صنعاء 19C امطار خفيفة

انقلاب مكتمل الأركان!

هل كنا في خواتم شهر ديسمبر 2025م ومطلع يناير 2026م، أمام تمرد في مخدع السلطة أم أمام انقلاب مكتمل الأركان؟ إنها تساؤلات مشروعة ينبغي بالضرورة الإجابة عليها من خلال تسليط الأضواء عليها من خلال تتبع واقتفاء تطورها وسياق قراءة تسلسل ترابط أحداثها. وقد نفترض أن ما حدث في قصر معاشيق يعتبر حادثًا عارضًا، وليس كما يدعى بأنه انقلاب مخطط له بدقة متناهية وعلى أعلى المستويات. وهل كان مستفيدًا من الخبرات السابقة للغدر بالرؤساء أو مضيفًا عليها أيضًا خبرات جديدة في الخطف والإخفاء والقتل والتنكيل يحاول البعض إلصاقها أو إنكارها كالعادة لعدم كفاية الأدلة؟


دعنا نعطِ حسن الظن، ولنتتبع جذور الحدث وطبيعته، بخاصة بعد أن صحت البلاد على أحداث تحركات عسكرية بدت للوهلة الأولى أنها تنقلات أو إعادة تموضع، وكأنها مناورة تجرى في مناطق صحراوية بعيدًا عن المدن، ودون إشعار السكان، ولكنها سرعان ما تحولت إلى عملية اجتياح للمحافظات ومدنها تحت ذريعة تحريرها من قوى ومعسكرات دخيلة أجنبية، ولم يستغرق ذلك الزحف سوى بضع ساعات لإكمال المهمة المنجزة المتحولة إلى مغامرة غير محسوبة مترامية الأطراف، وسرعان ما ظهرت دوافعها الصريحة كانقلاب عسكري أحكم تزمينه وتنفيذه من حيث الإعداد والاستعداد، لينعكس زخمه على الأرض بالدفع بقوات ضخمة مستهدفة غزو محافظتي حضرموت والمهرة المسالمتين، وتدافعت مع حملتها هذه الأسلحة بكثافة عبر موانئ حضرموت ومن الثكنات، وكان مجموع ما أرسل للغزو يتجاوز 17 لواء عسكريًا كامل التجهيز، ناهيك عن القوات الأمنية، وتمت العملية بتكتيك مبهر خاطف، وفي غفلة من الزمن، دون إبلاغ رئيس الجمهورية رشاد العليمي، المتواجد حاضرًا في القصر، بتلك التحركات أو نواياها.
بينما كان الرئيس في قصر معاشيق مع أحداث دراماتيكية أخرى من نوع آخر، مانعة للاتصالات، عازلة بمصدات ذبذبات وموجات إلكترونية مشوشة لفضاء المنطقة، وقاطعة لخطوط الاتصالات المتمثلة بشبكات الإرسال والاستقبال، والحاجبة لمشاهدة القنوات التلفزيونية عما يحدث في الخارج، حيث تم عزل الرئيس تمامًا عما يحدث وراء أسوار القصر، من تعبئة مزدوجة لكل من الحشد العسكري، ولفتح خيام المطالبة والتحريض على المؤازرة للاعتصامات المواكبة للتشديد على احتجاز الرئيس من خلال إقفال البوابة الخارجية بإحكام، وعدم السماح له بالخروج، وهنا "عبد ربه".
شكلت لحظات اقتحام مكتب الرئيس علامة فارقة في حياته، إذ قام فريق المهمات الخاصة المكلفة لاعتقاله باستخدام القوة والتهديد، لأن هناك أوامر صدرت بذلك، وتعرض للإساءة والتهجم، كاد يصل إلى الأذى الجسدي العنيف، وكان الغرض من ذلك التفاوض معه والضغط لتقديم استقالته وتوقيعه على بعض الأوراق الجاهزة، وبإجباره على قراءتها والتنازل عن السلطة أو التصفية، وهنا "الحمدي".
لا غرابة بأن الإعداد للانقلاب كان متقنًا، فقد كان هناك بيانان جاهزان أحدهما للنعي، وآخر لتنصيب المتربص عيدروس رئيسًا للجمهورية والشرعية، لكيلا يكون هناك فراغ دستوري، ولتسيير الأعمال، وبيان ثالث أخطر، وهو مربط العنز للانقلاب، المتمثل بالإعلان الدستوري لدولة الجنوب، وعرضها للرأي العام بتقديمها كنظام منفتح ومفتوح على سيناريوهات وقيم متناقضة مفضوحة وموجهة ذات وجهين محلي ودولي، مشبعة للداخل ومقنعة بعلاقاتها الضمنية المستقبلية للخارج في نهج يتجاوب ويتواتر ظاهريًا مع ما ينادي به غاغة الساحات، ومن قبل السواد المحتشد بشعارات كان أغلبها أعلنها دولة لا يمنية، بل جنوبية عربية. وبينما كانت القوات تغزو حضرموت والمهرة، كانت الخيام تنصب للمرابطة المدفوع لها في كل المدن للاعتصامات والمطالبة بالدولة، وهنا "الحوثي".
لحسن حظ الرئيس رشاد كان يقف بجانبه متنبهًا ومضحيًا ذلك الحارس الشجاع بتصديه الصارم وتهديده للمقتحمين بأن الجميع لن ينجو منهم أحدًا من مجزرة تاريخية وضعت حدًا أوليًا لمرحلة الانقلاب في يومه الأول. لهذا لم يسمح قائد الحراسة اليقظ باعتقال أو المس بحياة الرئيس، وبذا تم الدفاع عن الرئيس واصطحابه إلى بر الأمان، وكان ذلك انقلابًا مكتمل الأركان، وفي أثناء تلك العملية الدنيئة كان الدعم، ومن مكان آخر، متزامنًا يتواصل متدفقًا بالأسلحة بواسطة السفن ومن الساحل التهامي المتموضع المتماهي، رافدًا الانقلاب بعدة وجنود، وكانت الأخيرة تعزيزات غير متوقعة، ولكنها كانت تحركات مرصودة وتحت المجهر.. وجاءت الصيحة التي كانت بعد لحظات النشوة، لتشكل منعطفًا للتغيير وكسر المؤامرة، لا سيما بعد إرسال ومغادرة وفد هام رفض له السماح بالهبوط بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وجاءتهم مغيرة غارات الرد الصادم التي ولوا بها الأدبار، وعلى عجل، مستسلمين بعدتهم وعتادهم وعددهم ومشروعهم المتساقط، فعيون السعودية لم تكن متعامية عما يجري، وقد أذهلتني سرعة حركة الرد السعودي وبقوة نارية لم يعتدها الغزاة، لتكون بداية النهاية للمغامرة الانقلابية الصريحة والمدركة خطواتها وبتدبيرها الدقيق في مخطط مرسوم بعناية محدد الأهداف والوسائل والتوقيت المريب، ولولا صحوة السعودية الفائقة الخاطفة وإفشالها للانقلاب وكشف خيوط أبعاده على المنطقة وتعرية من يقف وراءه من جهات، لدخلت البلاد في أتون حرب مختلفة لا تنتهي قد لا تبقي ولا تذر.
شكرًا لقد تم بذلك العمل القضاء على مشروع جهنمي به تم إخماد نار فتنة كبرى لا يحتملها البلد، ولا ولن تحمد عقباها، والحقيقة التي أود في الختام قولها هنا هي أنكم كنتم معي في رحاب الانقلاب، ولولا شجرة التالب وإلا الرب قد كان سيب.

فيرفاكس -ولاية فرجينيا

الكلمات الدلالية