أحزاب سياسية أم شبكات نفوذ للهيمنة؟
لا يمكن الحديث عن أحزاب وطنية، بالمعنى السياسي الحديث، في السياق اليمني؛ لا من حيث البناء التنظيمي، ولا من حيث المشروع السياسي، ولا من حيث الولاء الوطني. فالأحزاب القائمة لا تتجاوز كونها أطرًا إدارية تُدار من خلالها مصالح قوى الهيمنة الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث تُستدعى السياسة بوصفها أداةً وظيفية لتعزيز النفوذ داخل مركز القرار، لا باعتبارها فعلًا عامًا يُعنى بخدمة المجتمع وبناء الدولة.
وبناءً على ذلك، ظلّ البناء المؤسسي لهذه الأحزاب مجرد هياكل خاوية من أي مضمون مؤسسي أو تأثير شعبي حقيقي؛ إذ لم تُبنَ على عقد سياسي أو رؤية اقتصادية واضحة تربطها بالمواطن، بل على منطق الاستخدام والتسخير. فالمواطن لا يُنظر إليه بوصفه صاحب حق، بل كأداة تُستثمر عند الحاجة، فيما تغيب أي إرادة حقيقية للدفاع عن حقوقه أو تمثيل مصالحه تمثيلًا فعليًا.
ويُعدّ حزب المؤتمر الشعبي العام نموذجًا كاشفًا لطبيعة هذا الخلل البنيوي؛ إذ تشكّل، منذ نشأته، بوصفه منظومة لإدارة شبكة مصالح سدنة السلطة، عبر توظيف القرار السياسي واستغلال المال العام للدولة لخدمة المنظومة الحاكمة. ومع سقوط النظام الذي وفّر الغطاء السياسي والاقتصادي لهذه الشبكة، ومقتل زعيمها، انهار الحزب سريعًا، متلاشيًا من المشهد، بانتهاء الشروط التي أُنشئ من أجلها، والتي كانت في الوقت ذاته شروط وجوده واستمراره.
ولا يختلف المشهد كثيرًا عند التوقف أمام الأحزاب التي ترفع شعارات الإصلاح والتغيير والتداول السلمي للسلطة. فحزب الإصلاح، على سبيل المثال، يجسّد تناقضًا صارخًا بين الخطاب والممارسة؛ إذ لم تشهد قيادة الصف الأول أي تداول حقيقي على مواقع القرار منذ تأسيسه عام 1990م، رغم إسرافه في الحديث عن التغيير والتداول السلمي للسلطة، في حين ظلّ كهوله متمسكين بمواقعهم القيادية. كما ظلّ خطابه مشبعًا بانتقاد الفساد والمحسوبية حين كان في موقع المعارضة، لكنه ما إن اقترب من السلطة حتى كشف عن ممارسات تجاوزت، في كثير من جوانبها، ما كان يدّعي مقاومته.
إن أزمة العمل الحزبي في اليمن ليست أزمة أشخاص أو قيادات فحسب، بل هي في جوهرها أزمة بنية ووظيفة؛ أزمة أحزاب لم تُنشأ بوصفها مؤسسات لتمثيل المجتمع، أو أطرًا تنظيمية لصياغة مشروع وطني جامع، بل كآليات لإدارة المصالح وحماية شبكات النفوذ المرتبطة بها. وفي ظل الواقع الراهن الذي تمر به اليمن، فإن حلّ هذه الأحزاب، أو تعليق نشاطها، أصبح ضرورة ملحّة إلى حين استعادة الدولة؛ إذ إن الحديث عن الشراكة، أو التحول الديمقراطي، أو بناء دولة مؤسسات حديثة في هذه المرحلة، يظل خطابًا غير واقعي قبل استعادة الدولة، والتوافق على عقد سياسي جديد، يُعاد من خلاله النظر جذريًا في وظيفة الحزب السياسي، ودوره، وحدود علاقته بالسلطة والمجتمع.