صنعاء 19C امطار خفيفة

عبدالحافظ هزاع.. اسم لا يغيب

عبدالحافظ هزاع.. اسم لا يغيب

لولا أن الأخ والصديق عبدالباري طاهر كتب عنه قبل شهر من الآن، في 21 ديسمبر 2025م، وأحسن الذكر الحسن عنه وعن نضاله، لما عرفنا عن رحيله، ولا من هو عبدالحافظ هزاع، ولا اقتباسًا من سيرته ونضاله، وبخاصة مكانته في مجموعة «الماركسيين المستقلين»، وقيادته للمجموعة فرع القاهرة. وعندي أن هذا كان بعد أن غادر سيف أحمد حيدر القاهرة أواخر صيف 1966م، بعد قليل من تعرفي عليه التعرف الجميل والواسع.

كان سيف أحمد حيدر هو من عرفني صيف 1966م، أثناء عدد من جلسات لم تنقطع منذ وصولي القاهرة والتحاقي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة. فعرفت فيه شخصًا واسع الثقافة والتجربة السياسية، ولكن الأهم أني عرفت فيه شخصًا هو كله الصدق وكله الخلق الجميل؛ فلم يضع بينه وبيني أية فواصل، وجعلني أحس بأن معرفتي به تمتد قديمًا، وأنه أخ كبير.
كنت، وأنا الناشط البعثي اليساري الذي لا يقر له قرار، سعيت منذ لحظة وصولي القاهرة ـ وعلى صغر سني قياسًا بأقراني البعثيين في القاهرة ـ إلى إعادة بناء منظمة البعثيين اليمنيين الطلابية في القاهرة. واستغرق مني هذا جهد العام الدراسي الأول، الممتد حتى صيف 1967م. والعجيب أن سيف أحمد حيدر كان أول من أعانني ـ بوضوح وتفصيل وصدق ـ على هذا؛ فهو أول من عرفني بأسماء البعثيين الطلاب اليمنيين في مصر، بمثل ما عرفني بأهم أسماء الماركسيين اليمنيين في مصر، والذين كان أكثر ما يتم تكنيتهم به إلا اسم (جماعة سيف). ومن سيف حصلت على فكرة كافية عن المنظمة البعثية المصرية ـ (قطر مصر) ـ فقد كان سيف هو همزة الاتصال بينهم وبين القيادة القومية في سنوات سابقة. ومن سيف عرفت أهم الأسماء القيادية التي تبلورت مع عام 1957م قيادةً للمنظمة المصرية: [د. جلال أحمد أمين، الدكتور علي مختار، رجاء النقاش، أحمد بهاء الدين، أحمد عبدالمعطي حجازي].
ومن سيف تعرفت على عدد من الأسماء سعيت إليها وتعرفت على أشخاصها؛ كانوا قد تكونوا كمحكسيين مستقلين قبل وصولي، ممن يدرسون في القاهرة. وكان أبرزهم زين السقاف، وكان في البعث، وعبدالقوي العبسي، وكان في الأصل ماركسيًا قديمًا. فعرفت فيه موسوعة من المعارف، وموسوعي التفكير، من الصعب أن يحتويه أي تنظيم. وكان عبدالحافظ هزاع أحد شخصيات (جماعة سيف)؛ غادر حركة القوميين العرب، وبدا لي أنه أهم فاعل بين الماركسيين المستقلين في القاهرة، والذي ثابرت على لقائه، سواء بشكل ثنائي أو كممثل لجماعة في عضوية لجنة الحوار والتنسيق من الفصائل الطلابية اليمنية في مصر، والتي تشكلت بعد جهود طويلة مع العام 1969م. ولم تنقطع علاقتي به، التي استمرت وتعمقت حتى مغادرتي القاهرة صيف 1971م.
وقد صقلت شخصية عبدالحافظ هزاع فترةُ عمله عاملًا مغتربًا في السعودية في فترة ما قبل ثورة 26 سبتمبر 1962م وقيام الجمهورية العربية اليمنية؛ فهي ثلاثة أحداث نوعية في حياته: العمل اليدوي لكسب العيش على نفسه وأسرته، معجون بالإغتراب والهجرة، هذا الميسم الغائر في الشخصية اليمنية بندوبها وآلامها وذكرياتها، التي كانت تنفث كجمل اعتراضية تتخلل أكثر أحاديثه جدية؛ والثورة والجمهورية، كفارس مخلص للشعب اليمني من آلام قرون الظلم الإمامي، ودورها في ابتعاث هوية التحرر الوطني اليمني الجديد، وإطلاقها مناخ التهيئة والإسناد لثورة 14 أكتوبر 1963م. وكلاهما محل الاعتمال الفكري والسياسي للوسط الطلابي حينها في قاهرة عبدالناصر وثورة 23 يوليو، والتي كانت يوم وصلتها صيف 1966م وسنوات الدراسة الجامعية في جامعة القاهرة، التي شملتني وعبدالحافظ هزاع، موضع الحديث والسجال الأهم في حياتنا الطلابية جنبًا إلى جنب، وربما أكثر مما تستأثره الموضوعات الدراسية والعلمية.
اتخذت (جماعة سيف)، أو (الماركسيين المستقلين)، ككتلة حزبية وفكرية ـ سياسية في تلك الفترة في القاهرة، وزنًا ملحوظًا بين التيارات الحزبية للوسط الطلابي اليمني. وقد لاحظت أنها تفوق عدد المنتمين لاتحاد الشعب، رغم أن الرائد الأول للفكر الماركسي في اليمن عبدالله باذيب قد حل في العاصمة الناصرية. والملفت أني إنما تعرفت عليه عند واحد من «الماركسيين المستقلين»، طالب كلية الطب الصديق (أحمد سلام الحكيمي)، في حي (الدقي). وكان هذا له مغزاه الواضح عندي على أنه يتخذ موقفًا منفتحًا من هذا التيار الماركسي الجديد. كما تناوب سكنه بين منزل الطالب (أحمد سلام الحكيمي) ومنزل طالب كلية «التجارة» (عفيف عبدالله السقاف) في حي (العجوزة)، الذي غادر حزب (البعث) والتحق بـ(حزب اتحاد الشعب). سنلاحظ أنه لم يدم بعد التخرج أثناء عمله في (عدن) بعد استقلال اليمن الديمقراطية؛ فقد أثر فيه الأستاذ عمر الجاوي، وانتمى إلى حزب العمال والفلاحين، وتاليًا إلى (حزب العمل اليمني)، وبعد الوحدة اليمنية (مايو 1990م) صار في (حزب التجمع).
ولم تنجح محاولات الصديق حسن علي مجلي، الذي كان من طلاب اليمن صيف 1966م، وكان ناشطًا عظيمًا لحزب اتحاد الشعب، في التأثير على طلاب هذا التيار الماركسي الجديد؛ أقصد (الماركسيين المستقلين)، حين اتخذ سكنه في شقة (عبدالصمد القليسي وأبناء «الشرعي») في شارع «المساحة» بالدقي. فلما آيس منهم انتقل للسكن في المدينة الجامعية لجامعة (القاهرة).
وقد كان ليأسه أساس؛ إذ كان عدد هذا التيار الجديد يبدو إلى تزايد. فعدا سيف أحمد حيدر، الذي غادر بعد التخرج، وزين السقاف، الذي طردته المخابرات المصرية متوهمةً أنه ناشط بعثي، أو عبدالقوي العبسي، كنت ألاحظ عددًا جديدًا بجانب من التحق بهذا التيار. فهناك، كما أسلفت، طالب الطب (أحمد سلام الحكيمي)، وهناك زملائي في كلية «الاقتصاد والعلوم السياسية» ـ «جامعة القاهرة»: علي عبدالكريم ـ قسم الاقتصاد، وعبدالله حميد العلفي ـ قسم الإحصاء ـ، ومحمد المساح في كلية الآداب، جامعة القاهرة، قسم صحافة، وعبدالله بيدر، وكان أصغرهم سنًا في المرحلة الثانوية، إضافة إلى أربعة من أبناء الشرعي، وآخرين.
وهذا العدد الجديد من المنتمين لـ(جماعة سيف) بعد تخرجه إنما يُحسب أثره في جزء هام لدور وتأثير عبدالحافظ هزاع.
كانت وثيقة «بعض المنطلقات النظرية» للمؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي 1963م، ثم حركة 23 شباط/فبراير 1966م، التي طوت صفحة الخلافات المريرة مع عبدالناصر، منطلق حديثي مع سيف ثم زين في أواخر صيف 1966م، حين قلت لسيف أحمد حيدر في لقاءاتي معه في قهوة «أسترا» بميدان التحرير لمدينة (القاهرة): إنكم استعجلتم. وتمنيت عليه وعلى المجموعة لو كانوا تريثوا ـ [حينها كانت آمالي عريضة في حركة 23 شباط] ـ وكأن الأخ سيف يوافقني بصورة ما، حين أجاب أنه طلب من أحمد عبدالعزيز سمارة العريقي ـ وكان قد حل محل الأستاذ عبده علي عثمان في المسؤولية ـ الوثائق الداخلية لحركة 23 شباط، فزودته بها في نفس اليوم. فدارت على أساسها في اللقاء التالي أحاديث معه، واتصلت مع زين السقاف، ثم مع عبدالحافظ هزاع، وبالتوازي مع عبدالله حميد العلفي، عن تلازم الطبقي بالوطني والقومي، وعن الحاجة إلى وحدة الحركات القومية الكبرى: عبدالناصر، والبعث، وحركة القوميين العرب، والأحزاب الماركسية، وثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، ومغازي دعوة عبدالناصر لمؤتمرات القمة العربية منذ يناير 1964م، ومكانة السعودية الجديدة التي تميزت بها في العلاقة مع عبدالناصر، لا سيما على ضوء اتفاقية جدة بين عبدالناصر وفيصل 1965م. كل ذلك في أساس حوارات غنية وهادفة ومفيدة وعملية لوحدة الحركة الطلابية اليمنية، وكذلك لوحدة الحركة الوطنية اليمنية، وبآفاقها اليسارية. وكانت زاوية خاصة في النقاش قد أخذت مكانها منذ الوهلة الأولى مع الأخ سيف أحمد حيدر، واتصلت مع زين السقاف وعبدالحافظ هزاع وعبدالله حميد العلفي، حول تسمية التيار الجديد؛ فهل يوجد ماركسي مستقل؟ والتباس التسمية.
كان التحسن السريع في علاقة قيادة حزب البعث الجديدة في دمشق بعد 23 شباط 1966م مع عبدالناصر يبدو ثوريًا، ويبعث آمالًا عريضة لتطوير حركة التحرر العربية، خصوصًا وأن أبرز قادة حركة شباط 1966م (الرئيس الأتاسي، ورئيس الحكومة زعين، ووزير الخارجية، الذين شاركوا كأطباء لسنوات في جبال الجزائر) كانوا جزءًا أصيلًا من جبهة التحرير الجزائرية، وبصورة خاصة عند الرئيس هواري بومدين وأقرانه قادة حزب جبهة التحرير الجزائرية. كل هذا قد أبرز مشهدًا عربيًا تقدميًا، وجبهة عربية قومية تقدمية يمكن أن تمثل قاطرة للمستقبل العربي الجديد.
قام عبدالحافظ هزاع بدور مميز في تنشيط الحوار بين فروع تنظيمات ومجموعات الماركسيين المستقلين، ويسار البعث، والجبهة القومية، وحركة القوميين العرب، وتاليًا الحزب الديمقراطي الثوري اليمني في القاهرة. وتم التوصل إلى لجنة للحوار كانت شبه مستقرة ومنتظمة، نجحت بصورة ملحوظة في دعم القائمة الانتخابية الطلابية لانتخابات رابطة الطلبة اليمنيين، التي تصدرها طالب الاقتصاد ياسين سعيد نعمان وطالب الطب عبدالملك الإغبري، أواخر العام 1969م.
وبعد التخرج لم تنقطع الصلة في مدينة صنعاء بالأخ عبدالحافظ هزاع خلال العامين 1971م و1972م، ولكن بصورة عفوية، في لقاءات عفوية تتم في ميدان التحرير، أو أحيانًا في المقيل الأسبوعي للعميد غالب الشرعي في منزله بحي بستان السلطان. أخذت سحابة قلق تغشى تفكير الفقيد عبدالحافظ هزاع على مستقبل العمل السياسي الديمقراطي، جراء انطلاق أعمال العنف في المناطق الوسطى من الجمهورية العربية اليمنية. وكان عبدالحافظ هزاع محقًا، وكان رأيه لا يختلف في الجوهر عن الرأي الذي بلورته وثائق حزب الطليعة الشعبية اليمني في الجمهورية العربية اليمنية في مؤتمره الأول، يناير 1973م، بأن الكفاح المسلح في اليمن الشمالي لا تتوفر له شروطه، وأنه يقطع الطريق أمام أشكال النضال الضرورية والممكنة.
وتضاءلت فرص اللقاء بالأخ عبدالحافظ هزاع شيئًا فشيئًا، حتى غاب أو كاد عن الأنظار. لكن دور عبدالحافظ في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية، وتاريخ اليسار بالذات، يجعله علمًا مؤسسًا..
علم لا يغيب، واسم لا يغيب.

الكلمات الدلالية