صنعاء 19C امطار خفيفة

اليمن يحتاج حكومة انقاذ لا تقاسم نفوذ

تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة يأتي في لحظة بالغة الحساسية، حيث يواجه البلد أزمات متراكمة على المستويات السياسية والاقتصادية والخدمية، في وقت يتطلع فيه المواطن إلى سلطة تنفيذية فاعلة تعيد الاعتبار للدولة وتخفف من معاناته اليومية. غير أن مسار التشكيل ظل متعثّرًا ومفتوحًا على التأجيل، ما يعكس عمق الإشكاليات البنيوية التي تحكم المشهد السياسي، ويكشف عن استمرار منطق إدارة الأزمة بدل السعي الجاد للخروج منها.

سبب التأخير لا يرتبط فقط بتعقيدات إجرائية أو حسابات فنية، بل يعود أساسًا إلى الخلافات الحادة حول التقاسم الحزبي والمناطقي للحقائب الوزارية، حيث ما زالت بعض القوى تنظر إلى الحكومة بوصفها غنيمة سياسية وأداة لتكريس النفوذ، لا كفريق عمل وطني مسؤول أمام الشعب. هذا المنطق أعاد إنتاج حالة الشلل، وأفرغ فكرة الشراكة من مضمونها، وحوّل عملية التشكيل إلى ساحة صراع على الأسماء والمواقع بدل البرامج والأولويات.
اليمن في هذا التوقيت الدقيق ليست بحاجة إلى حكومة محاصصة تعكس توازنات القوى بقدر ما تعكس عجزها، بل إلى حكومة وطنية مصغّرة تقوم على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز. حكومة يكون معيار اختيار أعضائها هو ما يمكن أن يقدّموه للناس من حلول عملية، لا انتماءاتهم الحزبية أو الجغرافية، ولا حجم الدعم السياسي الذي يقف خلفهم. استمرار المحاصصة لا يعني سوى تعميق الانقسام وإضعاف ثقة الشارع بأي مسار سياسي قادم.
التحدي الحقيقي أمام أي حكومة قادمة يتمثل في قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، ووقف التدهور الاقتصادي، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وخلق حدٍّ أدنى من الاستقرار المعيشي. هذه المهام لا تحتمل وزراء متصارعين أو ممثلين لأجندات متناقضة، بل تحتاج إلى فريق منسجم يعمل بروح المسؤولية الوطنية، ويدرك أن نجاحه أو فشله سيحدد مصير ما تبقى من ثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي السياق الأوسع، يُفترض أن تكون الحكومة المقبلة مدخلًا لتهيئة البلد لمصالحة وطنية شاملة، لا مجرد إدارة مؤقتة للأزمات. حكومة قادرة على تهدئة الصراعات، وفتح مسارات للحوار، وإيقاف دوّامة الحروب التي أنهكت اليمنيين، وإعادة توجيه البوصلة نحو بناء الدولة. دون ذلك، سيبقى تشكيل الحكومات حدثًا شكليًا يتكرر، بينما تستمر الأزمة في التفاقم، وتبتعد فرص السلام والاستقرار أكثر فأكثر.

الكلمات الدلالية