صنعاء 19C امطار خفيفة

راعية الفوضى: حين تتحول الدولة إلى وظيفة في حرب الآخرين

ليست الإمارات دولة بالمعنى التقليدي للكلمة بل مشروع حركة دائبة، أشبه بورشة متنقلة لإعادة ترتيب الخرائط وفق مقاس لا يعترف بالجغرافيا ولا بالذاكرة ولا حتى بالسيادة. دولة صغيرة في المساحة واسعة في الشهوة، تتحرك بعقلية مقامر لا يهمه أن يربح الجولة سريعاً، بل أن يطيل النزيف حتى ينهك خصومه، ويُسقطهم بالإرهاق لا بالضربة القاضية.

لم تدخل الإمارات إلى اليمن من باب "التحالف"، بل من شقوق الدولة المتعبة. لم تحمل مشروع إعمار بل حقيبة أدوات تفكيك. اشتغلت على الجنوب بعقلية من يزعم الترميم وهو يتقن الهدم، يشق الجسد باسم الإنقاذ ثم يتركه ممزقاً ينزف ببطء حتى تفقد أعضاؤه القدرة على الحياة والمقاومة. دعمت تشكيلات مسلحة متعددة، غذّت الصراعات المناطقية وزرعت كيانات موازية للدولة، ثم جلست تراقب المشهد ببرود المتفرج على معرض للخراب.
في ليبيا لعبت الدور نفسه. هناك لم تتخفَّ كثيراً. دعمت ميليشيات حفتر بالمال والسلاح والغطاء الجوي، وأسهمت في تقويض حكومة معترف بها دولياً. كانت المعادلة بسيطة. كلما اقترب الليبيون من استعادة دولتهم اقتربت أبوظبي من إجهاض الحلم.
أما في السودان فقد انتقل المشروع من العبث السياسي إلى الفوضى العارية. دعم مفتوح لميليشيا الدعم السريع، تسليح وتمويل وتنسيق، ونتيجة واحدة، مدن تُنهب ونساء تُغتصب ومجتمعات تُطهر عرقياً، ودولة تُعاد إلى ما قبل التاريخ.
حتى تقارير خبراء الأمم المتحدة لم تستطع تجاهل هذا المشهد، تحدثت عن جسر جوي قادم من مطارات إماراتية إلى تشاد، يحمل الموت مغلفاً في صناديق ذخيرة، وطائرات تُطفئ أجهزة التتبع وكأنها تمارس هواية الاختفاء الأخلاقي قبل الاختفاء التقني. لا نتحدث عن دعم عابر بل عن إدارة احترافية للفوضى، عن استثمار طويل الأمد في الخراب.
وفي تونس لم تحتج الإمارات إلى طائرات ولا ميليشيات. المال وحده كان كافياً. تسللت كما تتسلل دابة الأرض إلى الخشب من الداخل، اشترت الذمم وموّلت الانقلابات الناعمة على الحلم الديمقراطي، وراكمت نفوذاً داخل نخب سياسية وإعلامية، حتى بدا أن الثورة التونسية لم تُهزم في الشارع بل في الحسابات البنكية.
وفي مصر اختارت أبوظبي طريقاً أكثر تحضراً، السيطرة الاقتصادية. لم تُطلق رصاصة بل فتحت محافظ استثمار. دخلت إلى الموانئ وإلى البنوك وإلى شركات الأسمدة والمال والتكنولوجيا والعقارات. بدت وكأنها شريك اقتصادي لكنها في العمق كانت تبني مفاتيح التحكم. من يملك الموانئ يملك الشرايين، ومن يملك الشرايين يضغط متى شاء.
ثم أضافت إلى ذلك دورها في دعم إثيوبيا مالياً في مشروع سد النهضة، ذلك الخطر الوجودي على مصر، في مفارقة تجعل القاهرة محاصَرة بين استثمارات شقيقة وسدّ صديق، وكلاهما يؤدي وظيفة واحدة، تطويق القرار المصري خدمة لمعادلات إقليمية تصب في مصلحة إسرائيل.
وفي الصومال كان الهدف أوضح من أن يحتاج إلى تفسير بلاغي. فصل الشمال عن الجنوب، منح إسرائيل موطئ قدم في القرن الإفريقي، الاقتراب من باب المندب، وتحويل البحر الأحمر إلى ساحة نفوذ مشترك. إنها سياسة الطوق. تطويق مصر من الجنوب وتطويق السعودية من البحر وتطويق أي مشروع استقلال عربي من خاصرته الرخوة.
كل هذا ليس أدباً تخيلياً ولا خطاباً عاطفياً. تقارير ودراسات دولية، بينها دراسة لمعهد "ترانزناشونال إنستيتيوت" الهولندي وصفت الدور الإماراتي بأنه "شبه إمبراطوري" في إفريقيا. وصف دقيق لأن الإمبراطورية هنا لا تحتاج إلى أعلام وجيوش تقليدية بل إلى شركات أمنية، ومرتزقة عابري الجنسيات وطائرات شحن ومنظمات إغاثية تُستعمل كحصان طروادة.
ويبلغ المشهد ذروته حين نصل إلى غزة. هناك تسقط آخر أوراق التوت. لم تعد الإمارات مجرد داعم خفي بل شريك في المطبخ الاستخباراتي. الحديث عن استخدام الهلال الأحمر الإماراتي في جمع المعلومات، وعن تزويد إسرائيل بإحداثيات مواقع المقاومة، يحوّل العمل الإنساني إلى قناع استخباراتي.
ثم جاءت التسريبات لتضع النقطة الأخيرة على هذا المشهد الملطخ. لم تعد المسألة تحليلاً أو استنتاجاً، بل وقائع منشورة تحدثت عن قواعد عسكرية في اليمن وإريتريا والصومال جرى إعدادها لتكون في خدمة العمليات الإسرائيلية. هكذا وببرودة لافتة تتحول الجغرافيا العربية إلى ممر خلفي لحرب إبادة ضد شعب عربي، وتتحول "السيادة" إلى خدمة لوجستية مدفوعة الثمن.
وللمرة الأولى يخرج الاتهام من نطاق التحليل إلى فضاء الوثيقة. قناة يورونيوز كشفت في 13 يناير 2023 على موقعها الإلكتروني عن وثيقة إماراتية مسرّبة تضمنت توجيهات صريحة من القيادة العليا بتهيئة عدد من القواعد العسكرية لدعم العمليات الإسرائيلية في غزة، مع الاستعداد لاستخدام مواقع في المخا وعصب وبربرة وباسا كمنصات رئيسية لنقل السلاح والذخائر والمعلومات الاستخباراتية.
ولم يظل الأمر في دائرة التسريب، إذ جاءت صحف إسرائيلية لتؤكده علناً، الكاتبة الإسرائيلية ماثيلدا هيلر كتبت تقريراً لصحيفة جيروسالم بوست في 13 يناير 2026 تحدثت عن استخدام هذه القواعد لمساعدة إسرائيل في حربها، وكأن الإعلان العلني عنها محاولة لتحويلها من جريمة أخلاقية إلى إجراء سياسي طبيعي.
هنا لا تعود المسألة مجرد تطبيع بل تتحول إلى تموضع وظيفي داخل المشروع الإسرائيلي. أبوظبي لم تعد وسيطاً بل جزءاً من البنية التشغيلية للحرب.
المفارقة الساخرة أن كل هذا يُقدّم تحت لافتة "الاستقرار". كأن الاستقرار لا يتحقق إلا حين تُكسَر الدول وتُشوَّه الجيوش وتُشترى النخب ويُختصر الإنسان في رقم حساب. إنه استقرار يشبه المقبرة. صامت ومنظم وخال من الحياة.
الدور الإماراتي ليس سلسلة أخطاء بل نمطاً متكاملاً. ليس انحرافاً طارئاً بل مشروعاً مدروساً. مشروع لا يصنع دولاً بل يصنع فراغات. لا يبني تحالفات بل يبني تبعية. ولا يبحث عن أمن المنطقة بل عن وظيفة داخل خرائط إسرائيل الكبرى.
وإذا كان التاريخ لا يرحم الطغاة، فإنه لا يرحم أيضاً الممولين الذين ظنوا أن المال يستطيع شراء البراءة. فالطغاة يُهزمون أما الممولون فيُفضحون، وحين يُكتب التاريخ لا يُميّز كثيراً بين من ضغط الزناد ومن دفع ثمن الرصاصة.

الكلمات الدلالية