عبدالرقيب عبدالوهاب بطل السبعين وأول رئيس أركان تنتخبه وحدات الجيش
في الذكرى السابعة والخمسين لاستشهاد القائد الوطني النقيب عبدالرقيب عبدالوهاب، نستعيد سيرة رجلٍ اختصر في سبع سنوات فقط (1962-1969) جوهر الثورة اليمنية: الإيمان، والنزاهة، والشجاعة، والانحياز المطلق للجمهورية والشعب.
وُلد الشهيد في 28 يناير 1943م بقرية ذلقيان، عزلة ذبحان، مديرية الشمايتين/ محافظة تعز. تلقى تعليمه الأولي في قريته، ثم انتقل إلى عدن حيث درس وعمل في المطابع، قبل أن يلتحق مبكرًا بالحركة الوطنية. ومع اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962م التحق بالجيش الجمهوري، وبرز سريعًا كأحد الضباط الأحرار ذوي الكفاءة والنزاهة.
تلقى تدريبه العسكري في الكلية الحربية بالقاهرة وتخرج عام 1964م، إضافة إلى دورات في الصاعقة والمظلات. وبعد عودته إلى صنعاء عُيّن قائدًا لمدرسة الصاعقة، ثم قائدًا لقوات الصاعقة، وفي عام 1968م أصبح رئيس هيئة الأركان العامة، ليُسجَّل في التاريخ كأول رئيس أركان يتم انتخابه من قبل وحدات القوات المسلحة جنودًا وضباطًا، في سابقة تعكس مكانته وثقة المقاتلين به.
بطل حصار السبعين
كان لعبدالرقيب عبدالوهاب الدور الأبرز في ملحمة السبعين يومًا (1967-1968م)، حين حوصرت صنعاء من قبل القوات الملكية والمرتزقة بعد انسحاب الجيش المصري. وفي لحظة انهيار القيادات العليا وفرارها إلى خارج البلاد والبعض إلى محافظات أخرى، تصدّر الضباط الأحرار الشباب، وعلى رأسهم عبدالرقيب، قيادة الدفاع عن العاصمة.
قاد قوات الصاعقة والمظلات في معارك حاسمة، خاصة في جبهة شعوب، وتمكن من دحر قاسم منصر وقواته، وأسهم بشكل مباشر في فك الحصار في 5 فبراير 1968م، محافظًا على الجمهورية في أخطر منعطفاتها.
الصراع الجمهوري والمؤامرة
بعد فك الحصار، بدأت مرحلة أخطر: الصراع الجمهوري/ الجمهوري، ومحاولات إفراغ الجيش من مضمونه الثوري، وتهيئة البلاد لتسويات سياسية أعادت الاعتبار للقوى التقليدية. وقف عبدالرقيب سدًا منيعًا أمام تفكيك الجيش، ورفض أن يكون رئيس أركان شكليًا بلا صلاحيات.
ورغم تقديمه الاستقالة في أبريل 1968م، أُجبر على العدول عنها تحت ضغط القيادات السياسية والعسكرية، ثم استُهدف لاحقًا بقرار إبعاد شمل 22 ضابطا إلى الجزائر، في محاولة واضحة لعزله والتخلص من رمزيته الثورية.
العودة والغدر
عاد عبدالرقيب من الجزائر، ثم من عدن، مدفوعًا بإحساسه بالخطر المحدق بالجمهورية. وفي صنعاء بدأت فصول الغدر التي انتهت باستشهاده في 24 يناير 1969م.
وفي هذا السياق، كتبت مقالًا توثيقيًا مهمًا بعنوان: «اللحظات الأخيرة من حياة الشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب في شهادتين»، استندت فيه إلى شهادتين مباشرتين، أبرزها شهادة اللواء أحمد حنظل، الذي كان -حسب زعمه- حاضرًا في أحداث ما بعد الاستشهاد، وشهادة شاهد العيان ح. بن سعيد.
وتؤكد الشهادتان أن استدراج الشهيد إلى منزل العميد علي سيف الخولاني لم يكن صدفة، بل جزءًا من خطة اغتيال نفذتها عناصر من قوات الصاعقة التابعة للقيادة الجديدة، بعد زيارة قائد الصاعقة سالم صالح الهمامي للفريق حسن العمري.
كما تُرجّح الشهادات أن الشهيد لم يبادر بإطلاق النار، خلافًا لبعض الروايات، بل قُتل ضمن عملية مدبرة، ثم سُحلت جثته إلى ميدان التحرير في مشهد صادم من التنكيل.
وفي موقف يُسجَّل للتاريخ، تدخل الشيخ أحمد علي المطري والعميد مجاهد أبو شوارب لانتزاع جثمان الشهيد من الغوغاء، ونُقل إلى المستشفى الجمهوري، ثم دُفن بكرامة في مقبرة خزيمة.
الخلود
اغتيل عبدالرقيب عبدالوهاب لأنه كان أكبر من منصب، وأخطر من سلاح، وأصدق من أن يُروَّض. كان رمزًا للثورة الحقيقية، ولذلك جرى تغييب اسمه ومحاولة سرقة نصر السبعين منه.
لكن الأبطال لا يُمحون.
سيبقى عبدالرقيب عبدالوهاب بطل السبعين الحقيقي، وأحد أنقى ضباط الثورة اليمنية، حاضرًا في ضمير الشعب، مهما طال التهميش والتزييف.
المجد والخلود للشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب، وعاشت الجمهورية اليمنية، حرة، مستقلة.