صنعاء 19C امطار خفيفة

اليمن وسوريا في ميزان التحولات الدولية.. إعادة تدوير الأزمات

تتسارع الأحداث اليوم في اليمن وسوريا على نحو لا يمكن فصله عن التحولات الدولية الكبرى، حيث لم تعد المنطقة تتجه نحو الإعمار والتنمية، بقدر ما تنزلق إلى إعادة إنتاج الأزمات بأدوات أكثر تعقيدًا. لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده، بل عبر الحروب الاقتصادية، وخرق الاتفاقيات، وإعادة تدوير الفوضى، وتأجيل الحلول الواقعية، في إطار دولي بات يرى في الأزمات المفتوحة وسيلة ضغط أقل كلفة من الاستقرار، وأرخص من ضخ المليارات في مشاريع تنموية حقيقية، بخاصة حين تُوزَّع الموارد على نخب سياسية في سوريا واليمن على حد سواء.

كما لم يعد ممكنًا الحديث عن عودة الحكم المركزي كما كان قبل الحرب. الجغرافيا تغيّرت، ومراكز القوة توزّعت، وأية محاولة لفرض مركزية قسرية لن تعني سوى الذهاب مباشرة نحو حرب جديدة، مهما تغيّر الخطاب أو تبدّلت التحالفات فالحل الفيدرالي اليوم هو الحفاظ لى وحدة الدول، بالذات التي تشظت وأصبحت مناطق رمادية.
لم يكن الأكراد في سوريا يمثلون هامشًا في الصراع، بل كانوا في طليعة من واجه تنظيم داعش، وقدّموا تضحيات حاسمة تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية، وبدعم دولي واضح.
عودة كثير منهم إلى مناطقهم خلال سنوات الحرب، لم تكن تفصيلًا ثانويًا، بل تعبيرًا عن تحوّل ديموغرافي وسياسي تاريخي عميق، فتحويلهم اليوم إلى "مشكلة أمنية" أو التعامل معهم كعبء سياسي عبر خرق الاتفاقيات، لا يلغي وجودهم ولا دورهم، بل سيزيد الأزمة السورية، ويفتح الباب أمام جولة جديدة من العنف.
من جهة أخرى، يبدو أن التدخل التركي المتجدد يزيد المشهد تعقيدًا، بدافع الخوف من تشكّل كيان كردي مستقر على حدودها، وهو تدخل لا يؤجّل فقط أية تسوية حقيقية، بل يعيد إنتاج منطق الصراع المفتوح.
المفارقة أن تركيا نفسها عرفت في مرحلة سابقة مقاربة أكثر عقلانية، حين طُرحت رؤية عبدالله أوجلان الداعية إلى التخلي عن السلاح والانخراط السياسي، وهي رؤية كان يمكن أن تشكّل أساسًا لدمج الأكراد في سوريا والعراق وتركيا ضمن مشروع سياسي فيدرالي تنموي آمن، لا انفصالي ولا عسكري.
في المقابل، يجري افتعال الأزمات في سوريا عبر خرق اتفاق مارس مع قوات سوريا الديمقراطية، وعبر تفاهمات متناقضة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، هدفها حماية مصالح مرحلية لا بناء دولة. هكذا تتحول الاتفاقيات إلى أدوات لإدارة الصراع، بدلًا من أن تكون جسورًا للانتقال نحو الاستقرار.
يتقاطع هذا المسار مع سياسة أمريكية باتت أوضح، خصوصًا في عهد ترامب، تقوم على تقليص الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، عبر الاستفادة من النفط الفنزويلي والبحث عن بدائل استراتيجية للطاقة والمعادن. من هنا عاد الملف الفنزويلي إلى الواجهة، لا من بوابة النفط فقط، بل من بوابة القلق الأمريكي المتزايد من تمدد النفوذ الاقتصادي الصيني في أمريكا اللاتينية، وتحول فنزويلا إلى منصة اقتصادية صينية شبه مكتملة.
محاولات استجواب الرئيس الفنزويلي المختطف لم تكن حدثًا معزولًا، بل جاءت في سياق ضغط سياسي واقتصادي متصاعد، في وقت يجري فيه استيعاب جزء كبير من النفط الفنزويلي، بالتوازي مع خطة أمريكية طويلة الأمد للاستغناء التدريجي عن النفط الخليجي، وترك الشرق الأوسط في حالة توتر دائم يسهل التحكم بها وإدارتها بأقل كلفة ممكنة.
دخول الصين بثقلها الاقتصادي يغيّر قواعد اللعبة، فهي لا تحتاج إلى حروب بقدر ما تحتاج إلى عقود، ومعادن، وبنية تحتية. وهذا ما يجعل الشرق الأوسط، واليمن وسوريا تحديدًا، ساحات مثالية لإدارة الصراع الدولي لا لإنهائه، حيث تُترك الأزمات معلّقة، وتُستنزف المجتمعات، بينما تُعاد صياغة خرائط النفوذ الاقتصادي عالميًا.
في اليمن، لم يعد الصراع محصورًا في مواجهة الحوثي، بل تمدّد إلى داخل معسكر الشرعية نفسه، بين مشروع الوحدة بصيغته القديمة، عبر خطاب حزب الإصلاح قديمًا، وعلى يد علي محسن بعبارة الوحدة أو الموت، أو خيار الانفصال بيد الانتقالي المحل، بمعنى صراع خليجي خليجي مجددًا، وهذه المرة ليست قطر بل الإمارات، وبين خطاب الدولة وممارسات ما دون الدولة، لكن يبقى الدور السعودي، بعقله السياسي الأكثر حكمة وهدوءًا وبراغماتية، لتصدر القضية، بتفادي انفجار داخلي خطير عبر إعادة توجيه المسار نحو الحوار الجنوبي -الجنوبي، وبدأ بكشف مظاهر ظلم واضحة في عدن وحضرموت، بما في ذلك ملف السجون السرية والانتهاكات الخارجة عن القانون.
غير أن تعيين رئيس وزراء بخلفية اجتماعية أو سياسية تاريخية، وإعادة صرف مرتبات الجيش، لا يعنيان حدوث تحول جذري مادامت بنية الظلم نفسها قائمة. تعز تظل المثال الأوضح على هذا الخلل البنيوي، حيث ماتزال تعج بالاعتقالات، والاغتيالات، والتهديد، واضطهاد كل من لا ينتمي إلى حزب الإصلاح، أو يعبّر عن موقف سياسي مستقل، سواء ارتبط بالقضية الجنوبية أو بالقضية اليمنية الشاملة.
هذا الواقع ينسف أي حديث جدي عن دولة موحدة عادلة، ما لم يتم تفكيك منظومة السجون السرية والاعتقالات التعسفية السياسية في كل المناطق، شمالًا وجنوبًا، ووقف الممارسات الأمنية الخارجة عن القانون، وإعادة الاعتبار لحقوق المواطنين دون تمييز سياسي أو جهوي.
القضية الجنوبية، إذا أُريد لها أن تكون مدخلًا للاستقرار لا وقودًا لصراع جديد، فهي في جوهرها قضية سياسية وتنموية واستثمارية في آن واحد، كتطوير ميناء عدن، وإعادة تكرير النفط وتصديره، وبناء اقتصاد منتج في الجنوب، ليست مطالب انفصالية، بل حقوق طبيعية لشعب يريد أن يعيش بأمان وكرامة. وفي المقابل، لا بد من النظر بجدية إلى الشمال، وخصوصًا ملف نفط مأرب المحتكر بيد قوى بعينها، بوصفه جزءًا من معادلة العدالة الاقتصادية الوطنية.
أية وحدة مركزية تُعاد من دون تفعيل الإطار الدستوري والقانوني، ومن دون شراكة اقتصادية حقيقية، لن تكون سوى إعادة تدوير للأزمة تحت مسمى مختلف.
إقليميًا، خفّف التوافق السعودي -الإيراني المعلن، من حدّة التوتر، لكنه لم يُلغِ المخاطر، بل أعاد توزيعها. فإيران، كما إسرائيل، تبقيان جزءًا من معادلة أمريكية غير معلنة لإدارة مناطق رمادية، تُستخدم لإبقاء الشرق الأوسط في حالة توتر قابلة للاستثمار السياسي. هذا التوازن الهش قد يهدد أمن الخليج مستقبلًا إذا تغيّرت الحسابات الدولية.
إنكار الواقع في سوريا كما في اليمن، لم يعد مجرد خطأ سياسي، بل مسار مقصود لإدامة الأزمات. الأوطان لا تُبنى بالإقصاء، ولا بتجميل السلطة، ولا بتأجيل العدالة، بل بالاعتراف بالتعدد، وبأن الدولة المرنة القائمة على الأقاليم، والشراكة، والتنمية المتوازنة، هي الخيار الوحيد المتبقي لبقاء الأوطان موحدة في منطقة تحوّلت إلى ساحة صراع دولي في زمن الاستغناء عن نفطها، لا عن أزماتها.

الكلمات الدلالية