته، يدركون أن الكفاءة والنزاهة يجب أن تظل المعيار الحاكم في تولي الوظائف العامة، لا الانتماء الجهوي.
ظهرت حكاية المناصفة لأول مرة مع انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل عام 2013، حين شُكّل المؤتمر بالمناصفة بين ممثلي المحافظات الجنوبية والمحافظات الشمالية، في سياق سياسي استثنائي فرضته ظروف تلك المرحلة. وكان المبرر آنذاك احتواء حالة الاحتقان التي نشأت لدى أبناء المحافظات الجنوبية نتيجة سياسات الإقصاء والفساد التي انتهجها النظام السابق، وكإجراء تطميني، يضمن مشاركة وازنة لهم في صياغة أسس الدولة اليمنية الجديدة.
وفي إطار مناقشة ما عُرف بـ«القضية الجنوبية»، أقرّ مؤتمر الحوار ترتيبات محددة في المرحلة الانتقالية التالية، من بينها تمثيل الجنوب بنسبة 50% في الهياكل القيادية للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما في ذلك مؤسستا الجيش والأمن، خلال الدورة الانتخابية الأولى التي تعقب إقرار الدستور الاتحادي. وهي تدابير مؤقتة بطبيعتها، وجزء من منظومة عدالة انتقالية تهدف إلى تجاوز آثار الماضي.
وحدث ما لم يكن في الحسبان حيث نفّذت جماعة الحوثي وشريكها نظام صالح في سبتمبر 2014 انقلاباً اغتصب عاصمة البلاد وعصف بالدولة وعرقل استكمال مسار التسوية السياسية ومشروع بناء الدولة المنشودة.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عشر عامًا على سقوط النظام السابق، وصعود رئيس للدولة ينتمي إلى المحافظات الجنوبية لما يقارب عقداً من الزمن، وتعاقُب حكومات المناصفة؛ هل ما زال لاستمرار صيغة المناصفة أي معنى؟
كانت المناصفة في أصلها، إجراءً استثنائيًا مؤقتًا لمعالجة مظالم وأوضاع ارتبطت بمرحلة سياسية محددة، كما أشرنا، وقد انقضت تلك المرحلة بكل سياقاتها، ولم يعد لاستمرار هذه الصيغة، بَعد كل ما جرى، معنى سياسي أو وطني، بل بات بقاؤها يزعزع فكرة الدولة ويعمّق أزمتها.
وتكمن الخطورة في تقنين تقاسم السلطة بصيغة المناصفة، بما يستبطنه ذلك من منطق التقابل والمنافسة بين جهتين. فاستمرار هذا النهج لمدد طويلة يكرس انقساماً جهوياً دائماً، ويحوله إلى بنية ثابتة في الوعي والممارسة اليومية، ويغذي مشاعر نفسية تفكيكية تتعمق بمرور الزمن، لتتحول إلى عائق بنيوي أمام الاندماج الاجتماعي والوطني.
فالمناصفة في الحقيقة، لا تُقسّم السلطة فحسب، بل تُقسّم الوطن نفسيًا، وتعيد تعريف المواطن على أساس الجغرافيا، وتستبدل مفهوم المواطنة بسجل جهوي يُستدعى عند كل تشكيل للحكومة أو إجراء أي تعيينات في الوظائف العليا.
فهل آن الأوان لمغادرة هذا الوضع، والانتقال من منطق التقاسم إلى منطق الدولة؟.

الكلمات الدلالية