الترامبية: مرحلة أم منهج؟
من يتابع قرارات وتصريحات دونالد ترامب يشعر منذ اللحظة الأولى أنه أمام رئيس أميركي مختلف في الأسلوب، لا يتحرج من كسر القواعد البروتوكولية، ولا يكترث كثيرًا بصورته أمام الحلفاء أو الخصوم، ويُجيد – بوضوح – فن عقد الصفقات وممارسة الضغوط القصوى. غير أن هذا الانطباع، على جاذبيته، قد يكون مضللًا إذا جرى عزله عن البنية العميقة لصنع القرار في الولايات المتحدة.
فالقراءة المتأنية لتاريخ السياسة الأميركية، وآليات عمل الدولة، تكشف أن أي رئيس – مهما بدا صداميًا أو ارتجاليًا – لا يعمل في فراغ، ولا يتحرك خارج منظومة معقدة من المؤسسات، ومراكز الأبحاث، والمجمع الصناعي-العسكري، ولوبيات المال والطاقة، وأجهزة الأمن والاستخبارات. هذه المنظومة لا تُنتج السياسات لحظة وصول الرئيس إلى البيت الأبيض، بل تكدّسها في الأدراج، وتنتظر التوقيت والشخص القادر على إخراجها إلى العلن بلا مواربة.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى "الترامبية" لا بوصفها انحرافًا عابرًا، بل كمرحلة كاشفة. ترامب لم يبتدع السياسات بقدر ما نزع عنها الأقنعة. ما كان يُدار سابقًا بلغة دبلوماسية ناعمة، صار يُقال بلهجة فظة ومباشرة: أولوية المصلحة الأميركية، تحويل التحالفات إلى صفقات، ربط الحماية بالدفع، استخدام العقوبات كسلاح اقتصادي، والتعامل مع النظام الدولي بمنطق الربح والخسارة لا بمنطق القيم المعلنة.
الفرق الجوهري إذًا ليس في الجوهر، بل في الأسلوب. إدارات سابقة مارست الضغوط نفسها، وخاضت الحروب ذاتها، وفرضت العقوبات نفسها، لكنها غلّفت ذلك بخطاب أخلاقي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. ترامب، على العكس، تخلّى عن هذا الغلاف، وتحدث بلغة رجل أعمال يرى العالم سوقًا مفتوحة، والدول زبائن أو منافسين.
هنا تبرز فكرة "الرجل المناسب في التوقيت المناسب". صعود الشعبوية في الداخل الأميركي، وتآكل الثقة بالمؤسسات التقليدية، وتراجع الهيمنة الأميركية الصافية أمام صعود قوى دولية أخرى، كلها عوامل جعلت النظام السياسي بحاجة إلى شخصية تصادمية تقول ما لم يعد ممكنًا قوله سابقًا. ترامب لم يصنع هذه اللحظة، لكنه عبّر عنها بأقصى درجات الوضوح.
والسؤال الحقيقي ليس: هل ستزول الترامبية بذهاب ترامب؟ بل: هل يمكن للنظام الأميركي أن يعود بالكامل إلى لغته القديمة؟ المؤشرات تقول إن كثيرًا من سياسات ترامب استمرّت – جزئيًا أو كليًا – بعد خروجه من السلطة، مع اختلاف في النبرة لا في الاتجاه. وهذا يعني أن ما نُسميه "ترامبية" هو في جزء كبير منه إعادة صياغة صريحة لثوابت راسخة في الاستراتيجية الأميركية، لا نزوة شخصية لرئيس استثنائي.
الخلاصة أن ترامب لم يكن استثناءً بقدر ما كان مرآة. مرآة عكست ما كان مخفيًا خلف لغة الدبلوماسية الناعمة. قد يرحل الرجل، وقد تتبدل العبارات، لكن المنطق الذي حكم قراراته – من منطلق القوة والمصلحة والصفقة – سيظل حاضرًا، لأن جذوره أعمق بكثير من اسم رئيس، وأرسخ من أن تزول بزواله.