آل الأحمر... جينات الزعامة لا تُورَّث
تولى صادق الأحمر بداية العام 2008م زعامة قبيلة حاشد -ذات الحضور المهيمن في اليمن- خلفًا لوالده "عبدالله بن حسين الأحمر"، رئيس البرلمان اليمني السابق، لتبدأ القبيلة عهدها الجديد بشيخ أكثر انفتاحًا، يلبس رابطة عنق ويتحدث الإنجليزية، ويدخن السجائر الأمريكية الفاخرة، ويمتلك مؤهلًا أكاديميًا في مجال قيادة الطائرات.
ولد الرجل عام 1956 في قرية الخمري، بمديرية خمر في محافظة عمران (شمالي اليمن)، وشارك في أغلب التحركات السياسية منذ توليه زعامة "حاشد" التي ينتمي إليها الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح أيضًا.
أضف إلى كونه زعيمًا قبليًا، هو عضو سابق في مجلس النواب اليمني، وكان واحدًا من رجال علي عبدالله صالح الذي ضرب بهم معارضيه في الجبهة الوطنية التي خاضت قتالًا ضد نظامه في المناطق الوسطى (إب، تعز، ذمار)، ليقود الأحمر الجيش الشعبي 1979م لإخماد هذا التمرد الذي كان مدعومًا من دولة جنوب اليمن الاشتراكية.

انسلخ من نظام صالح
ينظر إليه الكثيرون على أنه "الأحمر الصغير"، لشبهه الكبير بوالده، فقد كان يتبع خطواته في التحكم بسلوكيات القبيلة وتعاملها الحذر مع السلطة، أبرزها قيادته وساطة بين صالح وأحزاب "اللقاء المشترك" لإيجاد مخرج "لصالح" من السلطة، إبان بداية ثورة 11 فبراير 2011م، قبل أن ينضم "الأحمر" إلى حركة الاحتجاجات المطالبة برحيل صالح، إثر تعالي أصوات المطالبين برحيله عن السلطة، مما شكل ضربة قاصمة لظهر نظام صالح في ذلك الحين، فقد كانت ورقة القبائل رابحة طوال التاريخ السياسي في البلد، وحذر يومها صادق الأحمر من انزلاق اليمن إلى مستقبل مأساوي شبيه بالحالة الصومالية.
كسب تعاطف المعارضين لصالح طوال السنوات الأخيرة، لقربه من قوى المعارضة، ونجاحه في تسويات خلافية بين حزب المؤتمر الحاكم والمعارضة، وظل صوته مسموعًا من الطرفين، لكن بإعلانه الانضمام إلى قوى الثورة الشبابية المطالبة برحيل صالح، بات الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة للكثيرين، بمن فيهم صالح نفسه، والذي أعلن مرارًا أن هناك دورًا خفيًا للزعماء القبليين والعسكريين الذين انشقوا عن نظامه.
قائد في ثورة 11 فبراير
صادق الأحمر تعهد مرات متعددة "بحمايته للشباب المعتصمين في ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء"، بخاصة بعد مقتل 58 منهم في جمعة الكرامة (18 مارس 2011م)، وإصابة المئات على يد مسلحين موالين لصالح، بحسب ما تحدث الأحمر عن ذلك.
تاليًا خاض العشرات من المسلحين القبليين الموالين للأحمر حرب شوارع في حي منطقة الحصبة بصنعاء، مع وحدات متعددة من الجيش والأمن الموالي لصالح، بعد تحول الإشكالية الصغيرة بين حراس منزل "الأحمر" وطقم يتبع الأمن المركزي، إثر محاولة الأمن نشر حراسات أمنية على سطح مدرسة للأطفال قريبة من منزل الأحمر، لتشتعل حرب وصل دوي قذائفها إلى أرجاء صنعاء.ليسيطر مسلحوه على العديد من المباني الحكومية، منها وزارة الداخلية، ووزارة التجارة والصناعة، ووزارة الإدارة المحلية، ومبنى وكالة سبأ، قبل أن تهدأ الأوضاع إثر هدنة بين الطرفين المتناحرين، ويتحول في نظر شباب ساحات التغيير المناهضة لصالح إلى بطل ثوري.
دخول الحوثيين الخمري
وصل التصدع في قبيلة "حاشد" إلى مدى صعب فيه لملمة قوتها لمواجهة مسلحي جماعة الحوثي، التي وثبت بسرعة لتسيطر على معقل قبيلة حاشد "الخمري"، ونسفت قصر آل الأحمر هناك، لتنقلب موازين الحرب لصالح الحوثيين وصولًا إلى صنعاء.
فقد فشلت أسرة آل الأحمر في الصمود في وجه سيل الحوثي، لتخسر معاقلها ومكانتها في ذات الوقت، ليتشرد أبناؤها خارج البلد، ويبقى صادق الأحمر في منزله بحي الحصبة بصنعاء، بعد أن انتزع تعهدًا من زعيم جماعة الحوثي عبدالملك الحوثي، بعدم الاقتراب منه في حال التزم الحياد والصمت.
وخلال دخول جماعة الحوثي صنعاء وتحقيقها انتصارًا عسكريًا ضد اللواء علي محسن الأحمر قائد قوات الفرقة الأولى مدرع، في 21 سبتمبر 2014م، تحاشت الجماعة أي صدام مع آل الأحمر، ليظهر صادق الأحمر بداية ديسمبر 2014م في تسجيل مصور وهو محاط من قبل مسلحي الحوثي بمنزله بصنعاء، متحدثًا إلى المصور قائلًا: مش بعدا وانه يطلع في قناة المسيرة، ليرد عليه مصور المقطع: أنت بوجه السيد -عبدالملك الحوثي، لتعتذر الجماعة رسميًا عن هذا "التسجيل المسرب"، والذي حاولت من خلاله، ربما، كشف الواقع الجديد للزعيم القبلي الأبرز في اليمن.
الابن ليس كـ"الأب"
تزعم الراحل عبدالله بن حسين الأحمر قبيلة حاشد، ليكون واحدًا من أقوى الشخصيات القبلية في اليمن، والتي كان لها تأثير واضح في مسار الأحداث اليمنية منذ ثورة سبتمبر 1962م حتى وفاته 2007م.
فقد حافظ على حضور قبيلة حاشد، ودفع بها للسيطرة على مفاصل السلطة التنفيذية والتشريعية والاستحواذ على المواقع العسكرية في الجيش والأمن، ومن خلال موقعه كـ"رئيس مجلس النواب" استطاع الأحمر "الأب" أن يصنع هالة زعامة قبلية في صلب الدولة، مستندًا إلى إرث القبيلة وتاريخ أسرته التي ضحت بالكثير من أفرادها في سبيل الانتصار لثورة سبتمبر ضد النظام الملكي. ما بنته أسرة الأحمر طوال عقود من الزمن انتهى خلال ست سنوات هي عمر تولي الأحمر "الابن" زعامة حاشد.
على الحياد حتى النهاية
بقي صادق الأحمر في صنعاء بعد أن التزم الحياد التام ورفض أي توجه صريح ضد جماعة الحوثي، فيما شردت الجماعة بقية إخوانه بين مأرب والرياض وتركيا، وبقي هو محاطًا بمسلحيه، ويتغاضى عن الاستفزاز الذي كان يتعرض له من قبل بعض قيادات جماعة الحوثي في محاولة لدفعه لخيارين: الرحيل أو مناصرة الجماعة، بخاصة بعد تعرض البلد لسلسلة طويلة من الضربات من الطيران السعودي والأمريكي والإماراتي، لكنه اكتفى بالوقوف في منصة الحياد.
حمير شيخ مشايخ حاشد
في أحد أكبر المشافي بالأردن انطفأ قلب الزعيم القبلي صادق عبدالله الأحمر، في 6 يناير 2023م، ليتولى شقيقه "حمير" زعامة قبيلة حاشد. وخلال السنوات التي تلت دخول جماعة الحوثي صنعاء وسيطرتها على مفاصل السلطة وتآكل الحضور القبلي لأبناء الأحمر في السلطة وتلاشي قوتها أو كاد في الإطار القبلي لقبيلة حاشد، كان تولي حمير زعامة القبيلة أو ما يطلق عليه "شيخ مشايخ حاشد" لم يعد بذلك الزخم القبلي والرسمي، فقد اكتفى حمير بمنزله بصنعاء في حي الحصبة، واستقبال الشخصيات اليمنية في مختلف المجالات لحضور مقيله اليومي، حتى بدأت تتعالى أصوات الاحتكاك اليومي مع حراس المنزل الكبير ومسلحي جهات أمنية تأتمر بأمر قيادات حوثية باتت تتولى قيادة الأجهزة الأمنية والاستخبارية، لتصل إلى "فرض طوق أمني على منزله" مع نشر آليات عسكرية بالقرب من المنزل، مع التدقيق -وفق أنباء إعلامية نشرت في منصات متعددة- في هويات الزائرين.
تلك الممارسات، رغم استفزازيتها، لم يُبدِ زعيم حاشد أية ردة فعل حيالها، فهو يعرف تمامًا أن أية ردة فعل قد تجر إلى ما هو أكبر من الطوق الأمني.
شخصية الراحل صادق الأحمر ربما تشبه إلى حد بعيد شخصية الزعيم الحالي لقبيلة حاشد "حمير"، وكلاهما لا يشبهان شخصية عبدالله بن حسين الأحمر، وقدرته على خلق توازن هائل في مختلف المراحل التاريخية.