ما الذي يجري في اليمن!
يربط كثير من الكتاب ما جرى مؤخرًا بين الانتقالي والإمارات من جانب والشرعية والعربية السعودية من جانب آخر، في اليمن، بزيارة محمد بن سلمان لأمريكا، وطلبه من الرئيس الأمريكي ترامب العمل على وقف الحرب في السودان.
والحرب في السودان ليست بعيدة على أيدي الأمريكان وإسرائيل والإمارات والسعودية، وإن كانت أيدي الإمارات نيابة عن إسرائيل هي المباشر والقوي.
لذا يفسر الرد الإماراتي على ابن سلمان بتحريك الانتقالي لاجتياح حضرموت والمهرة، وصولًا إلى حدود المملكة وعمان. وهو ما اعتبر تهديدًا للمملكة، وترافق ذلك مع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، فاعتبر ذلك تهديدًا للسعودية ومصر، ولممر دولي يعني الأمن والسلام الدوليين.
معروف أن ترامب أميل إلى موقف الإمارات ذات التطبيع الإبراهيمي مع إسرائيل، ولكن (إقناع) محمد بن سلمان ربما كان كبيرًا وكثيرًا بحيث أقنع ترامب الذي لا يقتنع إلا بالربح من السلعة، والعالم عنده كله عقار، فاستجاب لابن سلمان، وبرزت آثار ذلك في اليمن وسوريا، وإلى حد ما في السودان، وعودة الوساطة بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة، وإن كان كل ذلك لا يراهن عليه كثيرًا إذا ما تحرك الطرف الآخر (للإقناع بحجج) أقوى (وبراهين) أكثر. وليس على اليمنيين أن يفرحوا أو يحزنوا.
لم يكن الكتاب والصحفيون مخطئين في ربط الأمر بزيارة ابن سلمان، ولكن للصراع جذورًا تمتد إلى الحدود وعلاقات الأسر. وذاكرة القبائل والبدو تمتد إلى ما قبل داحس والغبراء. فحكام الإمارات والسعودية، وإن كانوا رأسماليين كبارًا ومن حلفاء الإمبريالية الأمريكية، لكنهم لا ينسون جذورهم، ولا الإرث الوبيل، ويكون التنافس الأسري والشخصي حاضرين.
الوقوف بالصراع في اليمن وعليها عند تخوم الشمال والجنوب والوحدة والانفصال والمليشيات هنا وهناك، مهم، ولكن ليس كل شيء، كما أن حصره في الأطراف الإقليمية: إيران، السعودية، والإمارات، ليس بالصائب، فهذا الصراع الإقليمي هو واقع ومحتدم، ولكنه ليس كل شيء أيضًا، فالبعد الدولي في الصراع هو الأخطر والأهم، لأنه مدروس وبعناية ومخطط له بدقة، ويجري تنفيذه بحروب تصل حد الإبادة وبأيدي ومساندة وتمويل الضحايا، والذين ليس الضحايا اليوم سيكونون الضحايا غدًا، وما يجري بين السعودية والإمارات مفجع، ولكنه ليس بعيدًا عن سياق ما يجري في المنطقة العربية منذ مطلع القرن الماضي.
تتفق الإمارات والسعودية على بقاء اليمن مفككًا ومتحاربًا، وعلى انتقاص سيادته ونهب جزره وموانئه وثرواته، وبقاء أهله شتاتًا وأدوات حرب حتى ضد شعبهم، ولكنهم يختلفون على الهيمنة والنفوذ، ويريد حكام السعودية التفرد بتملك اليمن وتحديد خياراته وعلاقاته، بينما تشتغل الإمارات على النهب والتوظيف لإسرائيل وأمريكا.
وما جرى في الرياض من "الحوار الجنوبي الجنوبي"، ليس للانفصال كما قد يتوهم، وهو إجراء لا يختلف كثيرًا عن الاحتفاء بعبد ربه منصور وزفة شرعية الانقلاب عليه، ولقاء الرياض ومظاهر الانفصال في العلم والنشيد والخطاب في جانب مهم دغدغة للعواطف في الشارع الجنوبي الغاضب، وإعادة تسويق القيادة الجديدة للانتقالي، وربما التأكيد أن دعوة الجنوب العربي التي دعا إليها البريطانيون مطلع أربعينيات القرن الماضي، وتبنتها الرابطة والسلاطين، كانت محل تبني ورعاية السعودية قبل وجود الإمارات العربية المتحدة.
والأهم قطع يد الإمارات، وخلق حالة وهم، فهدف السعودية وضع اليد على حضرموت والمهرة، وربما إضعاف وجود الانتقالي في شبوة وأبين، وإغداق المال على قادة المليشيات في عموم اليمن، وخلق حالة من التحاور بين قادة المليشيات ومع أنصار الله في صنعاء، والأهم الإبقاء على الحالة السائدة.
فاليمن الضعيف هدف مشترك لكل أطراف الصراع الإقليمي والدولي، وقد تترافق دعوات الحوار مع إجراءات إصلاحية محدودة، ولكن بقاء التفكك وغياب الخدمات والحرمان من التطبيب والتعليم والحقوق المدنية والحريات والرواتب، فهذا ما تجمع عليه كل أطراف الصراع وقادة المليشيات في اليمن كلها.
حرب 94 هي الانفصال الحقيقي، كما أن عسكرة الربيع ودخول الأطراف الإقليمية والدولية الحرب حولت المليشيات إلى أدوات، والأحزاب شهود زور.