صنعاء 19C امطار خفيفة

مظاهرات عدن: بين رسائل الشارع الجنوبي ورهانات السعودية

مظاهرات عدن: بين رسائل الشارع الجنوبي ورهانات السعودية

تتواصل التظاهرات الشعبية المؤيدة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ورئيسه عيدروس الزُبيدي، في مدينة عدن، ومدن عديدة بالمحافظات الجنوبية من اليمن.

ورغم إعلان التظاهرات خلال الأسابيع الماضية رسائل عديدة ترفض الحوار الجنوبي الذي ترعاه السعودية في الرياض، واتهام المملكة باحتجاز وتقييد حرية الوفد الجنوبي هناك، إلا أن تظاهرة اليوم الجمعة شهدت تحولًا في المطالب المتعلقة بالحوار الجنوبي، مع التمسك بالمطالبة باستعادة الدولة الجنوبية.
يأتي هذا رغم تعهدات السعودية أن مؤتمر الحوار الذي ترعاه سيكون بلا سقف، فجميع الخيارات التي سيتحاور بشأنها الجنوبيون ستكون مفتوحة. غير أن ثمة من الجنوبيين في الداخل من يواصل رفضه لتطمينات الرياض، ويواصلون مظاهراتهم الرافضة للوصاية السعودية كما يصفونها.

استعادة الدولة الجنوبية

من تلك الرسائل، ما يراه الصحفي الجنوبي، رئيس تحرير موقع "البُعد الرابع"، ماجد الشعيبي، أن شعب الجنوب أراد التأكيد على بقاء قضيته والتمسك بها. وقال الشعيبي لـ"النداء": "إن الجماهير العريضة المشاركة فاقت كل التوقعات بهدف إيصال رسالتها بأن القضية الجنوبية يجب حلها حلًا عادلًا.
وأضاف: "الجماهير التي خرجت في التظاهرات، خاطبت السعودية أن عليها إدراك أن شعب الجنوب لا يرضى بغير استعادة دولته". مشيرًا إلى أن رسائل المتظاهرين طالبت السعودية بالإفراج الفوري عن الوفد الجنوبي المشارك في الحوار الجنوبي بالرياض.
واختتم الشعيبي حديثه بتأكيد المتظاهرين على بقاء المجلس الانتقالي، ورفض ما أسماها بـ"المسرحية الهزلية" في الرياض عبر حلّ المجلس. معتبرًا أن هذا ما عبّرت عنه التظاهرات في ساحة العروض، وستعبر عنه في المظاهرة القادمة، في إشارةٍ إلى استمرار التظاهرات.

القرار بيد الجنوبيين

من جانبه، أوضح الصحفي الجنوبي، عادل حمران، أن "مليونيات الجنوب" في ساحة العروض بعدن؛ أعادت وهج الثورة إلى الشعب الجنوبي. لافتًا إلى أن جذوة النضال التي اشتعلت منذ عام 2007 لا تزال حية، حد وصفه.
وقال لـ"النداء": "هذه الحشود تكتسب أهميةً استثنائيةً اليوم، كونها تأتي في لحظةٍ فارقة وبعد ضرباتٍ موجعة استهدفت المشروع الوطني الجنوبي". مشيرًا إلى أن قرار بقاء "الانتقالي" أو حله ليس بيد أعضاء المجلس أنفسهم، بل هو إرادة شعبٍ مناضل.
وتابع: "ليس حبًا في شخوص الانتقالي، بل لأن هذا الشعب رأى في الانتقالي الآداة الصادقة والوفية لحمل تطلعاته". مضيفًا: "فلو حاد أي كيانٍ عن قضية الشعب الجنوبي؛ سيجد نفسه وحيدًا بلا ظهير".
حمران دعا السعودية إلى إعادة قراءة المشهد بعمق، والتفكير في إرادة الشعب الجنوبي وعدم اتخاذ قرارات تمس مصيره. وزاد: "فمهما بلغت الضغوطات السياسية، يبقى مصير الشعوب الحرة أن تنتصر ولو بعد حين". واصفًا القضية الجنوبية بـ"القضية العادلة" لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها، فالشعب وحده من يمتلك الحق في تقرير مصيره.
واختتم: "رغم الحملات الإعلامية ومحاولات ثني الناس عن الخروج إلى الساحات؛ بذريعة المخاوف الأمنية. لكن الجماهير الجنوبية قدّمت رسالةً للعالم بأن قضايا الشعوب الحية لا تموت".

إعادة ضبط المشهد

في المقابل، يمتلك الباحث والمحلل المستقل في الشؤون السياسية وتحليل النزاعات، أيمن الحداد، رؤيةً مختلفة، كشف عنها خلال حديثه لـ"النداء".
ويرى أن ثمة تحول مغاير لما بعد حل "الانتقالي"، استنادًا إلى ما تم اعتماده من تمثيلٍ فردي في مؤتمر الحوار. حيث يمكن القول إن السعودية تقود اليوم "إعادة ضبطٍ مسؤولة للمشهد الجنوبي"، بحسب وصف الحداد. معتبرًا أن عملية الضبط لا تستهدف الإقصاء، بل منع الانزلاق نحو الفوضى، عبر تعزيز الحوار وتوسعته ليضم أطيافًا جنوبية أوسع.
الحداد يعتقد أن ما يجرى لا يقرأ كإضعافٍ لطرفٍ بعينه، بل كخطوةٍ تنظيمية ضرورية أنهت مرحلة التمثيل المغلق والأحادي. وتمثلت تلك المرحلة في سردية "الانتقالي" القائمة على كونه ممثلًا وحيدًا للجنوب، وفتحت المجال أمام صيغةٍ أكثر اتزانًا تشمل الجميع.
كما يعتقد أن السعودية تعاملت مع الملف بعقل الدولة، لا بردّات الفعل. واضعةً استقرار المناطق المحررة والإقليم كأولويةٍ على حساب المصالح الضيقة.
ومن وجهة نظر الحداد، فإن اعتماد التمثيل الفردي في مؤتمر الحوار يعكس مقاربةً سعوديةً ذكية تقوم على تحييد الاصطفافات الحادة. وتفكيك مراكز التوتر دون خلق فراغٍ سياسي. بالإضافة إلى منح الفرصة لمن يمتلك رؤيةً ومسؤوليةً حقيقية، بعيدًا عن منطق الكتل والوصاية.
وقال: "قيادات الانتقالي - وغيرها - ستشارك كأفرادٍ في الحوار الجنوبي، وهذا بحد ذاته يضمن نقاشًا عقلانيًا. كما سيمنع توظيف المؤتمر كمنصة صدامٍ أو استعراض، ويمكن أن نقول إن إنهاء وحل الانتقالي كان أحد ضمانات نجاح المؤتمر.
الحداد اختتم تصريحه بالإشارة إلى أن رعاية السعودية للحوار الجنوبي يتوقع أن يثبت مسارًا سياسيًا منضبطًا يحمي الجنوب. كما يحمي المناطق المحررة من الفوضى والتدويل، ويعيد بناء الثقة بين المكونات الجنوبية على قاعدة المصالح لا الشعارات. بالإضافة إلى تحقيق مخرجاتٍ مرحليةً واقعية تدار ضمن رؤيةٍ إقليميةٍ تحافظ على وحدة المسار اليمني وتمنع تفككه.

تغيّرٌ في المطالب

واليوم الجمعة، واصل أنصار الانتقالي الجنوبي تظاهراتهم، ورغم تأكيد بيان التظاهرة تمسك الجنوبيين باستعادة دولتهم، إلا أن خطاب البيان شهد تحولًا وتغيّرًا ملحوظًا تجاه موقف المتظاهرين من الحوار الجنوبي - الجنوبي.
حيث أكد البيان دعمه للحوار الجنوبي في الرياض، بعد أن كان يتهم السعودية باحتجاز وتقييد حركة القيادات الجنوبية، ووصف البيان الحوار بأنه "مسار جاد وآمن ومدعوم إقليميًا ودوليًا، ونابعًا من إرادة شعب الجنوب".
وقال البيان إن التظاهرات التي أسماها بـ"المليونيات" ليست دعوات للتصعيد او الفوضى، بل رسائل سياسية تشير إلى ثبات تمسك الشعب الجنوبي بحقوقه وانفتاحه على الحلول العادلة.
ورفض بيان التظاهرة أي مشاريع أو حلول منقوصة أو رمادية لا تلبي تطلعات شعب الجنوب ولا تعترف بحقه الكامل في استعادة دولته.
كما جددت التظاهرة التمسك بالنضال السلمي والحراك الجماهيري المنظم، ورفض كل أشكال العنف والإرهاب ومحاولات زعزعة الأمن والاستقرار.
ودعت الإقليم والمجتمع الدولي إلى التعامل الجاد والمسؤول مع قضية الجنوب باعتبارها قضية شعب ودولة، لا ملفًا عابرًا أو أزمة مؤقتة، واحترام إرادة شعب الجنوب وخياراته الوطنية، ودعمها ومساندتها للحوار الذي ترعاه المملكة كونه الخيار الضامن والمعبر عن إرادة شعبنا الجنوبي.

الكلمات الدلالية