قراءة عابرة في الوضع اليمني لبضعة عقود
عانت اليمن منذ عقود ـ حسب مراقبين ـ من الحيف والجور، والبؤس من رأس النظام وجلاوزته؛ إذ لم يُحسنوا التصرف في إمكانيات ومقدرات البلاد لصالح الشعب، وإنما استثمروها لصالحهم ليزدادوا ثراءً فوق ثرائهم. كما وقعوا في هفوات وسقطات وخيمة، منها: الفساد، والتدمير الممنهج للاقتصاد، وبيع وتأجير ممتلكات الشعب، وتحويل السواحل إلى مكبات للنفايات السامة مقابل حفنة من الدولارات. كما تُركت الجزر والموانئ لمن هبّ ودبّ دون رقيبٍ عليها.
للأسف الشديد، ينهي الطالب دراسته الأكاديمية في الجامعة، وليس له علم بتاريخ بلاده وإسهامها الحضاري، وأهميتها الاستراتيجية، ولا أعتقد أيضًا أنه على دراية بأسماء ومواقع معظم جزرها وموانئها ومدنها.
في واقع الأمر، إن اليمنيين طيلة مسار التاريخ يأبون الضيم والعسف، وإذا بهم خلال عقود يخضعون للقبائل المبندقة، وقطاع الطرق، ونهّابي الأراضي تحت تهديد السلاح.
وما زاد الطين بلّة، أن الحكومات المتعاقبة منذ عقود كرّست وجودها في عسكرة المدن، وظلمت الناس، وتركت الحدود البحرية والجوية والبرية مفتوحة على مصراعيها لطمع الطامعين إقليميًا ودوليًا. قِس على ذلك أن البيئة الاستثمارية في اليمن تُعد دوليًا طاردةً للمستثمرين، مما جعلهم يغادرون اليمن إلى بلدان أخرى قابلة للاستثمار، ناهيك عن أن هذه الجماعات لا تكتفي بما تكتنزه من أموال اليمن المنهوبة والمودعة في المصارف الخارجية، ولا تتعرض للمحاسبة نتيجة القضاء المشلول.
حقيقة الأمر، مرّت السنين ثقيلةً وكئيبةً على الشعب اليمني؛ إذ بقي 85% من السكان يرزحون تحت وطأة البطالة والفساد والمرض، حتى قيّض الله الفرصة لشباب الأمة العربية الأفذاذ في عام 2011م للخلاص من الأنظمة العميقة بقيام ثورات تصحيحية، بغية الخروج من عباءة التوريث (الجمهوريات الملكية) والفساد المستشري، إلا أنها جوبهت بالقوة المفرطة. لكنه، بعد تضحيات جسام، هوت الأنظمة العميقة دون رجعة، وبقيت الثورات التصحيحية متجددة حتى تحقق أهدافها المنشودة.
وفيما يتعلق بالشأن اليمني، ساد عدم الاستقرار أربعة عشر عامًا، أعقبه مؤخرًا بزوغ فجر جديد للخلاص من وطأة الميليشيات الانفصالية التي سيطرت على جزء كبير من مساحة اليمن بدعم دولة الإمارات ماليًا ولوجستيًا. وما يثير الاستغراب أن الإمارات عضو في التحالف العربي لدعم الشرعية.
ويحضرني هذا البيت من الشعر:
"المستجير بعمرو عند كربته
كالمستجير من الرمضاء بالنار"
وبجرأةٍ قلّ لها نظير، تمكنت الميليشيات من إحكام سيطرتها على مساحة كبيرة من الجمهورية اليمنية، تشمل جزرها ومدنها وموانئها؛ امتدت من مدينة عدن حتى حضرموت والمهرة، خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2025م ومطلع 2026م، بمساندة إماراتية حتى آخر لحظة، وبهدف إعلان الانفصال والتطبيع مع إسرائيل تحت مسمى "دولة الجنوب العربي"، مما يشكل خطورة على الأمن القومي العربي.
حقًا، إن تلك التصرفات حدثت متجاوزةً رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد محمد العليمي، والتحالف العربي الداعم للشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، فضلًا عن انتهاك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن القاضية بالحفاظ على سيادة اليمن وأمنها واستقرارها ووحدة أراضيها.
محكم القول، إن الله يمهل ولا يهمل، وإذا بكل مسؤولي الميليشيات الانفصالية وراعيها معًا قفلوا راجعين من حضرموت والمهرة، يجرّون أذيال الهزيمة أمام العالم أجمع.
وبتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد محمد العليمي، تفضلت المملكة العربية السعودية، قائدة التحالف العربي لدعم الشرعية ـ مشكورة ـ باستضافة المكونات الجنوبية للحوار الوطني في الرياض؛ لإيجاد حل لقضيتهم، ولما هو في صالح اليمن وأمنها واستقرارها.
وختامًا: البدار، البدار، لتوحيد الصفوف وبناء اليمن على أسس ثابتة؛ فخير الله وفير، والعودة للصواب أثير. والله على ما نقول وكيل.