علي سالم البيض كزعيم وطني
صورة رقمية أنشأت بالذكاء الاصطناعي
توفي في الأسبوع الماضي الزعيم الوطني علي سالم البيض. انتمى البيض الطالب بمصر في خمسينات القرن الماضي إلى حركة القوميين العرب على يد يحيى عبد الرحمن الإرياني؛ حسب السفير علي محسن حميد.
وفي غمرة الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني كَانَ البيض عُضوًا في اللجنة العسكرية القيادية العُليَا للعمل الفدائي؛ حسب شهادة رفيقه الرئيس علي ناصر محمد.
تَولَّى القائد الفدائي وزارة الدفاع عَقِبَ الاستقلال، وكان وراء إغلاق القاعدة البريطانية في عدن؛ فتخلت بريطانيا عن التزامها بدعم حكومة استقلال جنوب اليمن بعد استعمار دَامَ مِئةً وَثمانية وعشرينَ عَامًا.
بسبب تحيز مراكز القوى والمخابرات المصرية ضد الجبهة القومية، وفرض الدمج القسري بين «القومية»، و«التحرير»، بدأ الفرع اليمني بالابتعاد عن الحركة الأم ببيروت بَاكرًا. وتمردت الجبهة قَبلَ كُلّ الفروع على إرادة القوى المصرية والمخابرات، وانشقت على الدمج القسري، وحققت الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967، وَكَسَرتْ صَنعَاءَ حِصَارَ السَّبعِين، واعتبر الزعيم جمال عبد الناصر استقلال جنوب اليمن، وكسر حصار صنعاء الرَّدَّ القومي على هزيمة 5 حزيران 1967.
في مطلع السبعينات دَارَ حِوارٌ في بيروت بين الجناح اليساري المنشق من حركة القوميين العرب، والحزب الشيوعي اللبناني عبر مجلة «الحرية»، برئاسة محسن إبراهيم ومعه نايف حواتمة وفواز طرابلسي، وبين صحيفة «الأخبار»، الناطقة بلسان الشيوعي اللبناني، وَصَدرَ عن الأخبار كتاب «اليسار الحقيقي واليسار المغامر».
فِي اليمن انشقت «جماعة الجبل»: سالم ربيع علي، وعلي صالح عباد، وعلي سالم البيض، وعبد الله الخامري.
كتاب «أزمة الثورة في الجنوب اليمني»، لحواتمة أسهم صاحبه كمنظر مغامر في تأجيج الصراع بين قيادة الاستقلال، وكان الزعيمان الفدائيان علي صالح عباد، وعلي البيض الأكثر تأثرًا بتجربة الاشتراكيين اللبنانيين، وتنظير حواتمة.
استشهاد الزعيم الوطني سالم ربيع علي، واعتقال مقبل علمه الكثير. كما أنَّ الصراعات على الحكم، ونفوذ الريف، وإضعاف التمدن، والحياة المدنية، وتغييب الحرية، كان «كعب أخيل» في تجربة التحرر في الجنوب التي أدهشت العالم، وَمثَّلتْ الأنموذج الأرقَى في التحرر الوطني، وحققت إنجازات وطنية مهمة في مختلف مناحي الحياة، ولكن الصراع ذهب بالتجربة مع الريح.
بعد كارثة 13 يناير 1986 كان الزعيم الفدائي من الناجين، وتزعم الحزب الاشتراكي والدولة، وبدأت مراجعات مهمة ونقد صادق للتجربة.
لا شَكَّ أنَّ الوحدة اليمنية إرادة الشعب اليمني، وما يحسب للبيض هو الإقدام على التنازل عن الرئاسة؛ فهو بطل الوحدة السلمية الحقيقي، ولكن ما يؤخذ عليه عدم توفير الشروط اللازمة، وتهيئة الظروف الملائمة لبناء الأسس المتينة، والعودة في إعلان الوحدة والانفصال إلى قيادة حزبه.
كانت حرب 1994 هي الانفصال الحقيقي، وهي مصدر ما شهدته وتشهده اليمن حتى اليوم. وكانت خطيئة بطل الوحدة وأحد أهم بناتها هي إعلان الانفصال، فلو أنه انهزم، مُدَافِعًا عن الوحدة التي كان رُبَّان سفينتها، لَمَا تَحوَّلَ الانفصاليون الحقيقيون ومعلنو الحرب ضِدَ الجنوب وضد الوحدة إلى أبطال.
إنَّ الوحدة المعمدة بالدم هي المسئولة عن الصراع بين شمال اليمن وجنوبه، وتمزيق النسيج المجتمعي، وإفساح السبيل أمام الانقلاب على الثورة: سبتمبر، وأكتوبر، ووحدة الـ 22 من مايو 1990.
كَانَ علي سالم البِيضْ -يرحمهُ الله- بَطلاً فِدائيًّا صَادقًا وَشُجاعًا مُغامِرًا.