صنعاء 19C امطار خفيفة

يحيى منصور أبو إصبع يروي: من سنوات المطاردة إلى مفاصل الوحدة والحرب

في الحلقة الخامسة من حوار «حكايتي»، تفتح الزميلة رحمة حجيرة نافذة مختلفة على سيرة رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني يحيى منصور أبو إصبع؛ من زمن المطاردة، إلى قلب التحولات الكبرى التي عاشها اليمن.

ومن حكاية الزواج في ظل الملاحقة، وتقاليد المجتمع بين المدينة والريف، إلى سنوات الاختفاء وقرار "العيش تحت الأرض"، ثم محطات العمل الحزبي والجبهوي التي قادته إلى عدن في لحظة الحرب الثانية عام 1979، حيث يقدّم روايته عن مسار توحيد فصائل الشمال والجنوب داخل الحزب الاشتراكي اليمني، وجدلية الحرب وأهدافها وعلاقتها بمشروع الوحدة.

وتتسع الحلقة لتلامس منعطفات أكثر حساسية: من صدمة أحداث يناير 1986 وهو في الصين، إلى تجربته الدبلوماسية بين موسكو وبكين والخرطوم، ثم عودته قبيل الوحدة ورسائله التحذيرية من "الوحدة الاندماجية" كما نقلها عن رموز ثقافية وسياسية.

كما يتحدث أبو أصبع، عن مرحلة ما بعد الوحدة.. بدايات التوتر بين شريكي الحكم، الاغتيالات السياسية، الانتخابات، وثيقة العهد والاتفاق، وصولًا إلى حرب 1994 وما رافقها من نهب وتصفية سياسية، ثم تشكّل اللقاء المشترك، ومحطات ثورة 2011 والمبادرة الخليجية، وانتهاءً بحادثة دار الرئاسة وما تركته من أثر على مسار الثورة وصورتها.

حلقة مكثفة تعيد ترتيب الوقائع من زاوية شاهدٍ عاش التفاصيل، وتضع أسئلة اليمن المفتوحة في مواجهة رواية طويلة عن الدولة والحزب والثورة.. وما تلاها.

"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

يحيى ابو اصبع

رحمة: مساء الخير. كنا قد وصلنا في الحلقة السابقة لفترة الرئيس علي عبدالله صالح، أطول فترة رئاسية، أو أطول فترة حكمها رئيس في اليمن، ثلاثاً وثلاثين عامًا. ثم ننتقل إلى السلام والمصالحة، ولكن قبل كل ذلك نريد أن نسأل الأستاذ يحيى منصور أبو إصبع عن حياته الخاصة، عن زواجه وأبنائه، خاصة في ظل المطاردة. دعنا في البداية نعرف: متى تزوجت، خصوصاً في ظل هذه الضغوطات؟ ومن هي زوجتك؟ ومن اختارها لك؟

أبو إصبع: في البداية، توفى والدي في سبتمبر سنة 1966، وأنا تزوجت في الأسبوع الأول من شهر أبريل 1967، بتقوى بنت عبدالله بن يحيى غالب السقاف، وهي الزوجة الأولى. أما الزوجة الثانية كانت خديجة وتزوجتها في  1972، وأنا مشرّد. وزواجي بها كان زواجاً سياسياً، لأننا كنا في أمسّ الحاجة لها، لأنه عندما كانت تخرج علينا الحملات كانت خديجة موجودة في القرية، وهي ابنة القادري خال جدي عبدالحميد، ومنزلهم بجوار منزلنا في الربادي، فكانت تقوم بالواجب مع والدتي، وتتصدى للعساكر.

قرية الربادي

بالنسبة  لزوجتي الأولى ابنة السقاف، تزوجتها بمشورة من نساء جبلة، لأنهم كانوا عندما يجدون رجلاً غير متزوج جميعهن يقترحن فتيات له من أجل الارتباط،  وهذه طبيعة المجتمع عندنا. وتمت هذه الزيجة عن معرفة، ولأن بيت السقاف من بني هاشم، رفضوا أعمامها زواجي بها، وقالوا إنني قبيلي ولست سيداً وهذا من جهة، ومن جهة أخرى قالوا إنني طامع بأراضيهم. ولكن جد زوجتي الشيخ محمد بن لطف الهبوب، وجدتها أم علي زوجة الهبوب، كانوا معي في هذه الزيجة، فالذي زوجني هو محمد بن لطف الهبوب. وعندما تزوجت، عمتي زوجة السقاف، أم تقوى، كانت محجبة ولم تظهر عليّ.

رحمة: ولكن أستاذ يحيى، لماذا تحجبت منك وهي والدة زوجتك؟

أبو إصبع: بيت السقاف لديهم تقاليد شديدة جداً في الحجاب. طبعاً اقصد الحجاب في المدن، أما في الأرياف فلا يوجد. وتصوري جد زوجتي يحيى بن غالب السقاف،  كان من كبار الإقطاعيين في جبلة ومسؤول بلديتها، وهو  من كبار الشخصيات. وكان لديه خمسة أولاد، ويمتلك قصراً في مدينة جبلة عند السلطة، وهو أجمل قصر على الإطلاق حتى الآن. ومع ذلك كانوا في مطبخ واحد، ومتزوجين الخمسة الإخوة، وكل زوجة منهم لا تظهر على أخ الآخر مطلقاً، رغم أنهم في بيت واحد. وكانت النساء يتحركن في البيت وهن يرتدين النقاب. لقد كانت هناك تقاليد شديدة جداً.

مدينة جبلة

رحمة: كانوا على عكس بيت أبو إصبع وبيت دماج.

أبو إصبع: نحن أصحاب الريف مختلفون جداً، وأنا هنا أحدثك عن المدينة. أما في الريف، الكبار والصغار  لا يرتدون  النقاب. واتذكر في إحدى الأيام ذهبت إلى بيت السقاف، وأخذت القات، ودخلت على عمتي، وهنا كسرت حاجز الحجاب، وأصبحت علاقتنا طيبة جداً.

رحمة: ومتى أنجبت زوجتك أول طفل لكما؟ وما ظروف زواجك الثاني، والحملة العسكرية التي تعرضت، وكيف انتهت؟

أبو إصبع: أول طفل جاءني عندما كنت في القاهرة. وفي  الزيجة الثانية،  جاءت لي حملة عسكرية في سبعة أكتوبر 1972، وحينها تدخل أحمد منصور عند عبدالرحمن الإرياني، وكذلك الأستاذ نعمان بن قائد بن راجح، شقيق الشهيد عبد اللطيف، وأحضروا أمراً من الإرياني، صاغه يحيى عبدالرحمن الإرياني، والأخ وزير التربية والتعليم، ويكون توفير منحة دراسية إلى لندن للولد يحيى منصور أبو إصبع. والإرياني قال إنه موافق، ولكن لن يتم رفع الحملة إلا حينما يسلم يحيى أبو إصبع نفسه ويذهب للدراسة. وبعدها تكفل نعمان بن قائد بن راجح، وقال إنه سيأخذني عنده إلى بعدان، ورفعت الحملة، وذهبت معه إلى بعدان. وكان نعمان بن قائد متفقهاً في الدين، وقارئاً فيه كثيراً، عكس أخيه عبداللطيف، الذي كان لديه الثقافة الدينية والثقافة العصرية الحديثة. وكلا الأخوين مثقفين، وأبوهما وجدهم من كبار القوم في اليمن.

رحمة: وكم هي الفترة التي قضيتها عنده؟

أبو إصبع: بقيت عنده ثلاثة أسابيع، وسأحكي لك قصة معه. كان لديه ديوان كبير بناه خاصةً من أجل أن يأتي الناس عنده، وهو يحدثهم عن رياض الصالحين، وتفسير القرآن، والسيرة الذاتية، وضد الشيوعية والاشتراكية والكفر والإلحاد والمعسكر الاشتراكي. هذا كان حديثه بشكلٍ واصل.

وأنا عندما أدخل إلى الديوان بعد صلاة العصر، كان يجعلني دائمًا أجلس في رأس الديوان؛ لأنه يرتبط مع ذو محمد ومع جدي بعلاقات استثنائية، وهناك معاهدة بيننا.

نعمان بن قايد بن راجح

كنت آخذ المكان على مدى أسبوعين، من أول المقيل إلى آخره، إلى قبل المغرب، وأتحدث معهم عن الثورة الصينية، والبلشفية، وفيدل كاسترو، وتشي جيفارا، وعلينا نحن الحزب الديمقراطي ماذا نريد أن نعمل للشعب الديمقراطي من العدالة الاجتماعية وبناء دولة ديمقراطية لكل الناس، وإلغاء الطبقات والعنصرية والطائفية والمذهبية.

وكان يستمع ولا يعترض أبدًا لمدة أسبوعين بالكامل. وكان أبناء شقيقه يسألونه دائمًا: كيف تسمح ليحيى منصور أن يتحدث حول ذلك، فقد نسف كل ما قدمته حول الدين؟

فأجابهم: ما الذي تريدونه؟ هل تريدون أن أقاطعه وأقول له اسكت؟ هذا ضيف، ولاحظي على القيم.

بعد ذلك، عندما كنت على وشك السفر، طلب مني الحزب الديمقراطي أن أظل عامًا لترتيب الأوضاع الحزبية في محافظة إب، وبعدها أسافر، وهم سيعطوني منحة إلى ألمانيا. ولم أسافر، وضاعت منحة لندن.

رحمة: وبعد ذلك، كنت مطارد  من الإرياني.

أبو إصبع: واتخذت حينها قرارًا أن أختفي تحت الأرض، لا أظهر إلا في الليل، وتحولت إلى مناضل محترف متخفٍ من أجل الحملات العسكرية تخف على المواطنين. وكنت أذهب إلى مناطق: زرت شرعب، والفرع، والقفر، ولكن بأسماء مختلفة. وكنت أمشي رجلًا، وتعرضت  للاغتيال والقتل أكثر من مرة؛ بعضها عن قصد، والبعض الآخر دون قصد.

رحمة: ما هي محاولات الاغتيال التي كانت عن قصد وبغير قصد؟

أبو إصبع: بمعنى أن نكون في الجبهة ويحصل إطلاق نار فيما بينهم فيكون هنا بدون قصد، أما التي كانت عن قصد فهي الكمائن المدبرة.

رحمة (مقاطعة): حتى تكون الصورة واضحة؟ حدثنا عن المرحلة التي بدأت فيها تحمل السلاح.

أبو إصبع: أنا حملت السلاح من عام 1972، ونزلت إلى عدن، وحصلت على 12 بندقية سلمها لي سلطان أحمد عمر حتى أعود وأعمل عملًا عسكريًا. و  لكن عندما وصلت إلى البلاد حملت السلاح ووزعتُها على الحراسة، وجاءتني تعليمات من عبدالقادر سعيد: لا تطلق النار على عسكري، ولا تفسد، وإذا خرجت حملات عسكرية استقبلوهم وادعوا المواطنين يستقبلوهم ويضيفوهم. وأنا أحذرك أن تقدم على أي عمل عسكري. ونفذت تعليمات عبدالقادر سعيد بكل حذافيرها؛ كانت الحملة تأتي ونستقبلهم ونغديهم ونعشيهم ونؤجر لهم.

سلطان احمد عمر

رحمة: ومتى بدأت استخدام السلاح؟

أبو إصبع: أنا لم أستخدم السلاح على الإطلاق. وعندما سافرت فيما بعد، في أواخر 1980، إلى الاتحاد السوفيتي لعلاج تقوى وأولادي الأربعة، وجميعهم كانوا مرضى بالدرن، جاء بعدي مسؤول آخر، عبدالواسع أحمد طالب من الحجرية، وهو زميل دراسة، لكنه كان مع تفجير الأحداث.

وكان ينفذ تعليمات صالح مصلح أن يفجروا في الربادي؛ لأننا جنب إب وندخلها، وهنا بدأت المشاكل بين أصحابنا والسلطة.

رحمة: في أي عام كان ذلك؟

أبو إصبع: كان ذلك في عام 1973. طبعًا، أنا بعد ذلك كنت قد خرجت أيام إبراهيم الحمدي عام 1977، أنا وعبدالوارث عبدالكريم، بقرار من إبراهيم الحمدي. ثم مضت أيام إبراهيم والغشمي وأيام علي عبدالله صالح، وفي أيامه عدت للاختفاء مرة أخرى. وبعدها طلبوني من عدن.

ونحن الآن سندخل إلى المراحل للإجابة عن سؤالك حول تكوين الحزب الاشتراكي والحزب الديمقراطي. ووصلنا إلى عدن في أول أبريل 1979، وهو الشهر الذي نشبت فيه الحرب بين الشمال والجنوب، وهي الحرب الثانية.

بعد ذلك دخلت في اجتماعات الحزب الديمقراطي الثوري اليمني واحتجيت، وكان موجود علي ناصر محمد، وعلي عنتر، وعبدالعزيز عبد الولي، وشخصيات من قيادة الحزب، كانوا حاضرين الجلسة الافتتاحية.

علي عنتر

و انا تحدثت في تلك الجلسة وقلت: كيف تشعلون الحرب بين الشمال والجنوب، وقيادة الجبهة الوطنية وقيادة فصائل اليسار المعنية بالثورة والمعنية بالوحدة والشمال موجودون هنا لحضور مؤتمرات ختامية؟ لانهم كانوا قد  دعوا كل الأحزاب للحضور إلى عدن من أجل عمل مؤتمرات ختامية، وبالتالي ندخل في وحدة مع الحزب الاشتراكي.

وعقدنا المؤتمرات الختامية: منظمة المقاومين الثوريين، حزب العمل اليمني، حزب الاتحاد الشعبي الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الثوري اليمني، والطليعة الشعبية الذين كانوا حزب البعث.

هؤلاء جميعًا عقدوا مؤتمراتهم الختامية في شهر أبريل، ودخلنا في مؤتمر"حوشي"  حزب الوحدة الشعبية بين الفصائل الخمس، ثم دخلنا في وحدة بين حزب الوحدة الشعبية والحزب الاشتراكي اليمني في 5 مارس 1979.

انيس حسن يحيى

أما الذين يقولون إن الحزب الاشتراكي تأسس في 1978، فذاك الحزب كان فصائل الجنوب: الجبهة القومية، والاتحاد الشعبي الديمقراطي التابع لباذيب، والطليعة الشعبية التي كان يرأسها أنيس حسن يحيى. هؤلاء توحدوا في أكتوبر 1978 باسم الحزب الاشتراكي اليمني، ثم جاء بعد ستة أو سبعة أشهر، في خمسة مارس 1979، فصائل الشمال الخمس التي شكلت حزب الوحدة الشعبية وتوحدت مع الحزب الاشتراكي اليمني باسم الحزب الاشتراكي اليمني الموحد، وكنت أنا في هذا المؤتمر عضو لجنة مركزية.

بعد  ذلك الذي  حدث أن عبدالفتاح إسماعيل أوقف الحرب، وانا احتجيت وقلت: كيف تعلنون الحرب بدون أن تشعرونا، وتوقفونها دون أن تشعرونا، وكأننا غير موجودين؟ هذا لا يجوز، ونحن نرفض ذلك.

عبدالفتاح اسماعيل

سمع علي ناصر هذا الكلام، وسلطان أحمد عمر، ونحن في بيت الكاتب محمد علي الشهاري. وكان موجود مجاهد القهالي، وعبدالعزيز عبدالولي، ومحمد سعيد عبدالله محسن - الذي لا يزال حيًا ونتمنى له الصحة والعافية - وعلي عنتر، وجار الله عمر، ومحمود عبدالله عشيش.

وقالوا: من أوقف الحرب هو عبدالفتاح، ما رأيك أن تذهب لإقناعه؟ قلت لهم: سأذهب إليه. وكانت لدي فكرة: ما دمتم بدأتم الحرب دون استشارتنا، والآن توقفونها، فلتتوقف بعد أن تمسكوا مناطق استراتيجية نساوم عليها أثناء الحوارات.

محمود عبدالله عشيش

رحمة: ماذا كان الهدف من الحرب؟ هناك من يقول إن الهدف كان من أجل تحقيق الوحدة بالقوة، وهناك من يقول إن الهدف كان من أجل هزيمة التقليديين في الشمال.

أبو إصبع: الحرب كان لها أهداف. الجنوب كان له أهداف، والجبهة الوطنية كان لها أهداف، وأبرز هذه الاهداف هو وحدة اليمن والطريق إلى الوحدة. وأنا في الجنوب، والحزب كل شعاراته في المدارس والطرقات والدور الحكومية، والكتابات والدفاتر: الوحدة اليمنية.

والشعار كان شعارنا جميعًا، والشعار الذي كان في المؤسسة الرسمية، وفي المدارس، والقوات المسلحة بالجنوب: «لنناضل من أجل الدفاع عن الثورة اليمنية، وتنفيذ الخطة الخمسية، وتحقيق الوحدة اليمنية». وهذا كان هو الشعار في كل مكان، ونفس الشيء هنا في الشمال. الوحدة  اليمنية  هي  الهدف الاستراتيجي وهي المبدأ المركزي بالنسبة للحزب  الاشتراكي اليمني.

رحمة: هل أقنعت الرئيس عبدالفتاح إسماعيل بإيقاف الحرب؟

أبو إصبع: ذهبنا إلى عبدالفتاح إسماعيل، وكنت أنا وعبدالعزيز عبدالولي، ومحمود عبدالله عشيش - وهو من شهداء يناير 1986 - وقاسم عبدالرب، وسلطان أحمد عمر. أمّا جار الله عمر فهرب في الطريق، ولم يقبل الذهاب معنا.

وصلنا إلى عبدالفتاح في المعاشيق، ووضعونا في مكان، وهو في مكان آخر. كان يجلس مع نديم عبدالصمد، السكرتير العام في ذلك الوقت للحزب الشيوعي اللبناني، قبل جورج حاوي.

نديم عبدالصمد

رآني ثم خرج مباشرة، وأخذني بالأحضان، وسألني عن عمتي شيخة، التي احتُفِيَ عندها لمدة ثلاث إلى أربع أيام.

ثم سألته وقلت له: لماذا أوقفت الحرب؟ قال: لماذا؟ هل جاءوا إليك الجماعة؟ هذا قرار المكتب السياسي، وجاء بناءً على أن الدول العربية تتحرك مع الشمال للدفاع عنه، و رئيس الاتحاد السوفيتي" برجنيف"  قام بعمل رسالة لي قوية جدًا، يقول فيها:" إن الاتحاد السوفيتي يرفض رفضًا باتًا دخول دبابة سوفيتية أراضي الجمهورية العربية اليمنية، وأن الاتحاد السوفيتي يرفض رفضًا قاطعًا الحرب على الشمال".

وقالوا: نحن علاقتنا مع الشمال علاقة قوية جدًا، مثلما علاقتنا معكم، وأوقفنا الحرب بقرار من المكتب السياسي.

رحمة: أُوقِفت الحرب، ولكن في عام 1986، ألم تكن ضربة قوية لكم بعد الأحداث الدموية وضرب الحركة اليسارية بشكل عام؟

أبو إصبع: سأخبرك حول ذلك. بعد ذلك جئنا، وهناك قرار أن يحيى منصور وعبدالسلام الدميني يذهبا لإدارة العمل الحزبي والجبهوي في شمال الشمال، في صنعاء. يحيى منصور مسؤول الجبهة والحزب في صعدة والجوف، وعبدالسلام الدميني مسؤول في محافظة صنعاء.

وقالوا: في العمل العسكري، حتى نعد العُدّة للزحف على صنعاء في حرف سفيان، تكون هناك قيادة الزحف على صنعاء من الشمال، ويكون المسؤول العسكري هناك، والسياسي من الحزب الاشتراكي يحيى منصور، ومن الناصريين عبدالله سلام الحكيمي.

أبو اصبع والحكيمي

وتواجهت حينها مع عبدالله سلام، وقلت له: أنا وأنت معينون في صعدة، فما رأيك حول ذلك؟ قلت له: هذه خطط مرتجلة ليس لها أي أساس، وأنا لم أشارك فيها، ولكن تلقيت الأوامر.

قال: وأنا مثلك، ولن أذهب أبدًا. نحن لم يُشعِرونا - الناصريين - ولم يُشركونا في هذه الخطط.

بعد ذلك نفذنا الأوامر. عبدالله سلام ذهب إلى أرحب عند محسن أبو نشطان، بتوجيهات مجاهد القهالي، وأنا ذهبت إلى صعدة والجوف، وظللت حوالي أكثر من عام ونصف وأنا هناك في صعدة والجوف. ومن هنا معرفتي القوية بالقبائل، وبصعدة والجوف.

رحمة: أستاذ يحيى، الأستاذ عبدالسلام الدميني مات بحادث سيارة أم كيف؟

أبو إصبع: أنا أخبرتك أنهم اتصلوا لنا من عدن، من أجل التفاهم حول احتلال السعودية لأراضٍ يمنية في العطفين، والخضراء، والنقاش. وصلنا صنعاء، وقلت له أن يكون حذرًا. وهو ذهب إلى صديقه الذي هو في الأمن مع علي عبدالله صالح، وكان مسؤولًا عنه حزبين في الطليعة الشعبية. فأمسكه وأوصله هو وإخوانه إلى عبدالله، لأنه أراد أن ينزل إلى القرية لزيارة والده وأسرته في الأخطور، في مدينة إب. وذبحوه هو واخوته، واخذوهم  في سيارة  ورموا بهم من نقيل يسلح، حتى يظهر الأمر أنه حادث سيارة.

عبدالسلام الدميني واشقاءه

رحمة: والتهمة لأنه كان حزبيًا ويسعى إلى التخريب مع الجنوبيين؟

أبو إصبع: عبدالسلام الدميني من الذين دافعوا عن الثورة اليمنية، وأبطال السبعين يوم، ومن البعثيين الذين كانوا يتقاتلون مع حركة القوميين العرب، وكان ضمن 25 ضابطًا الذين أُمروا بترحيلهم إلى الخارج.

رحمة: في عام 1986 شُكّلت ضربة للحركة اليسارية في شمال اليمن، وفي الوقت نفسه لحزب الوحدة الشعبية. إلى أي مدى كان ذلك؟ وكيف تعاملتم مع هذه الأحداث الدامية؟

أبو إصبع: أنا في هذا الوقت تحديدًا كنت في الصين، وأجريت حوارًا مع علي عبدالله صالح، وعلي ناصر محمد، ومحمد سعيد عبدالله محسن، عندما توفي بريجنيف، وجاء علي عبدالله صالح وعلي ناصر يشاركان في التشييع، وجاؤوا بطائرة واحدة. واتصل بي السفير صالح الأشول، الذي كنت أنا وهو في الجبهة الوطنية أيام أحمد الغشمي، وكان هو مقرر سكرتارية الجبهة الوطنية، وعملنا مع الغشمي أربع لقاءات، وهو من أفضل ضباط ثورة 26 سبتمبر.

وكان سفيرًا في موسكو، فجاء وأخذني إلى عند علي عبدالله صالح في الكرملين. ووجدت الشيخ عبدالله الأحمر، وناجي عبدالعزيز الشايف. وأخذ الشايف بيدي، وأدخلني رأسًا إلى علي عبدالله صالح، وقال له: انظر يا رئيس، هذا يحيى منصور من صبيان ذو غيلان، لا تعتقد أنه من جبلة - لان اهل جبلة مساكين- فقال له  الرئيس: على العين والرأس.

ببريجنيف

ثم تصايحنا أنا وعلي صالح، وبعد ذلك قال: ماذا تريد؟ اذهب إلى الخارج ولا  تعود لليمن وإلا يتم تعينك هنا في السفارة بموسكو. قلت له: تمام، ولكن ارفع العساكر الذين في القرية، وغير المسؤولين. ولدي أوامر بذلك بتوقيعه.

ثم  بقيت في موسكو فترة بسيطة، وقالوا إنني أنشط في موسكو، فسرّحوني إلى الصين، وبقيت فيها أربع سنوات.

وحدثت أحداث يناير 1986 وأنا في الصين، ولم يكن في تلك الأيام تلفونات ولا اتصالات إلا بصعوبة شديدة، وإذا أردت عمل اتصال تنتظر أسبوعًا. وتابعنا الأحداث. بعد ذلك نقلوني إلى السودان، وكانت فترة بقائي في الصين فترة ذهبية.

رحمة: وماذا كان موقعك الرسمي في الصين؟

أبو إصبع: أنا كنت القائم بالأعمال وبدرجة سفير.

رحمة: وفي السودان ماذا كان موقعك الرسمي؟

أبو إصبع: أيضًا كنت قائمًا بالأعمال، كنت أنا والقباطي، وكذلك في الجزائر كان السفير علي السلال عشر سنوات، وأنا في العمل الدبلوماسي.

رحمة: إلى سنة كم عملت في السلك الدبلوماسي؟

أبو إصبع: عملت في السلك الدبلوماسي سبع سنوات، منذ 1983 وحتى قيام الوحدة اليمنية عام 1990. في شهر أبريل اتصل أحمد منصور من وزارة الخارجية إلى علي السلال السفير، وقال: قول للأخ يحيى أمي مريضة في مستشفى الكويت، على فراش موت، وإذا صحت تقول أريد يحيائي، وهو الاسم المصغر لي. وأحمد، حتى لا يشعروا أنهم قصروا بحق أمي، أشعروني بذلك.

جاء السلال وأخبرني بأن أمي مريضة وفي حالة إغماء، وكلما تصحو تطالب بك ولا تريد شيئًا غيرك. وأنا تحركت مباشرة، وقال السلال: أين ستذهب؟ الأمن منتظر لك. قلت له: حتى لو ينتظرني الجن، وهم لم تصدر لهم أي تعليمات، وأنا أتنقل في الخارج.

علي عبدالله السلال

بعد ذلك تواصل علي السلال مع الرئيس وعبدالكريم الإرياني، وقال إن يحيى منصور في الطائرة. الإرياني وعلي لطفي الثور ذهبوا إلى الرئيس، وهو اتصل بأحمد منصور وقال: اذهب واستقبل أخوك، وأنا أصدر تعليمات بعدم التعرض له.

ووصلت، ووجدت المستقبلين كُثُرًا: أهل برط، وجبلة وصنعاء، بالمئات. وبينما أنا أسلم عليهم، ظهرت لي شقيقتي نورية من السيارة، وأخذتني مباشرة إلى والدتي. وجئت وأنا أقول: أمه، أمه. وهي قالت: أريد يحيائي. قلت لها: أنا يحيى. وهي فتحت عيونها وقالت: من أنت؟ ثم أخذتني وضمتني إلى صدرها بحوالي خمس دقائق، ثم تحسنت صحتها.

وخرجنا اليوم الثاني من المستشفى، فقالت لي أمي: أنا دعوت إلى الله أن يعيدك إلى اليمن، ونجلس أنا وأنت سبعة أشهر، ثم أموت. قلت لها: بعيد الشر عنك. ثم جلست أمي سبعة أشهر بعد الوحدة، وتوفيت.

عبدالواحد المرادي

ثم جاء عبدالواحد المرادي، عضو المكتب السياسي، وكان مسؤول الجبهة الوطنية،  إلى عندي  في بيت أخي في صنعاء. وقال: هناك اجتماع للجنة المركزية، والقيادة تريدك أن تحضر الاجتماع. ثم سافرت إلى عدن، وقد أخذت من الجميع معلومات ونصائح. وكان من الذين رأيتهم في الطريق عبدالله البردوني، وسألني: هل ستذهب إلى عدن؟ قلت له: نعم. قال: قل لهم ودفوا بأنفسهم، واليمن، والوحدة اليمنية. هكذا ثلاث كلمات.

عبدالله البردوني

رحمة: ولماذا قال لك ذلك؟

أبو إصبع: لأنه كان معترضًا على الوحدة الاندماجية، لأنه قال: وحدة تُسلَّم للقبائل ستنتهي إلى الأبد، وهذا الذي حدث. عبدالعزيز المقالح قال: قل لهم إنهم وقعوا على وحدة اندماجية، ونحن كنا نريدها وحدة فيدرالية أو كونفدرالية، ولكن قل لهم: الله يستر، الله يستر، الله يستر، ثلاث مرات.

د. عبدالعزيز المقالح

وكان اجتماع اللجنة المركزية قبل الوحدة بثلاثة أيام، وقمت في ذلك اليوم وألقيت كلمة، وقلت لهم: إنني أحمل لكم رسائل من أعز الرجال في اليمن، قالوا فيها إنكم تسرعتم في الوحدة الاندماجية، وأنه سيسهل على نظام صنعاء أن يفترسكم، وهم يجهزون لكم الإغراءات من سيارات، ومنازل مؤثثة، ومصاريف الجيب، وغيرها، وسيتم شراؤكم إذا لم تهتموا بالحزب في الشمال. إذا لم تكونوا متوحدين، فأنتم والوحدة اليمنية في خطر.

رحمة: عندما قدمت لهم هذه النصائح التي نقلتها من شخصيات أخرى، إلى أي مدى تفاعلوا أو تجاوبوا مع هذه النصائح، وخاصة الرئيس علي سالم البيض؟

أبو إصبع: كان هناك أركان حرب اسمه مثنى سالم عسكر، وكان موجودًا بجواري. قال: ماذا تريدون أنتم الشماليين؟ إن أردنا الوحدة قلتم تريدون انفصال، وإذا أردنا الانفصال قلتم تريدون وحدة. وطلب مني النزول وهدد بإنزالي. ثم جاء جار الله وأنزلني، وقال لي: يكفي، لقد أوصلت رسالتك.

هذا مثنى سالم عسكر، بعد عامين من الوحدة، وهو في الأركان، جاء إلى مقر الحزب، وقبلني في رأسي، وقال: الكلام الذي قلته صحيح. نحن الجنوبيين في الجيش وفي الوزارات مركونين، لا يحدثونا ولا يهتموا بنا، كل شيء يسيطر عليه الشماليون.

رحمة: نحن الآن نريد أن نعرف الثلاث السنوات قبل الحرب، وتحديدًا الانتخابات.

أبو إصبع: أولًا، كان علي سالم البيض في الحقيقة يحب علي عبدالله صالح. وبعد أربعة أشهر من الوحدة، اتصل الملك حسين بأنه سيزور صنعاء ويهنئ القيادة على الوحدة. وأنا ذهبت إلى علي سالم البيض من أجل موضوع، وقال لي: اجلس معي، وسنذهب إلى المطار لاستقبال الملك حسين. وهنا كانت بداية المشكلة.

بعد ذلك جاء سنان أبو لحوم ودخل، وقال: هيا نتحرك إلى المطار. وقال الرئيس علي سالم: دعنا ننتظر علي عبدالله صالح، لأنه اتصل بي وقال إنه سيمر لي، ومن الأفضل أن نخرج إلى المطار بسيارة واحدة، إما سيارتي أو سيارتك. انتظرنا بعد ذلك عشر دقائق ولم يأتِ، ثم ربع ساعة ولم يأتِ.

وطلب سنان الاتصال بالرئيس، وقال: الوقت قرب، والملك حسين سيصل بعد ساعة ونصف. ثم اتصل البيض بالرئيس، وكان تلفونه لا يرد. ثم اتصل بالتلفونات الثابتة والتحويلة، ووجدها جميعًا لا ترد.

وعلي سالم البيض جنّ جنونه، وقال له سنان: عمي علي، أنت رجل طيب، جئت من عدن، أنت لا تعرف لفاتنا نحن الشماليين. هذا علي عبدالله صالح. قال له: كيف؟ ثم اتصل مرة ومرتين وثلاثًا لربع ساعة، ولا أحد يرد.

ثم قال سنان أبو لحوم: علي عبدالله صالح في طريقه إلى المطار وتركك. ثم قال سنان: تريد أن تستقبل الملك؟ أما أنا سأذهب. فقال له: لنذهب.

وتحركنا، ولكن علي سالم البيض منذ ذلك الوقت قلب 180 درجة من حبه وتقديره واهتمامه بعلي صالح. كان يقول على طول الطريق: هذا كذاب، هذا نصاب.

وعندما وصلنا إلى المطار، وجدنا علي عبدالله صالح أمامنا. ثم ذهب إليه البيض، وقال له: ألا تستحي، ألا تخجل؟ تقول لي انتظرك، ثم أتصل بك ولا ترد على كل التلفونات؟ ما الذي فعلته بك؟ رغم أني واثق بك وانتظرتك. ثم التفت إلى المسؤولين، وقال: ما رأيك انا اتصل به ويقول انه سيمر  لي، وأنا أنتظر، ثم يذهب لوحده حتى لا أحضر وأستقبل الملك حسين معه؟ وكان علي صالح يضحك ويتهرب من الرد.

الملك حسين يتوسط البيض وصالح

ثم استقبلنا الملك حسين وعدنا، وكان سنان أبو لحوم يقول لي: «ابقَ مع علي سالم البيض ولا تتركه». ثم جلس الملك حسين بين علي صالح وعلي سالم البيض، ثم أخبر البيضُ الملكَ حسين بما فعله علي عبدالله صالح، وحكى له القصة، ومنذ ذلك الوقت تغيّر البيض على علي عبدالله صالح تمامًا.

رحمة: أستاذ، أنت قلت «منذ ذلك الوقت»، والرئيس علي سالم البيض أخذ موقفًا من الرئيس علي عبدالله صالح، وله حق في ذلك، فهل هذا مبرر لحرب 94 وإعلان الانفصال؟

أبو إصبع: أنا فقط أُحدّثك عن بداية تغيّر العلاقات بين علي سالم البيض وعلي صالح. ومنذ 1992 بدأت الاغتيالات السياسية، واغتالوا من الحزب الاشتراكي خلال سنة ونصف 154 كادرًا قياديًا في الشمال والجنوب. وكان أول من تم اغتيالهم محمد أحمد الحوثي في حوث في حاشد، وكان عالمًا جليلًا وضد الوهابية، وأخذ دورات حزبية، وأطلقوا عليه 60 طلقة من رأسه وحتى قدميه، وهذا كان أول شهيد، ثم جاء بعده الشهداء الآخرون، كان منهم ماجد مرشد. ثم أطلقوا القذائف على بيوت القادة، منهم ياسين سعيد نعمان، وكان محمد إسماعيل قائد الصاعقة يطلقها بنفسه على منزل حيدر أبو بكر العطاس، وأعاده من الطريق، كانوا يريدون تفتيشه واعتقاله.

حيدر ابوبكر العطاس

رحمة: وهذا يعني أن الحزب الاشتراكي لم يرد على الاغتيال ولو باغتيال واحد؟ وماذا عن حزب الإصلاح؟ هل كانت الاغتيالات من قبل ناس في الدولة أم حزبية؟

أبو إصبع: منذ أن بدأت المشاكل في عام 1992، أحضروا الجماعة السلفية الجهادية، أتباع أسامة بن لادن، وأتوا بـ 5000 مقاتل من أفغانستان، وكانوا يستخدمونهم ضد الحزب الاشتراكي. وكان الإصلاح قد تشكّل بتوجيه من علي عبدالله صالح حتى يعارض الحزب الاشتراكي. ومن قرأ مذكرات الشيخ عبدالله سيجد كل ذلك؛ أن الإصلاح تشكّل ليعارض الحزب الاشتراكي، ويعارض الاتفاقية ودستور الوحدة وكل شيء، لأن الرئيس قال لهم: «أنا ملتزم ووقعت الاتفاقية، ولكن يأتي منكم أفضل». وتحرك عبدالمجيد الزنداني مع جهادهم الدعائي المعارض للحزب الاشتراكي والدستور والاستفتاء عليه، ووصفونا بالشيوعيين، وأن الدستور دستور شيوعي وضد الدين الإسلامي، إلى آخره.

عبدالجيد الزنداني ـ رويترز

رحمة: وبعد هذه الأحداث جاءت الانتخابات، وحدثت مشاكل أخرى، فما هي أبرزها؟

أبو إصبع: أبرز المشاكل في الانتخابات أن الإصلاح والمؤتمر قرروا ألا يسمحوا للاشتراكي أن يفوز في الشمال أبدًا. وعندنا في الدائرة في إب جندوا كل شيء لصالحهم، ولم نفوز إلا أربعة، بالرغم أن إب في معظمها، وإذا لم يكن هناك ضغوطات وتدخلات من المؤتمر والإصلاح، كان سيفوز الاشتراكي بمعظم الدوائر في محافظة إب. وعندما تقرئين كتابي «مذكرات عن أحمد علي عبدالباقي الشهاري» كيف اتصلوا به قبل الانتخابات وبعد الانتخابات اتصلوا بنا من اجل طلب الانضمام إلى كتلة المؤتمر، وسيعطونا السيارات والمرافقين ووظائف وأشياء مغرية جدًا.

رحمة: لقد كانت هناك عروض وضغوطات، ولم يكن هناك توازن؛ المؤتمر والإصلاح دينيًا ومؤسسات الدولة، وهذه واحدة من أسباب الحرب. ولكن بعد وثيقة العهد والاتفاق، الرئيس علي ناصر محمد يذكر في مذكراته «ذاكرة وطن» أنه عندما ذهب الرئيس علي سالم، ترك زوجته في الطائرة ولم يسمح لها بالنزول، وهذا يعني أنه كان مبيت النية. والأستاذ يحيى العرشي طرح  ايضاً أن الرئيس علي سالم البيض عاد مباشرة إلى دولة خليجية ولم يعد إلى اليمن.

أبو إصبع: وثيقة العهد والاتفاق، بالنسبة للشعب اليمني وقوى المستقبل والقوى التقدمية، كانت وثيقة لأول مرة في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية، وتاريخ الحركة العربية القومية. كانت وثيقة تؤسس لتشكيل دولة حديثة بالنظام والقانون، وكان شيء مدهشًا ورائعًا. ولكن الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر كان يعلن أنه ضدها، لأنهم حددوا خروج الجيش من صنعاء وتشكيل وحدة من القوات المسلحة تتولى حراسة الرئيس والنائب والمنشآت. وهذا جنّن علي عبدالله صالح، واتصل مرتين: مرة بواسطة مجاهد أبو شارب، ومرة بواسطة الشيخ عبدالحميد بن نعمان بن قائد بن الراجح، يريد أن نتوسط إلى الحزب الاشتراكي أن يتركوا له كتيبة حراسة من التي يختارها هو.

عبدالله بن حسين الأحمر

أما فيما يتعلق بالذهاب إلى الأردن، أنا سأحكي لك القصة بإيجاز. كانت الأمور قد تغيرت كثيرًا. كنت أنا وأنيس حسن يحيى ويحيى الشامي جالسين في غرفة، وجاءنا اتصال من جار الله عمر من قصر الملك حسين، يطلب منا الحضور، لأن الحوار كان على أشده بين علي عبدالله صالح وأصحابه، وبين علي سالم البيض وأصحابه، وطلب منا أن نأتي للمساعدة. وذهبت أنا ويحيى الشامي وأنيس حسن يحيى، ووصلنا إلى هناك. ودخل أنيس حسن، وهو لم يكن مسموحًا له بالدخول. واتخذها علي عبدالله صالح فرصة، وقال إن الحزب الاشتراكي يريد أن يكثر أعضائه، ثم الغي الاجتماع. وجار الله عمر أخذنا الثلاثة جانبًا، وقال لنا: «كل شيء انتهى». قلنا: لماذا؟ قال: «أنا حاولت أن أجلس مع البيض للعودة إلى صنعاء، ولكنه رفض، وقال: بالحرف الواحد" انت تريد أن تعيدني إلى بيت الطاعة" . قال له: "عد، والشعب اليمني سيحميك، وسيستقبلك بصورة لم يسبق لها نظير" . وشرح لنا جار الله هذا الكلام، وقال: "والأدهى والأمر أن علي سالم البيض ومجموعته عائدون إلى عدن عن طريق السعودية". وجرت الدمعة في عين جار الله عمر.

جار الله عمر

رحمة: الآن دعنا نأتي إلى 1994. لأنك جبت الخلاصة، في 94 اندلعت الحرب. هل هناك شيء بارز تريد أن تذكره ولم يسمعه الناس؟

أبو إصبع: نعم، أولًا نحن الموجودين من الحزب الاشتراكي في صنعاء جاءوا بيوتنا، ونهبوها، وخصوصًا بيوت علي صالح عباد مقبل، وكان نائب رئيس مجلس النواب، وهو مع الوحدة ورفض أن يذهب إلى عدن، ومع ذلك لم يسلم منزله ومنزل جار الله وأحمد علي سلامي. بيوت الجنوبيين لم يبقَ بيتٌ إلا ونهبوها.

عندما ذهبت إلى علي صالح عباد وجدته وزوجته وابنته في الحوش، والبيت لم يتبقَّ فيه شيء. اتصلت أنا بعد ذلك بالشيخ عبدالله، وقال: «هذا ليس معقولًا». وقلت له: هذا الذي حدث. واتصلت بيحيى المتوكل، وقال: «أنا سمعت الخبر وأنا في الطريق، دقيقتين وأنا عندك». ووصل يحيى المتوكل، رحمه الله، ودخل إلى البيت وهو فارغ، حتى الأكواب من المطبخ أخذوها.

علي صالح عباد مقبل

وبعدها اتصل يحيى المتوكل بالرئيس علي عبدالله صالح، وقال له: «حتى علي صالح عباد، الذي مع الوحدة، هذا النهب يجب أن توقفه». ثم جاء الشيخ عبدالله الأحمر، وثلاث إلى أربع سيارات من أعضاء مجلس النواب، واحتضن علي صالح عباد مقبل، وأمرهم أن يتحركوا فورًا لتأثيث البيت على حساب مجلس النواب.

أنا بيتي في صنعاء، وكنت قد خرجت منه اليوم الأول، وعندما جاءوا ولم يجدوا شيئًا أخذوا النوافذ وأسلاك الكهرباء وكسروا كل شيء. وجاء صاحب البيت يشتكي، وقلت له: اذهب وقدّم شكوتك إلى وزير الداخلية. وبيت يحيى القديمي حاصروا منزله وارادوا نهبه. حدثت عمليات سلب ونهب عندما أعلنوا الحرب على الحزب الاشتراكي في كل مكان. وبعدها حدثت مسابقة بين الإصلاح والمؤتمر؛ يريدون الاشتراكي، هذا يقولون له التحق بالإصلاح، وهذا يقول له التحق بالمؤتمر، وإلا السجن.

رحمة: هذا يعني أنهم استضعفوا الاشتراكي بكل الوسائل الممكنة؛ ذاك لديه مؤسسة دولة، وذاك حزب. والآن دعنا ننتقل إلى نقطة أخرى ومهمة: عندما سمعت إعلان الانفصال، ماذا كان موقفك؟

أبو إصبع: أنا موقفي منذ البداية، وتحدثت في إب والحرب لم تبدأ بعد، أمام علي عبدالله صالح، وقلت: أي شخص يعلن الانفصال، أنت أو علي سالم البيض، سوف نطلق عليه الرصاص. نحن مع الوحدة، وسنصحح هذه الوحدة، وكل المسؤولين السيئين يمكن تغييرهم.

أنا بعد الحرب، وأنا في مجلس النواب، طلعني يحيى القديمي، مدير الأمن السياسي في إب، بحراسه. طلعت وخطبت في مجلس النواب بعد أن هجموا على البيوت، والنهب والسلب على أشده، وقلت بالحرف الواحد: "لا رحمك الله يا علي سالم البيض، تركتنا يا نذل، يفقس القمل برؤوسنا" . لقد نهبوا حتى مكتبة جار الله عمر.

رحمة: دعنا الآن نتحدث عن الحرب. انتهت حرب 94، دخلت اليمن في مأزق آخر. هل يمكن باختصار أن تتحدث عن ما الذي خلفته الحرب على اليمن والسلام، ولا زالت آثارها حتى اليوم؟

أبو إصبع: بعد هذه الحرب بأربعة أشهر عملنا دورة اجتماع استثنائية موسعة للجنة المركزية، وانتخبنا علي صالح عباد مقبل أمينًا عامًا بعد علي سالم البيض، وبدأنا العمل على هذا الأساس.

أما الحرب، لو أردت أن أقول لك ما حدث، سأنقلك إلى قضية في 2007 حتى أقول لك ماذا حدث في الجنوب. بدأ الحراك الجنوبي والاعتصامات. شكّل الرئيس علي عبدالله صالح لجنة، برئاسة صالح باصرة وعبدالقادر هلال وغيرهم، وسلموه تقريرًا مهمًا وخطيرًا جدًا، وقالوا له بالحرف الواحد: هناك 17 شخصًا، معظمهم من سنحان، نهبوا الجنوب وأراضي الجنوب ومصانعه وكل ما في الجنوب. إما أن تعود هذه الممتلكات للجنوبيين، وإلا فإن الوحدة في خطر.

رحمة (مقاطعة): أنا حاورت الأستاذ صالح باصرة، وقال إنه سلّم الملف للرئيس هادي.

أبو إصبع: هذه مغالطة، والملف سُلِّم لعلي عبدالله صالح، ومن نقل لنا هذا الكلام يحيى سرحان، وأكده عبدالقادر هلال.

بعد ذلك شكّل الرئيس لجنة لمعرفة المظالم في الجنوب، لجنة جديدة برئاسة سالم صالح، وصادق أمين أبو رأس نائبًا له، والوزراء، وما يقارب 60 شخصية. وسافرنا إلى الجنوب، وعملت أنا تقريرًا ونشرته في مذكراتي. يقول هذا التقرير: كم عدد الأراضي  التي نهبوها والمصانع التي نهبوها وخصخصوها بأبخس الأثمان، وعدد الموظفين الذين ارتموا  إلى الشوارع من موظفي الدولة والقوات المسلحة وأفرادها.

رحمة: أستاذ، أنت قد ذكرت أنه تم النهب، وتقرير باصرة يشهد بأنهم نهبوا، وأغلبهم كانوا من سنحان، وهذا الأساس. ثم دخلنا في مشكلة ثانية، أولاً  أنه تشكّل اللقاء المشترك في 2003، وهذا شكّل تحولًا جديدًا. هل يمكن أن تحدثنا عن هذا التحول الجديد الذي شكّله وجود اللقاء المشترك؟

أبو إصبع: سأمهّد لك حول هذا الموضوع. كان الإصلاح والمؤتمر شيئًا واحدًا أيام الحرب وبعد الحرب، وفي 1995-1996 بدأت الخلافات فيما بينهم. بدأ المؤتمر بتقليص نفوذ الإصلاح، ثم جاء الإصلاح إلينا في 1997 وقالوا نقوم بعمل لقاء مشترك. هم على أساس يضغطون على عبدالله صالح  من  أجل الانتخابات 97، وكان أول لقاء مشترك استمر ثلاثة أو أربعة أشهر، وكان في أوائل 1997، ووثيقته موجودة لدي وهي مهمة جدًا. ثم جاءت الانتخابات ودخلوا مرة أخرى مع علي عبدالله صالح، وعندما جاء جار الله عمر في 1997 بدأ العمل بكل موضوعية وبكل قدراته وإمكانياته إلى عام 2000، وهنا تم تشكيل وإعلان اللقاء المشترك، وليس 2003. وجار الله عمر كان مهندس اللقاء المشترك، وكان منطلقًا من فكرة أن اليسار لا يستطيع لوحده أن يرغم علي عبدالله صالح على المصالحة أو التوافق أو الشراكة، والإصلاح كانوا قد دخلوا مع المؤتمر بصراع.

رحمة: وظلت علاقتكم بالإصلاح جيدة إلى عام 2009، عندما عملتم اتفاقية الأحزاب، وقيل إنها وثيقة مهمة قد تُخدّم اليمن في الوقت الحالي، خصوصًا فيما يتعلق بقانون السلطة المحلية.

أبو إصبع: نحن مع الإصلاح شكّلنا أولًا لجنة تحضيرية من أجل الإعداد لوثائق اللقاء المشترك، وتم إصدار البرنامج السياسي للقاء المشترك، ثم النظام الداخلي، ثم وثيقة العمل اليومي. هذا كان في 2009، وبعض ذلك استمرّينا فيه. وكان اللقاء المشترك منتشرًا في كل مكان، على مستوى المدن ومستوى القرى، واستطاع الاشتراكي والإصلاح أن يترفعوا عن الحساسيات والثارات والذكريات الأليمة التي فيها موت واغتيال، وتَصوّري أنهم كانوا على قلب رجل واحد من أجل الأهداف المعلنة في وثائق اللقاء المشترك، وخاصة البرنامج السياسي في بناء دولة النظام والقانون والعدالة الاجتماعية والمصالحة الوطنية، إلى آخره.

رحمة: بعد ذلك جاءت 2011، وعمدت هذا الاتفاق ما بين الأحزاب السياسية. هنا نستطيع أن نتحدث عن أخطاء الرئيس صالح مثلًا، ووحدة الأحزاب السياسية المناهضة للرئيس صالح.

أبو اصبع: في 2011 كان الربيع العربي، وكان قد بدأ في تونس ومصر، وتحرك الحزب الاشتراكي في اجتماع في تعز، وخرج بتظاهرة إلى الشارع يدعو إلى إسقاط النظام في 11 فبراير. ولهذا التوقيت جاء من تحرك الاشتراكي في تعز، وفي اليوم الثاني في صنعاء، يوم 12 فبراير، تحركت توكل كرمان بكل قوة وجرأة وشجاعة غير مسبوقة، ومعها أربعة من الاشتراكي: ميزر الجنيد، وفائز نعمان، وسامية الأغبري، وبسام الحداد، ومن الناصريين فخر العزب، ومن الإصلاح خالد الأنسي. هؤلاء تحركوا مع توكل كرمان من اليوم الثاني عشر، وبدأوا بتجميع الناس، ويخرجونهم من الدكاكين، ويذهبون إلى المدارس. ولم يأتِ بعد ثلاث إلى أربع مرات إلا وتوكل كرمان تقود مسيرة ومظاهرة من أكثر من 2000 شخص. توكل كرمان، للأمانة والتاريخ، كانت أقوى شخصية وأقوى قيادة في الثورة الشبابية الشعبية؛ لا تخاف ولا تهاب، رغم أنها في البداية اختلفت مع الإصلاح، بل إن رضوان مسعود، رئيس الاتحاد الطلابي لحزب الإصلاح، خطب في بداية الثورة ضد توكل كرمان، وقال إنها لا تمثل الإصلاح. وأنا رأيت توكل كرمان في رابع يوم، وقالت لي: «أين أنتم يا لقاء يا مشترك؟» أخبرتها بأن لدينا اجتماعًا، وطلبتُ منها أن تأتي إلى اللقاء، وأتت ودخلت ولديها زهور، ووزعته لنا، وتكلمت عن اللقاء المشترك. ونحن والشباب، أيّدناها:  كنت أنا، وحسن زيد، وسلطان العتواني، ومحمد صالح النعّيمي، ونايف القانص؛ جميعنا صوّتنا معها.

ثورة ١١ فبراير

رحمة: لدي سؤال. أنت تحدثت عن كيف توكل كرمان امرأة قوية وجريئة، وهي التي قادت الساحات إلى هنا، تمام. ولكن أنتم متهمون كأحزاب جميعًا بما في ذلك صديقك الحكيمي، أنكم طعنتم ثورة الشباب وتآمرتم عليها، وخاصة حزب الإصلاح.

أبو إصبع: لا تستعجلي. المهم، توكل كرمان لم تخرج إلا وفي اليوم التالي طلب عبدالوهاب الآنسي أن يرجع إلى حزب الإصلاح، ووافقوا، وصدر بيان بانضمام اللقاء المشترك إلى الثورة الشبابية الشعبية. واستمرت الثورة، وأذكر في إحدى المرات ونحن نقود مسيرة في شارع الزراعة، مرت رصاصة واخترقت غترتي، ورصاصة أخرى دخلت في رقبة أحمد القميري، عضو الهيئة العليا للإصلاح، وهو من أفضل رجالات الإصلاح واليمن، وهو الذي طالب بعد حرب 1994 بشهرين أو ثلاثة بإعادة الحزب الاشتراكي وممتلكاته، وكاد الإصلاح أن يفصلوه. وفي اليوم الثاني قدنا مسيرة في الستين، ووصلنا إلى عصر أمام وزارة الخارجية، وأحضروا لنا ناقلات مياه تحتوي على مياه ملوثة من المجاري وساخنة جدًا، ورمونا بها. وأذكر أننا جميعًا هربنا، وتوكل كرمان وقفت وهم يرمون عليها بالمياه القذرة، وهي واقفة تهتف، والجميع انسحب. وتوكل  كرمان  للأمانة وبغض النظر انها من الإصلاح، ولكن هذه شهادة للتاريخ.

توكل  كرمان مع شباب ثورة  فبراير

ولا أنسى معها سامية الأغبري من الحزب الاشتراكي اليمني، ولم تكن تفارقها أبدًا. وهنا بدأت عسكرة الثورة بوجود الفرقة، وبدأوا يأخذون وجهًا لوجه الفرقة هنا والحرس  الجمهوري هنا وكان يحدث تبادل إطلاق النار، خصوصًا في شارع الزبيري. أنا أكثر من مرة يُرمى عليّ الرصاص، ليست مقصودة، ولكن كانت بصورة عشوائية. أتذكر مرة عدت إلى البيت وأخذت سيارة شخص اسمه زَبارة، واشترط عليّ أن يأخذ أجرة السيارة ضعفين. قلت له: كم تريد؟ قال: 2000. فانطلقت رصاص، ولا نعلم من أين، هل من جماعة علي محسن أو جماعة علي عبدالله صالح، ولكن أُصيبت السيارة، والحمد لله لم أُصب أنا ولا السائق.

سامية الاغبري اثناء  مشاركتها بثورة فبراير

رحمة: هذا يعني أن الأسوأ من تدخل الأحزاب هو عسكرة الثورة.

أبو إصبع: الثورة الشبابية الشعبية من ميزاتها الآتي:

أولاً، رفعت كل الشعارات السلمية.

ثانياً، تلقت الرصاص وغيرها دون أي رد، ولم تسمح لأي شخص أن يحمل السلاح.

ثالثاً، جمعت القبائل والمواطنين من تعز وحجة وصعدة والجوف وحضرموت، ومن كل مكان، على قلب رجل واحد في الساحات، جميعهم يهتفون للثورة.

رحمة: دعنا الآن نتحدث عن المبادرة الخليجية؟ وسفركم الى السعودية

أبو إصبع: طلبوا منا أن نذهب؛ من كل حزب اثنين، والمؤتمر ثلاثة. وقالوا: أنا وياسين سعيد نعمان من الحزب الاشتراكي، والمؤتمر ثلاثة، والإصلاح ثلاثة، والآخرين من واحد واحد.

وصلنا إلى مطار صنعاء، ووجدت من المؤتمر حضروا من الستين إلى 80 شخصاً. سألناهم: أين ستذهبون؟ قالوا: إلى السعودية لنحضر الاجتماع. قلنا لهم: أنتم لستم مطلوبين. قالوا: لن نتم. حاولنا مراجعتهم ومراجعة سلطان البركاني، ولكنهم رفضوا. وقالوا: لن نسمح للطائرة أن تقلع إلا حينما تأتي طائرة جديدة. وبعد ذلك أمسكنا المؤتمريين وقلنا لهم: ما الذي حدث لكم؟ قالوا: سيسلمون لكل شخص 10,000 دولار، ونحن بأمسّ الحاجة لهذه الفلوس. قلنا لهم: من قال لكم هذا الكلام؟

سلطان البركاني

المهم، السعودية أحضرت طائرة إضافية، وسمحوا للوفد أن يقلع لوحده، أمناء العموم، ونحن وآخرونا مع المؤتمر الشعبي واخذونا  بطائرة خردة لا يوجد بها كراسي، ونوافذها مغلقة.

وصلنا إلى السعودية، وجاءت لنا الباصات إلى داخل المطار. نحن والـ 80 فرداً من المؤتمر الشعبي العام، و كانت الباصات كانت مظلمة و لا توجد بها نوافذ. وصلنا إلى عمارة من ثلاثة أدوار، باردة كالفريزر،11 ساعة شعرنا فيها بالموت؛ لا أحد يرانا، ولا أحد يغلق مكيف التبريد. ودعونا بعدها الساعة 5:00 صباحاً، وأخذونا إلى قاعة حيث يوجد الفطور، وأطعمونا لحم «أي كلام». ثم أخذونا بطائرة بنفس الطريقة الأولى، ووصلنا إلى مطار صنعاء لا نعرف ما الذي جرى، وإذاعات العالم أذاعوا الاتفاقية ونشر كل شيء، ونحن لا نعرف شيئاً.

رحمة: هذا يعني أنك لم تقرأ المبادرة، ولا وقّعت عليها كحزب اشتراكي؟

أبو إصبع: الدكتور ياسين سعيد نعمان هو من قام بالتوقيع عليها، وسأحدثك ما الذي حدث بعد توقيع المبادرة الخليجية.

أول بيان صدر ضدها كان من أنصار الله في الساحة، من خالد المداني مسؤولهم في ساحة التغيير، واعتبرها خيانة وضياعاً للثورة. ثاني بيان صدر من توكل كرمان وجماعتها ضد المبادرة الخليجية.

ياسين سعيد نعمان

ثالث بيان أو موقف صدر منا، أنا ومحمد صالح النعيمي ونايف القانص ومحمد قحطان، ونحن باسم لجنة اللقاء المشترك في الساحات. أنا كنت رئيس اللجنة، ومحمد قحطان نائباً، والآخرون كانوا أعضاء. وأصدرنا بياناً أننا ضد هذه المبادرة، ولكن المبادرة مشت، وبدأت المشاكل داخل الساحات.

محمد قحطان

رحمة: الآن، وبعد توقيع المبادرة، ألا يُعدّ ذلك اغتيالاً لفكرة أنها ثورة؟ الثورة انتهت بمبادرة واتفاق سياسي، وكأنها كانت مظاهرات سياسية.

أبو إصبع: ليس هذا وحسب. هذه المبادرة من عجائبها التي يتفكر الإنسان في صياغتها؛ لأن الذي صاغها علي عبدالله صالح، واتباعه اخذوها الى السعودية، ودول الخليج.

اولا إنها تنقل السلطة إلى نائب الرئيس من المؤتمر الشعبي.

ثانياً، لا يُساءل علي عبدالله صالح، لا هو ولا كل من شارك معه في الحكم طوال فترة حكمه.

رحمة (مقاطعة): ولكن أنتم من وافقتم عليها ووقّعتم كحزب اشتراكي. لماذا وافقتم وهي لصالحه؟ كان يفترض عليكم رفضها.

أبو إصبع: هم وقّعوا، ونحن لسنا قيادات رئيسية. وأنا هنا أريد أن أقول لك أهم ما جاء في المبادرة، ولماذا شكّلت قضاءً على الثورة:

لأنها لا تحاسب النظام ولا الفاسدين، بل انها قدمت الحصانة القضائية والدبلوماسية لعلي عبدالله صالح  وكل من حكم معه.

علي عبدالله صالح ـ رويتز

ثالثاً، تشكّل حكومة مناصفة من المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك. أحزاب اللقاء المشترك في الشارع، والمؤتمر الشعبي هو الدولة؛ جعلوا اللقاء المشترك كالكوز، لا يقدّم ولا يؤخّر.

رحمة: بعد ذلك جاءت حادثة دار الرئاسة. حدّثني: كيف تلقيت الخبر، وبكل صراحة؟

أبو إصبع: أنا كنت في منطقة، حيث توجد جامعة العلوم والتكنولوجيا، وقت الظهر. كنت أنا ونايف القانص ذاهبين للغداء عند أحد أصدقاء القانص، ومعنا حسن زيد ومحمد النعيمي. وكنا نشاهد الساحة من الجبل، ثم قال أحدهم: انظروا إلى الرئاسة. ورأينا الدخان.

تفجير جامع الرئاسة

بعد ذلك جاءت لنا الأخبار أنه وقت صلاة الجمعة تم استهداف الرئيس وجماعته. وكان الخبر بالنسبة لي شخصياً يعتبر عملاً إجرامياً واغتيالاً سياسياً، ومن نفذه إنما أساء للثورة وللشعب اليمني، وأراد أن يدخلنا في مشاكل واغتيالات، وثارات لا أول لها ولا آخر.  هذا الفعل خرب علينا أشياء كثيرة، وحوّل علي عبدالله صالح إلى شخص مظلوم.

رحمة: وشوه سمعة الثوار خصوصاً بعد ان خرجوا للاحتفال.

مشاهدينا، بقيت الحلقة الأخيرة من حوارنا مع الأستاذ يحيى منصور أبو إصبع. سنتحدث عن اتفاق السلم والشراكة، وسيطرة أنصار الله على صنعاء، وعاصفة الحزم، وما ترتب عليها حتى الآن، وما هي خارطة الطريق للمستقبل، وماهي رؤية الاستاذ يحيى  لسلام عادل.. نلقاكم في الحلقة القادمة.

ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة(اضغط هنا)

الكلمات الدلالية