اليمن في المنطقة الرمادية: كيف قتلت المحاصصة واقتصاد الحرب حلم استعادة الدولة؟
بينما تترنح البلاد في منطقة رمادية قاتلة، لا هي حرب تضع أوزارها، ولا هو سلام يلوح في الأفق، يبرز ملف المحاصصة الحزبية كواحد من أخطر المعاول التي هدمت ما تبقى من هيكل الدولة اليمنية. فمنذ سنوات، لم يعد الكفاح في اليمن سياسيًا فحسب، بل تحول إلى معركة وجودية ضد مؤسسات أُفرغت من كفاءاتها لصالح الولاءات، ليحل "اقتصاد الحرب" محل اقتصاد المواطن، وتصبح المناصب غنائم تُوزع خلف الأبواب المغلقة.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تقف تعز كشاهد حي على خذلان المسارات السياسية؛ مدينة تئن تحت وطأة الحصار والتهميش، وتكشف بوضوح كيف تتقدم المصالح الضيقة وشبكات النفوذ على المعاناة الإنسانية. لم تعد الأزمة في اليمن تُقرأ بوصفها صراعًا سياسيًا تقليديًا بقدر ما أصبحت حالة إنسانية مفتوحة على كل الاحتمالات السيئة. سنوات الحرب الطويلة دفعت البلاد إلى وضع معقّد تتداخل فيه المعاناة اليومية مع انسداد الأفق السياسي، لتستقر البلاد في منطقة رمادية لا هي حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل حالة جمود أثقلت كاهل المجتمع وأرهقت مؤسسات الدولة.
هذا الجمود ارتبط بشكل مباشر بانتشار المحاصصة الحزبية داخل مؤسسات الدولة، حيث أُضعفت المعايير المهنية لصالح الانتماءات السياسية. وبدلًا من توظيف الكفاءات القادرة على إدارة المرحلة الصعبة، جرى توزيع المناصب على أساس الولاء، ما أدى إلى تراجع الأداء المؤسسي وتعطّل كثير من الخدمات الأساسية. ومع غياب الفاعلية الإدارية، تفاقمت الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وزادت الفجوة بين الدولة والمواطن.
وفي هذا السياق، تبرز مدينة تعز كأحد أكثر النماذج وضوحًا لحالة الانسداد؛ فالمدينة لاتزال تعيش تحت وطأة الحصار والقتل المستمر للمدنيين من قبل المليشيات، مما ضاعف من انهيار الخدمات في ظل غياب حلول جادة من قبل السلطة المحلية والمركزية والمسارات الأممية رغم إدراج ملفها في أكثر من جولة حوار. إن استمرار تجاهل معاناة تعز يعكس حجم الخلل في أولويات المسار السياسي، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بالبعد الإنساني لأية تسوية مرتقبة.
بالتوازي مع ذلك، تشكل خلال سنوات الصراع ما يُعرف بـ"اقتصاد الحرب"، إذ برزت قوى استفادت من استمرار حالة عدم الاستقرار. هذه الشبكات بنت مصالحها على الفوضى، وعلى أنشطة غير قانونية، وأصبح إنهاء الصراع يمثل تهديدًا مباشرًا لمكاسبها. من هنا، يبدو أن بقاء الوضع الراهن يخدم أطرافًا لا ترى في استعادة الدولة واستقرار الاقتصاد خيارًا مناسبًا لها. وعلى المستوى السياسي، لم يعد القرار اليمني منفصلًا عن التفاعلات الإقليمية والدولية، ما جعل الداخل اليمني في كثير من الأحيان ينتظر نتائج تفاهمات لا يملك التأثير المباشر فيها، وهو ما حوّل اليمن من ساحة حل إلى ساحة تفاوض.
الخلاصة:
إن الخروج من هذا النفق المظلم لن يتحقق بانتظار معجزات خارجية، بل بإعادة الاعتبار للمسار الوطني وتغليبه على المصالح الضيقة. إن تجاوز "المنطقة الرمادية" يتطلب شجاعة سياسية لمراجعة نهج المحاصصة الذي نخر عظم الدولة، واستعادة استقلالية القرار السياسي ووضعه في خدمة المواطن لا الأحزاب. لقد أثبتت السنوات الماضية أن الانتصار على المليشيات يبدأ طريقه من بناء حقيقي لمؤسسات الدولة وفقًا لمبادئ الكفاءة الوظيفية والنزاهة، والابتعاد عن اعتبارها غنيمة يتحاصصها ذوو النفوذ والمكونات السياسية. آن الأوان أن تتوقف مؤسسات الدولة عن كونها غنائم، وتعود لتكون حصنًا للمواطن؛ فاليمن لم يعد يحتمل مزيدًا من النزيف.