صنعاء 19C امطار خفيفة

ما بعد حضرموت

أفضت المغامرة الكارثية التي أقدم عليها المجلس الانتقالي الجنوبي باجتياحه حضرموت، إلى انفصال حضرموت عن "دولة الجنوب العربي"، قبل أن يتم الإعلان عنها، واحتل عنوان الحوار الجنوبي -الجنوبي موقع الصدارة، ليبدو كأنه حوار المحميات الغربية مع المحميات الشرقية المدعوة، إلى حوار خالٍ من الدسم السياسي، وحافل بالحضور الثقيل لذوي الشأن والجاه من الأعيان والنقباء والمشايخ والمقادمة وسلاطين السلطنات المندثرة.


ما حصل يبرهن على أن المغامرات الكارثية كفيلة بتفجير قنابل الأعماق، وإطلاق حقها في التعبير عن دخانها الفصيح والخانق بفداحة تعيد التذكير والتفكير بالقول الذي يفيد بأن قاطع الطريق لا يمكن أن يبني مخفر شرطة، وكذلك الثور حينما يدخل القصر فإنه لا يصبح صاحب فخامة بقدر ما يحول القصر إلى حظيرة.
لقد غاب صوت العقل والعقلاء لحساب طغيان صوت الدهماء والحمق والجنوح والنزق، واستشراء الغباء والشراسة والهباء الناتج عن رهن القضايا النبيلة والعادلة بقيادات لم تقرأ تاريخ الصراعات في بلادها، ولم تستوعب دروسه، ولم تقرأ اللحظة التاريخية السائدة والسائلة دوليًا، وتداخلات وتفاعلات "المسألة اليمنية" مع ما يجري في الإقليم والعالم... قيادات لم تتأهل في مضمار امتلاك فن إدارة الممكن، واختيار التوقيت والتدرج في تحقيق الأهداف، وعدم الخلط بين الطموح المشروع والحلم المستحيل، ومقاومة إغواء الهرولة وراء الانفعالات الهائجة، والاندفاع للصدام مع أطراف محلية وإقليمية عتيدة، فاعلة ومتوغلة في الدواخل اليمنية.
والحال أنه بعد أن أحرز الانتقالي تقدمًا كبيرًا في الدولة الهشة، وفي تثبيت حقوقه من داخلها، وكان المستفيد الأكبر من عدم تفكك بقاياها، سارع لاستنشاق عطر هاويته، واقترف تلك المغامرة الانتحارية التي أفضت إلى انقسامه وحله بصورة دراماتيكية رحبت بها -ويا للمفارقة-الكثير من الأحزاب والشخصيات اليمنية التي لم تعرف بعد أنها قد سبقت الانتقالي في هذا المضمار، وقد انحلت وتحللت إلى شراذم مرتزقة تتوسل عطايا الأمراء والإعانات الشهرية من الرياض وأبوظبي وغيرهما.
لقد انحلت هذه الأحزاب من لحظة ارتهانها لدول لا تحتكم لدساتير، ولا تقيم اعتبارًا لحقوق الإنسان، ولم ترتضِ بالحزبية إلا في حالتها المتهافتة، المذعنة، الداجنة، المنحلة والمتحللة إلى عناصرها الأولية، بما يؤكد على تمفصل البنيان الحزبي مع البنيان العشائري، وطغيان الذهنية العشائرية التي ترعرعت تحت ظلالها المعتمة كل المليشيات والكائنات البرية وسادة الخراب.
وكما انقسمت تلك الأحزاب وتربحت قياداتها من الحرب، واستثمرت فيها، فقد التحق بها الانتقالي بحمله راية القضية الجنوبية، إلى أن اندفع نحو حضرموت، ليدفع بـ"القضية الحضرمية" لتكون مضاهية ومفتاحية وموازية، ينبغي أن تطرح على طاولة متحاورين لا يملكون طاولة.
لقد تبدلت وتعدلت الأولويات والعناوين بفعل القفزة الانتقالية الهيولية إلى حضر...موت، ولكم أن تقرأوا العنوان التالي في صحيفة "الشرق الأوسط"، يوم أمس، 19 يناير: "الخنبشي: حضرموت تحررت من تسلط الزبيدي وهيمنة الإمارات".
في الأثناء يجري الحديث عن سجون سرية وانتهاكات جسيمة، قتل واغتيالات ومداهمات للمنازل، وسرقة للممتلكات ومتفجرات و... هذه العناوين تقول الكثير، ولا تتوقف عند حد توجيه الاتهامات الجسيمة للانتقالي، والمطالبة بجبر الضرر ومحاكمة الانتقالي، وليس ثمة حدود لما تنضح به الانفعالات المحتدمة التي ينبغي الإقرار بأنها، على قدر ما تعكس عنف الواقع، فإنها تلح على استخلاص أفكار جديدة، فتية، عقلانية، ومتجاوزة للتكرار والعنف والخراب الضارب للحياة السياسية.
ما أحوجنا اليوم للبحث عن معنى بين الأنقاض، وعن فاعل أو فاعلين سياسيين غير ملتاثين بالفساد، وأيديهم غير ملطخة بالدماء، ويمتلكون المشروع الوطني والقدرة على إدارة علاقة ندية وإيجابية مع السعودية وغيرها، علاقة تفيض علينا بالاحترام والمكاسب أيضًا، وتنفض عنا غبار النخب السياسية والقبلية التي ارتضت لنفسها أن تكون اليد السفلى، متسولين لا أكثر.

الكلمات الدلالية