صنعاء 19C امطار خفيفة

اليمن والسعودية: شراكة الاستقرار أم استمرار إدارة الأزمات

لا يمكن تناول العلاقات اليمنية -السعودية خارج إطارها الأشمل؛ فهي علاقة لا يحكمها الجوار الجغرافي وحده، بل تؤطرها حقائق التاريخ، وتشابك المصالح، ووحدة المصير التي تجعل استقرار أحد البلدين شرطًا موضوعيًا لاستقرار الآخر. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى هذه العلاقة بوصفها ملفًا سياسيًا عابرًا أو مسألة دبلوماسية تقنية، بل باعتبارها مسؤولية تاريخية وأخلاقية متبادلة، تتطلب مراجعة جادة لمسارها، لا لتبادل اللوم، بل لتصحيح الاختلالات وبناء أفق أكثر استدامة.


إن أحد المفاتيح الجوهرية لتحصين العلاقة اليمنية -السعودية والارتقاء بها يكمن في الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الاستقرار. وهذا الانتقال لا يتحقق عبر دعم أشخاص أو قوى بعينها، مهما كانت الاعتبارات، بل عبر دعم الدولة والمجتمع معًا. فالتجربة أثبتت أن الرهان على الأفراد ينتج نفوذًا هشًا ومؤقتًا، غالبًا ما يرافقه احتقان داخلي وردود فعل معاكسة، بينما الرهان على الإنسان والمؤسسات والتنمية المستدامة وحده ما يصنع نفوذًا إيجابيًا راسخًا وشراكة طويلة الأمد.
إن العون السياسي المتزن، حين يُقرن بدعم تنموي ومعرفي حقيقي، ولا سيما الاستثمار في التعليم والصحة وفرص العمل، يكون أعمق أثرًا وأكثر جدوى من أي تحالفات ظرفية. فالمشاريع الحية -من طرق ومستشفيات ومصانع ومزارع ومدارس وجامعات- ليست مجرد بنى تحتية، بل رسائل سياسية صامتة، تعبّر عن احترام متبادل، وتؤسس لثقة شعبية لا تصنعها البيانات ولا تحفظها الخطابات. تلك هي الشراكة التي لا تُقرأ كمنّة، بل كاستثمار في الاستقرار المشترك.
وقد أسهمت السنوات الماضية في بلورة وعي شعبي يمني أكثر نضجًا وصلابة، وعيٌ تشكّل عبر تجارب قاسية، وأدرك بوضوح أن الأفكار المفروضة والمشاريع المتصادمة مع العقيدة والثقافة والهوية محكومة بالفشل، مهما طال أمدها. ولم يعد اليمنيون يقيسون علاقات الدول بالشعارات أو النوايا المعلنة، بل بما تتركه من أثر ملموس على حياتهم اليومية، وكرامتهم، ومستقبل أبنائهم. وهو وعي يؤهل اليمن للانتقال من موقع «الساحة» إلى موقع «الفاعل الواعي»، الشريك القادر على بناء علاقات متوازنة تحمي سيادته وتراعي في الوقت نفسه مصالح جيرانه.
فاليمن، في جوهره، ليس أفرادًا ولا اصطفافات ولا ترتيبات مؤقتة، بل كيان وطني يتجاوز الجميع. وبوضوح سياسي وأخلاقي، فإن اليمن هو الباقي، وما عداه عابر. وهذه ليست عبارة إنشائية، بل قاعدة مستقرة في العلاقات الدولية: الدول تُراكم، والمؤسسات تستمر، أما الأشخاص فمصيرهم العبور.
من هنا، فإن الارتقاء بالعلاقات اليمنية -السعودية يتطلب شراكة لا وصاية، ودعمًا لا توظيفًا، ورؤية تُبنى على التنمية لا على إدارة الأزمات. علاقة ترى في اليمن شريكًا طبيعيًا في أمن واستقرار الجزيرة العربية، لا ملفًا مؤجلًا، ولا عبئًا مؤقتًا يُدار عند الضرورة.
إنها دعوة صريحة، هادئة في لغتها، حازمة في معناها، لإعادة توجيه البوصلة نحو الخيار الأكثر عقلانية: شراكة الاستقرار، لا تدوير الأزمات.

- دبلوماسي، برلماني وسفير سابق

الكلمات الدلالية