عصر المعرفة الزائفة: حين تتحول وفرة المعلومات إلى عبء معرفي
لم يعد الجهل في القرن الحادي والعشرين حالة بدائية ناتجة عن نقص الوسائل أو شحّ المصادر، بل أصبح ظاهرة حديثة شديدة التعقيد، تُصنع بعناية، وتُدار بمنهج، وتُوزَّع عبر شبكات عالمية ذات مصالح اقتصادية وسياسية وثقافية. نحن لا نعيش عصر نقص المعرفة، بل عصر تشوّه المعرفة.
عصر تتكاثر فيه الحقائق، لكن يضيع معناها، وتغيب قدرتها على الإضاءة، فتتحول من أدوات للفهم إلى ضوضاء خانقة.
المفارقة الكبرى أن الإنسان المعاصر يملك وصولًا غير مسبوق إلى المعلومات: ملايين المقالات، آلاف الدراسات، تدفق لا ينقطع من الأخبار والتحليلات، ومع ذلك يتراجع الفهم العميق، وتضعف القدرة على التركيب، ويعلو صوت اليقين السطحي. نعرف أكثر، نعم، لكننا نفهم أقل مما نعتقد، وربما أقل مما نحتاج.
من الجهل الطبيعي إلى الجهل المُصمَّم
في العصور السابقة، كان الجهل نتيجة طبيعية لغياب التعليم، أو لاحتكار المعرفة، أو لصعوبة الوصول إلى النصوص والمصادر. كان الجهل واضحًا، صريحًا، ويمكن تجاوزه بتوفير المعلومة. أما اليوم، فالمعلومة متاحة، لكن الوصول لا يعني الفهم. المشكلة لم تعد في وجود المعرفة، بل في طريقة عرضها، وانتقائها، وتوجيهها.
الجهل المعاصر ليس فراغًا، بل بناء. يُشيَّد عبر خوارزميات تقرر ما نراه وما لا نراه، عبر تكرار الأفكار التي توافق ميولنا، وحجب ما يزعزع يقيننا، حتى تتشكل لدينا صورة عالم تبدو متماسكة، لكنها في الحقيقة مبتورة. وهنا يتحول الجهل من حالة سلبية إلى منتج إيجابي، يُسوَّق ويُستهلك بسهولة.
الجهل المُعلَّب: حين تصبح أنصاف الحقائق أخطر من الأكاذيب
من أخطر تجليات هذا العصر ما يمكن تسميته بـالجهل المُعلَّب. وهو ذلك النوع من المعلومات التي لا تكون خاطئة تمامًا، لكنها ليست صحيحة بالكامل. حقائق مجتزأة، أرقام بلا سياق، دراسات تُقتطع نتائجها من شروطها المنهجية، تُقدَّم بلغة واثقة ونبرة حاسمة، فتنتج قناعة صلبة، لكنها مضللة.
هذا الجهل أشد فتكًا من الخطأ الصريح. فالكذبة يمكن كشفها، أما نصف الحقيقة فيصعب تفكيكه، لأنه يستند إلى شيء صحيح، لكنه يُوظَّف في اتجاه خاطئ. هنا لا يدافع الإنسان عن رأيه لأنه مدروس، بل لأنه يشعر أنه "مسلّح بالمعلومة"، حتى وإن كانت تلك المعلومة مبتورة.
اقتصاد الانتباه وهيمنة المنصات الرقمية
يلعب الفضاء الرقمي دورًا مركزيًا في ترسيخ هذا النمط من الجهل. المنصات الكبرى مثل TikTok وFacebook وYouTube لا تعمل بوصفها أدوات معرفة، بل بوصفها أنظمة لإدارة الانتباه. معيار النجاح فيها ليس الصدق، ولا العمق، ولا الفائدة المعرفية، بل القدرة على إبقائك أطول وقت ممكن داخل المنصة.
المحتوى الذي يثير الغضب، أو الخوف، أو الصدمة، أو الشعور بالتفوق الأخلاقي، يُكافأ بالانتشار. أما المحتوى الذي يتطلب قراءة بطيئة، أو تفكيرًا نقديًا، أو استعدادًا لمراجعة الذات، فيُدفع إلى الهامش. وهكذا، لا يُغذّى العقل، بل يُستنزف، ويتحوّل التفكير إلى رد فعل لحظي بدل أن يكون عملية تراكمية.
غرف الصدى: حين يتحول الجهل إلى موقف نفسي
ضمن هذه البيئة، تتشكل ما يُعرف بـغرف الصدى الفكرية. يرى المستخدم العالم من خلال مرآة تعكس أفكاره فقط، فيظن أن ما يؤمن به هو السائد، بل هو "المنطقي والطبيعي". ومع الوقت، لا يعود يرفض الأفكار المخالفة لأنها خاطئة بالضرورة، بل لأنها تبدو غريبة، مقلقة، أو "غير معقولة".
في هذه المرحلة، لا يعود الجهل مجرد نقص في المعرفة، بل يتحول إلى موقف نفسي دفاعي. يصبح التشكيك تهديدًا للهوية، ويغدو تصحيح الخطأ اعتداءً شخصيًا. هنا تتصلب القناعات، ويُغلق باب التعلم، ليس لغياب المعلومات، بل لغياب الاستعداد الداخلي لتلقيها.
معايير المعلومة الموثوقة: مهارة لا رفاهية
في هذا السياق، لم يعد التمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة مهارة ثانوية، بل شرطًا أساسيًا للنجاة المعرفية. المعلومة الموثوقة يمكن التعرف عليها عبر مؤشرات واضحة:
• مصدر متخصص يمكن تتبعه ومراجعته.
• منهج يشرح كيف تم الوصول إلى النتيجة، لا مجرد إعلانها.
• إمكانية التحقق من مصادر مستقلة.
• لغة حذرة، لا تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا تخاطب الغرائز.
في المقابل، أي خطاب يبدأ بعبارات من قبيل "الحقيقة التي لا يريدونك أن تعرفها" أو "ما لا يخبرك به الإعلام" غالبًا ما يكون جرس إنذار مبكر لخطاب دعائي أو مضلل، يعتمد على الإثارة لا البرهان.
الانتقاء بدل التكديس: نحو اقتصاد معرفي شخصي
فرز المعلومات لا يتحقق بالاستهلاك المفرط، بل بالانتقاء الصارم. ليس المطلوب متابعة كل شيء، بل اختيار القليل العميق. القراءة البطيئة، والمتابعة المحدودة لمصادر عالية الجودة، والتوقف الدوري عن التمرير العشوائي، كلها ممارسات تحمي العقل من الإنهاك ومن الوقوع في فخ السطحية.
العقل، مثل الجسد، لا يقوى على الهضم المستمر. الإفراط في المعلومات لا ينتج معرفة، بل تخمة، والتخمة المعرفية كثيرًا ما تؤدي إلى اللامبالاة أو التبسيط المخل.
التمرد المعرفي: من الهدم إلى الفحص
الخروج من الصندوق الفكري لا يعني رفض كل المسلّمات، بل فهمها أولًا. بعض المسلّمات ليست مقدسة بطبيعتها، بل هي نتاج سياقات تاريخية وثقافية معينة. ما كان صالحًا في زمن ما قد يتحول إلى عبء في زمن آخر.
التمرد المعرفي الحقيقي لا يقوم على الإنكار، بل على الفحص. لا على الهدم، بل على إعادة البناء. إنه موقف شجاع يقبل بالشك بوصفه أداة للفهم، لا تهديدًا للإيمان أو للهوية.
مقاومة الجهل الذكي
في عالم يفيض بالتفاهة الرقمية، لا تُكتشف الكنوز المعرفية صدفة. الوصول إليها يتطلب جهدًا واعيًا: بحثًا يدويًا، متابعة الباحثين والمفكرين بدل المؤثرين، استخدام المنصات بوصفها أدوات لا عوالم بديلة، ومراقبة الذات أثناء الاستهلاك: هل نخرج بفهم أعمق، أم بمجرد انفعال عابر؟
في النهاية، الجهل اليوم ليس عدوًا ساذجًا. إنه ذكي، جذاب، ومريح. يشبه المعرفة في مظهره، ويستعير لغتها، لكنه يفرغها من معناها. مقاومته لا تكون بتكديس المعلومات، بل ببناء عقل نقدي، صبور، متواضع، وشجاع بما يكفي ليقول: لا أعلم بعد. ففي هذه الجملة البسيطة يبدأ طريق النجاة المعرفية.