صنعاء 19C امطار خفيفة

إنقسام الرأي العام حول الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية

مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يقتصر الانقسام على موازين القوى في الميدان، بل امتد ليشمل الرأي العام العالمي والعربي على حد سواء. فمنذ الساعات الأولى لإعلان بدء العمليات العسكرية، برزت مواقف سياسية متباينة بين دول تؤيد التحرك العسكري باعتباره وسيلة لاحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، وأخرى عارضته بشدة وعدّته خطوة خطيرة قد تدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار والتصعيد.

ولم يقتصر هذا الانقسام حول الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران على الحكومات والدوائر السياسية، بل امتد ليصل إلى الشارع العام في العالم العربي والإسلامي. فمع انقسام الدول بين مؤيد للعملية العسكرية ككندا والارجنتين  ومعارض لها كالصين و روسيا أو داعٍ إلى التهدئة كدول الخليج، انعكس هذا التباين مباشرة على الرأي العام الشعبي، إذ تشكلت مواقف متعارضة داخل المجتمعات نفسها؛ فهناك من رأى في إيران قوة إقليمية تتحدى الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية وتكسر حالة العجز التي يعيشها العالم العربي منذ سنوات، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة وما رافقها من عجز عربي ودولي عن وقفها، ويعتبرها بمثابة "شوكة في الحلق" بالنسبة لهما. ويستند هذا الرأي إلى أن إيران، بغض النظر عن الخلافات السياسية أو المذهبية معها، ظلت خلال السنوات الماضية الدولة الأكثر صداماً مع إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة، ناهيك عن أن طهران أظهرت استعداداً للمواجهة والتحدي، وقدمت نموذجاً – ولو محدوداً – لما يعتبرونه مقاومة فعلية في وقت يعتقدون فيه أن الشارع العربي والإسلامي عموماً لم يتمكن من تقديم موقف عملي يوازي حجم المأساة المستمرة في غزة منذ أكثر من عامين ونصف. وبناء على هذا المنظور، ينظر هؤلاء إلى أي مواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى باعتبارها جزءاً من معركة أوسع تتعلق بموازين القوى في المنطقة.
وفي المقابل، يرى فريق آخر أن إيران ليست طرفاً مدافعاً  ولا تمثل قوة مقاومة بقدر ما تمثل مشروعاً سياسياً توسعياً تسبب  في أزمات وصراعات داخل عدد من الدول العربية ،  وأن سياساتها ألحقت أضراراً كبيرة بالاستقرار السياسي والاجتماعي وتركت آثاراً عميقة من الانقسام والصراع، ولذلك فإن إضعافها أو تغيير نظامها قد يُنظر إليه كضرورة سياسية بل نتيجة حتمية ، بغض النظر عن الجهة التي تقود هذا المسار، حتى وان كانت مجرمة الحرب الاولى اسرائيل.
هذا الانقسام يعكس تعقيد المشهد السياسي في الشرق الأوسط، حيث تختلط الاعتبارات الأيديولوجية المرتبطة بالدين والعقيدة والمبادئ بالاعتبارات الجيوسياسية المرتبطة بالموقع الجغرافي والقوة العسكرية والمصالح الاستراتيجية، كما تتداخل مواقف الشعوب مع تجاربها الخاصة مع القوى الإقليمية المختلفة. فالقضية بالنسبة للبعض ترتبط بمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، بينما ترتبط لدى آخرين بتجاربهم مع النفوذ الإيراني في بلدانهم.
في النهاية، يبدو أن الحرب لم تكشف فقط عن صراع عسكري محتمل بين قوى كبرى في المنطقة، بل كشفت أيضاً عن انقسام عميق في الرؤية السياسية لدى الرأي العام. ان هذا الانقسام الدولي حول الحرب يعكس صراعاً أوسع بين معسكرين في النظام الدولي: معسكر يرى في إيران تهديداً يجب احتواؤه عسكرياً، ومعسكر يعتبر أن الحرب ستؤدي إلى فوضى إقليمية وتكريس منطق القوة في العلاقات الدولية..

الكلمات الدلالية