صنعاء 19C امطار خفيفة

لماذا وحدة الدول مصلحة عالمية وإقليمية؟

إن الحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها ليس مصلحةً تخص البلد الذي يواجه أخطار التمزيق فحسب، بل هو مصلحة عالمية عليا، وإقليمية بالدرجة الأولى. ولهذا يتطلب الأمر تعاونًا وتكاتفًا جادًا من جميع دول العالم لمواجهة أية محاولات تستهدف إعادة صياغة الدول القائمة أو العبث بكياناتها ووحدتها.


فالدولة الآمنة والمزدهرة والمستقرة تمثل فائدة مباشرة للعالم، ولجوارها الإقليمي على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال، انعكس ازدهار دول الخليج واستقرارها بشكل إيجابي على محيطها الإقليمي وعلى العالم بأسره؛ إذ استقطبت هذه الدول عمالة ومقيمين وسياحًا ومستثمرين وزائرين تجاوز عددهم في كثير من الحالات أكثر من عشرة أضعاف عدد مواطنيها. ولم يكن ذلك ممكنًا لولا ما تمتعت به من استقرار سياسي وأمني ونمو اقتصادي مستدام.
في المقابل، هناك دول امتلكت موارد طبيعية مماثلة لدول الخليج، مثل العراق وليبيا وفنزويلا، إلا أن غياب الاستقرار حوّلها إلى دول طاردة لسكانها، ومصدّرة للأزمات، وهو ما جعلها عبئًا على جوارها وعلى النظام الدولي ككل.
وهذا يؤكد حقيقة واضحة: الدولة المستقرة والآمنة تمثل خيرًا عامًا، وإضافة حقيقية للاقتصاد العالمي، بينما تمثل الدولة الغارقة في الحروب والفوضى ومشاريع التقسيم عبئًا مباشرًا، وخصمًا من رصيد الاستقرار العالمي ومن الاقتصاد الدولي.
نحن في اليمن استفدنا من دول الخليج بسبب استقرارها وازدهارها، ونتمنى لهذه الدول دوام الأمن والنماء، لا ليقتصر ذلك على شعوبها فقط، بل كي يستمر أثره الإيجابي على محيطها الإقليمي، بما في ذلك اليمن.
ولهذا، فإننا لا نتمنى تجزئة أو تقسيم أو تفتيت هذه الدول، ولا المساس بأمنها أو وحدة أراضيها، لأن الشر الذي سيصيبها سيصل إلينا بالضرورة، كما سيصل إلى غيرنا.
واستنادًا إلى ما سبق، فإن على الجميع إدراك هذه الحقائق والتعامل معها بوعي ومسؤولية سياسية وأخلاقية.
اليوم، نلحظ تلميحات وتصريحات وكتابات تهدف إلى المساس بوحدة دولة الإمارات العربية المتحدة، والسعي إلى خلق انشقاقات داخلية، ودسّ الخلافات بين إماراتها، ولا سيما مع إمارة أبوظبي. وهذا مسار بالغ الخطورة، لا يضر بالإمارات وحدها، بل يهدد استقرار المنطقة بأكملها، ويؤسس لسابقة خطيرة قابلة للتكرار في دول أخرى.
وكما نرى -كيمنيين- أن المساس بوحدة اليمن وسلامة أراضيه عمل عدواني وضار، فإن المساس بوحدة أية دولة أخرى هو أيضًا عمل عدائي، ويؤسس لمنطق تدميري لن يقتصر أثره على دولة بعينها، بل سيطال الجميع دون استثناء.
لذلك، فإن من مصلحة الجميع التشديد الحازم على وحدة الدول وسلامة أراضيها، واعتبار الحدود القائمة نهائية وأبدية. والدول الأكثر مصلحة في ترسيخ هذا المبدأ هي الدول الحديثة التشكل، تلك التي لم تتكوّن هويتها عبر تاريخ طويل ومتراكم، كما هو حال اليمن، بل تشكّلت هويتها السياسية والثقافية من خلال قيام الدولة الحديثة ذاتها.
ولهذا فإن هذه الدول مطالَبة بأن تكون الأكثر حرصًا على ترسيخ مبدأ وحدة الدول في المنطقة، وبوجه خاص في الدول التي تعاني من حركات انفصالية أو مشاريع تفكيك، مثل اليمن والسودان وليبيا وسوريا.
فاليمن، ورغم ما يمر به من اهتراء وانهيار، يمتلك هوية تاريخية صلبة، تجعل قدرته على لمّ شعثه بعد فترات الانهيار أعلى مقارنة بغيره. في المقابل، فإن الدول الحديثة ذات الهويات الجديدة، إذا ما تعرضت للتفكك، فإن إعادة بنائها ستكون شبه مستحيلة، أو على الأقل بالغة الصعوبة، مقارنة باليمن.
ولهذا أقول للجميع: إن مصلحتنا ومصلحتكم تقتضي تأبيد الحدود، والتكاتف، والتصدي الحازم لكل من يحاول إعادة صياغة دولة قائمة، بغضّ النظر عن ظروف نشأتها، أو كيفية تشكلها، أو وجود جماعات تسعى لتفكيكها تحت دعاوى مظلوميات حقيقية أو زائفة.
لأن فتح هذا الباب، والقول إن دولة ما قامت بضم أراضي غيرها، أو بالإكراه، أو بفعل الاستعمار، أو نتيجة ظرف تاريخي معيّن، وبالتالي يجب إعادة تشكيلها، يعني فتح صندوق باندورا الشرير، الذي ستخرج منه الأفاعي لتلدغ الجميع دون استثناء.
فلا توجد دولة في العالم إلا ويمكن -عند النبش في تاريخها- إيجاد ثغرات يُقال معها إن نشأتها لم تكن مثالية، أو سلمية بالكامل، أو معبّرة عن إرادة محلية خالصة بنسبة مائة في المائة لجميع مكوناتها.
ولهذا كله، فإن على من يمتلك الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية، والقدرة على التخيل السياسي، أن يدرك خطورة المساس بوحدة وسلامة أية دولة قائمة، وأن يراجع نفسه جيدًا قبل أن يصل الحريق الذي يشعله في دولة أخرى إلى داره.

الكلمات الدلالية