صنعاء 19C امطار خفيفة

النخب اليمنية الحديثة ورحلة البحث عن الكفيل

لم يكن تاريخ اليمن الحديث نتاج تحولات مؤسسية مستقرة، بقدر ما كان انعكاسًا لصراع طويل بين نخب متعاقبة فشلت في التحول من جماعات نفوذ إلى نخب دولة. وفي قلب هذا الفشل تبرز ما يمكن تسميتها بـ"رحلة البحث عن الكفيل"، وهي علاقة غير متكافئة تربط النخب اليمنية بقوى خارجية سياسية أو مالية أو أيديولوجية، تتحول فيها النخبة من فاعل وطني إلى وكيل مصالح. هذه الأزمة ليست طارئة، بل هي بنيوية، تشكلت تاريخيًا وتعمّقت مع كل مرحلة انتقال سياسي غير مكتمل.

تشكّل النخب التقليدية قبل الدولة

قبل قيام الدولة اليمنية الحديثة، تشكّلت النخب ضمن إطارين رئيسيين:
النخبة الدينية/ السلالية التي استمدت شرعيتها من النسب والتأويل الديني، خصوصًا في شمال اليمن.
النخبة القبلية التي امتلكت القوة المادية والسلاح وفرضت توازنات محلية لامركزية.
هاتان النخبتان لم تسعيا لبناء دولة حديثة، بل لإدارة مجتمع وفق منطق الامتياز، ما جعل السلطة غاية في حد ذاتها لا أداة لإنتاج العقد الاجتماعي. ومع دخول العثمانيين ثم البريطانيين، بدأت أولى صور، الكفيل الخارجي، حيث استعانت بعض النخب بالقوة الأجنبية لترجيح كفتها داخليًا.

الجمهورية وتبدّل الكفلاء

مع قيام النظام الجمهوري في شمال اليمن (1962) والاستقلال في الجنوب (1967)، برزت نخب جديدة: عسكرية، أيديولوجية، وحزبية. ظاهريًا، كان هذا تحوّلًا ثوريًا، لكنه في العمق أعاد إنتاج الأزمة نفسها بأدوات مختلفة.
- في الشمال، ارتبطت النخبة العسكرية والقبلية بدعم إقليمي، وتحولت الدولة إلى شبكة ولاءات أكثر منها مؤسسة.
- في الجنوب، كانت أزمة النخبة ناتجة عن صراع أيدلوجي ودموي على السلطة داخل الحزب الواحد، صراع زادت حدته بسبب رفض التعددية الحزبية والاستقطابات الدولية للنخب بين الاتحاد السوفيتي سابقًا وبين دول الخليج، الأمر المتسبب بتفجر أحداث يناير 1986م.
هنا لم تختفِ "الكفالة"، بل تغيّر اسمها: من استعمار مباشر إلى ارتهان سياسي واقتصادي.

ما بعد الوحدة... تعميق الأزمة لا حلّها

كان يُفترض أن تمثل وحدة 1990م فرصة تاريخية لإعادة بناء النخبة على أساس وطني جامع، لكن ما حدث كان العكس. تشكّلت نخبة هجينة جمعت بين العسكري، والقبلي، والمالي، والحزبي وحتى الديني دون مشروع دولة واضح.
اعتمدت هذه النخبة على:
- الدعم الخارجي لتثبيت توازناتها الداخلية.
- اقتصاد الريع والمساعدات بدل بناء اقتصاد إنتاجي.
- إضعاف المؤسسات لصالح النفوذ الشخصي.
وبذلك، تحولت الدولة نفسها إلى "كفيل"، توزع الامتيازات مقابل الولاء، بينما بقي القرار السيادي هشًا وقابلًا للمقايضة.

أزمة الكفيل في صورتها الحديثة

بعد 2011م، ثم الحرب، دخلت أزمة الكفيل مرحلة أكثر حدة. لم تعد النخبة تبحث عن داعم خارجي فحسب، بل تتشكل أصلًا داخل فضاء الدعم الخارجي. نشأت نخب سياسية وعسكرية وإعلامية:
- بلا قاعدة اجتماعية حقيقية.
- بلا مشروع وطني متكامل.
- تعتمد في بقائها على التمويل والاعتراف الخارجي.
في هذه المرحلة، لم يعد السؤال: من يحكم اليمن؟ بل: من يمثّل مصالح من؟
وهنا تتجلى أزمة الكفيل كحالة اغتراب كامل للنخبة عن المجتمع، حيث يصبح الخارج هو مصدر الشرعية، لا الداخل.

النتائج البنيوية للأزمة

أدت هذه العلاقة المختلة إلى نتائج عميقة، من أبرزها:
1. تفكك مفهوم النخبة الوطنية لصالح نخب وظيفية.
2. غياب المشروع الجامع وتحول السياسة إلى إدارة صراع دائم.
3. تآكل الثقة المجتمعية في أي خطاب سياسي أو وطني.
4. استدامة الحرب باعتبارها بيئة ملائمة لإعادة إنتاج النخب التابعة.

نحو تجاوز أزمة الكفيل

إن تجاوز أزمة الكفيل لا يبدأ بتغيير الكفلاء، بل بكسر منطق الكفالة ذاته. وهذا يتطلب:
- إعادة تعريف النخبة بوصفها مسؤولية لا امتيازًا.
- بناء شرعية تستند إلى المجتمع لا إلى الخارج.
- تحويل الدولة من غنيمة إلى مؤسسة.
دون ذلك، سيبقى تاريخ النخب اليمنية يدور في الحلقة نفسها: صعود بلا مشروع، وسقوط بلا مراجعة، ودولة تبحث عن نفسها بين وكلاء لا أصحاب قرار.

الكلمات الدلالية