د. عبدالخالق عبدالله يتحدث عن مآلات القضية الجنوبية والخلاف الخليجي وأزمة اليمن
في حلقة استثنائية خارج موعدها المعتاد، فتحت الزميلة رحمة حجيرة في برنامج «حكايتي» ملفًا يمنيًا بالغ الحساسية يتصل بتطورات العلاقة بين السعودية والإمارات وتداعياتها على الجنوب اليمني، عبر حوار مطوّل مع الباحث الإماراتي في العلوم السياسية الدكتور عبدالخالق عبدالله.
واستهلت الحلقة بتساؤلات عن "حكاية الإمارات في اليمن" وأسباب تصاعد التباين بين الحليفين الإقليميين، قبل أن ينتقل النقاش إلى مستقبل عدن والقضية الجنوبية، ودور المجلس الانتقالي منذ تأسيسه عام 2017، واتفاقي الرياض (2019) ومشاورات 2022، وانعكاس ذلك على مسار الحرب مع الحوثيين.
واعتبر عبدالخالق، أن "قضية الجنوب" قضية "عادلة" ومرشحة للصعود والهبوط، منتقدًا قرارات ميدانية للمجلس الإنتقالي قال إنها استفزّت الرياض، ومؤكدًا في المقابل أن الإمارات "أغلقت الملف اليمني" وأن حضورها بات "صفرًا" سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، في وقت واصل فيه توصيفه لأداء الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي بالفشل، و بأنه غير قادر على تحقيق هدف "تحرير صنعاء".
كما تطرقت الحلقة إلى اتهامات متبادلة في الخطاب الإعلامي، وإمكانية الوساطات الخليجية بين الرياض وأبو ظبي، وقراءة مستقبل القضية الجنوبية، واحتمالات السلام السعودي - الحوثي، وسجال "الوحدة" و"الانفصال" وحدود الدور الخارجي في تشكّل الواقع اليمني الراهن.
"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

رحمة: أهلاً وسهلاً بكم في حلقة استثنائية خاصة بالمستجدات الأخيرة في اليمن، حلقة لا تُبث بالموعد المعتاد، وليست حكاية تاريخ كما اعتدنا في «حكايتي»، ولكن حكاية أزمة حساسة في شبه الجزيرة العربية، سببها الملف اليمني بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، الحليفتين التاريخيتين في أصعب الملفات والأزمات الأخيرة التي شهدتها المنطقة.
فما هي حكاية الإمارات العربية المتحدة في اليمن؟ وما هي حكاية الخلاف بين الدولتين؟
اليوم نستضيف الدكتور عبدالخالق عبدالله، الباحث في العلوم السياسية، والأكاديمي، والكاتب الخليجي الأكثر إثارة للجدل في الشأن اليمني، ويحلو للإعلام اليمني أن يسميه مستشار الأمير محمد بن زايد.
اليوم نتعرف إلى تفاصيل أكبر حول عدن، التي وصفها ولي العهد السعودي بأنها «خط أحمر» في لقائه مع نجل الرئيس علي عبدالله صالح قبل عاصفة الحزم.
الآن دعونا نرى إلى أين سيأخذنا الخط الأحمر.
أهلاً وسهلاً بك دكتور، وهذه ثاني لقاء أجريه معك خلال مسيرتي الإعلامية، ودعنا نبدأ من بداية الحكاية. منذ متى بدأت الاهتمام بالملف اليمني، وبالقضية الجنوبية تحديداً، هل هناك حادثة تذكر؟
عبدالخالق عبدالله: شكراً للاستضافة مجدداً، وسعيد جداً أن أكون معك في أي حلقة من الحلقات للحديث عن الملف اليمني والشأن اليمني، أستاذة رحمة.
وأريد أن أوضح أني لست مستشاراً لأي مسؤول في الإمارات أو أي مكان آخر، ولا حتى أقرب الناس لا يستشيرونني في أمورهم، وأتمنى عدم تكرار هذه الصفة لأنها ليست صحيحة.
وأعتقد أن اليمن دائماً في قلوبنا جميعاً، في الإمارات والخليج والدول العربية عموماً. الشأن اليمني يهم كل إنسان عربي، وكل باحث وأكاديمي، وأنا أكاديمي إماراتي، ولليمن حضور بسبب ما يعانيه هذا البلد العربي من صعوبات وتعثرات، وبالتالي ارتباطي باليمن يأتي ضمن ارتباط وسياق اهتمام كل أكاديمي وباحث خليجي وإماراتي لهذا الملف.
رحمة: دكتور، هناك من يقول إنه بعد ما نُشر أنه تم اعتقالكم خرجتم وأنتم مهتمون بشأن أكبر فيما يتعلق بالشأن اليمني، وهي فرصة نؤكد أو ننفي هذا الكلام.
عبدالخالق عبدالله: لا توجد علاقة بين هذا بذاك، ولا علاقة ذاك بهذا، وليس هناك أي ارتباط، لا من قريب ولا من بعيد، ببعض الحوادث المتفرقة التي تحدث من حولنا، فأرجو عدم ربط الأمور بهذا الشكل التعسفي.
رحمة: من الجميل أن نطرحها حتى نأخذ إجابة من المصدر نفسه. والآن دعنا نتحدث عن جنوب اليمن، ولماذا أصبح هذا الملف بالغ الحساسية ومحل خلاف بين الدول والأشقاء في الخليج العربي؟
عبدالخالق عبدالله: في تقديري، هناك قضية عادلة ومشروعة ومُحِقّة، وهي قضية الجنوب العربي. ومسار هذه القضية قد يحدث له صعود وهبوط خلال مرحلة هذا التحرر الوطني، وقد تتقدم خطوة إلى الأمام، وقد تتأخر قضية الجنوب العربي العادلة خطوات إلى الوراء. وبالتالي أعتقد أن هذه القضية جاءت وتبقى إلى أن يحقق شعب الجنوب العربي حقه في دولة مستقرة.

مؤخراً، كما تعرفين، وربما هذا موضوع الحديث الأهم، اتُخذت قرارات خاطئة، وهو قرار الدخول إلى حضرموت والمهرة، وفي تقديري المتواضع أعتقد أنه كان قراراً خاطئاً، وقد أدى ذلك إلى انتكاسات نشاهدها في الوقت الحاضر، وأدى إلى استفزاز الأشقاء في المملكة العربية السعودية. ولكن حدث ما حدث، وكل من يراهن على أن قضية الجنوب العربي قد انتهت، وأُصدرت شهادة وفاتها، أعتقد أن ذاك الرهان خاسر.
رحمة: حتى تكون الصورة واضحة، دعنا نسير بنقاط مرتبة.
مثلاً، في 2017 تشكل المجلس الانتقالي، نريد أن نسلط الضوء على هذه التحولات، وفي 2022 السعودية لعبت دوراً كبيراً في أن يكون ضمن القيادة وهيكل الحكم. ما الذي كسبه وما الذي خسره المجلس الانتقالي والقضية الجنوبية في 2022 بعد مشاورات الرياض؟
عبدالخالق عبدالله: أنا في تقديري لا بد أن نركز على ما يريده شعب الجنوب العربي، ومن هذا المنطلق رأيي أن الخارج، والمؤسسات المختلفة، والحكومة اليمنية الموجودة في الرياض، أعتقد أنه قرار مهم.
ولكن الأهم، والذي يجب أن نركز عليه، وكما شاهدنا قبل أيام، هو حق هذا الشعب ورغبته، بالاحتجاجات المليونية التي شاهدناها. هذا الحق قائم قبل 2017، وبعد 2017، ومن بعد 2020، وإلى يومنا هذا، وإلى أن يتحقق هذا المصير، لأنه مُصر منذ 1994، وقبل ذلك في تحقيقه، بعد أن شاهد ما شاهده من صعوبات الاندماج مع الشمال، وأعتقد أن هذه القضية تستحق الدعم، ودعم كل الشرفاء في العالم بأسره. هذه القضية عادلة، بل أكثر من عادلة، وقضية مُحِقّة، وتستحق دعمي ودعمك ودعم أحرار العالم.
رحمة: في 2019، اتفاق الرياض، كان هناك قرارات بأن تكون هناك حكومة لا تزيد عن 24 وزيراً، والتقاسم بالتساوي، وتم تمكين قيادات جنوبية، حتى من أيام الرئيس علي عبدالله صالح، على مستوى رئيس الجمهورية ونائبه ووزراء ووكلاء. وتم تقديم الدعم الكامل لهم فيما يتعلق بمشاركة متساوية. هل هناك خلل في هذا الكلام، أم مجرد أوراق؟ أنت في الخارج تراقب، والذي يكون خارج المربع تكون الصورة بالنسبة له أكثر وضوحاً.
عبدالخالق عبدالله: لو عدنا إلى ذلك الاتفاق، وهو اتفاق مهم، وتم برعاية كريمة من الإمارات والمملكة العربية السعودية، وبمحاولة جادة لكي يتم خلالها التركيز على تحرير الشمال. ولكن أنا، في تقديري الأن، وبعد مرور من خمس إلى ست سنوات، أعتقد أن تلك الحكومة وُلدت لتموت، والمجلس الرئاسي الذي تشكّل برئاسة الدكتور رشاد العليمي أعتقد أيضاً وُلد ليموت، ذاك المجلس.
رحمة: لماذا؟
عبدالخالق عبدالله: لأنه منذ ذلك الاجتماع إلى يومنا هذا لم يتوافق هذا المجلس على شأن واحد، ولم يجمع اجتماعاً حضورياً مرة واحدة، واتُخذت قرارات فردية كانت مرفوضة. ومنهم من هم على أرض الواقع، واختلفوا تماماً مع من هم في المنفى، ولم يلتقوا مع بعض، وكان بينهم من الصراعات ما تعرفينه أكثر مني. وأهم من كل ذلك، وُلد هذا المجلس ليموت لأنه لم يحقق الهدف المرجو منه؛ فهو لم يتقدم شبراً واحداً نحو تحرير صنعاء. فبماذا أقيس أداء هذا المجلس بعد خمس سنوات من تشكيله سوى بمعيار وبمسطرة واحدة.. ولم تتمكن حتى هذه الحكومة، من تحرير شبراً واحداً في صنعاء. هي فقدت بوصلتها واتجهت جنوباً بدلاً من أن تتجه شمالاً. وكما قلت لك، هذا المجلس انتهى مفعوله بعد كل هذا، وأعتقد عموماً أن ملف اليمن وتحرير الشمال، دخل الآن في نفق مظلم لا أرى له أي نهاية.
رحمة: أنت كباحث في العلوم السياسية ومتخصص في الشأن اليمني ومراقب للأحداث، الإمارات شاركت بشكل كبير في الأحداث التي تمت منذ 2011 وحتى اللحظة، وهي شريكة بهذا التدهور الذي حدث. دعنا نرى ما هو سبب التدهور، ولماذا اليمن لم تستطع حتى اليوم أن تصل إلى خارطة الطريق، توقف الصراعات الداخلية، وتبدأ بالنهضة والإعمار والتنمية، من وجهة نظرك؟
عبدالخالق عبدالله: أنا أعتقد أن الطرفين يتحملان المسؤولية. في تقديري، الطرف الأول طبعاً الحوثي، وقبل ذلك الحكومة الفاسدة الاستبدادية التي كانت موجودة، وتلعب على أوراق كثيرة، وليس لديها أي أجندة وطنية يمنية مقنعة للجميع. ولكن الحوثي، عندما أتى في 2014، دفع باليمن إلى متاهات، ليس فقط احتلال صنعاء احتلالاً قسرياً وانقلابياً، وإنما أيضاً أدى إلى تمزق اليمن. أنا قلت وأذكر، وأتحدث الآن بكل صراحة ودون استفزاز، أن اليمن بعد الاحتلال الحوثي لن يكون موحداً بعد اليوم. اليمن تمزق وتجزأ، والسبب الرئيسي يعود إلى هذا الاحتلال الحوثي، في تقديري. وهذه الجماعة لا يمكن الاطمئنان إليها والثقة بها في معاهداتها وما توده، ولديها أجندات ماضوية وأجندات توسعية، وأجنداتها ليست يمنية في الأصل، ولكنها أجندات إيرانية.
ثانياً، هذه الحكومة التي أُنفق عليها الملايين من الإمارات والسعودية، وحصلت على كل هذا الدعم وهذه الرعاية العربية والعالمية، لم تحقق الهدف. وبالتالي اليمن دخل في هذا النفق المظلم، ولن يخرج منها، في تقديري، موحداً وواحداً. وأعتقد أنه قد تبعثر كالكأس الذي عندما ينكسر لا يمكن بشكل من الأشكال إعادته على ما كان عليه. وبالتالي ينبغي التوافق مع الواقع، والتوافق مع ما يجري على الأرض. وهكذا كان دور الإمارات؛ هناك واقع جديد لا بد من التكيف معه، وهناك من يعيش في الماضي ولا يريد التكيف مع الوضع الجديد.
رحمة: ربما هناك الكثير يتفقون معك بأنه لا أسوأ من انتهاكات وعبث الحوثي إلا فساد الحكومة التي تسمي نفسها بالشرعية. ولكن هل هذا مبرر إلى أن يساهم الأشقاء والجيران والإمارات في تمزيق اليمن او القبول بتمزيق اليمن وهو الذي يعاني حرباً وبحاجة إلى دعم؟
عبدالخالق عبدالله: لا تضعي اللوم حيث لا ينبغي وضعه. لا يوجد طرف خارجي، ولا طرف خليجي، إماراتي أو سعودي، يود تمزيق اليمن. ولم يكن هذا وارداً، ولا حتى مطروحاً، ولم يسعَ إليه أحد. هناك شعب في الجنوب حريص على أن يستعيد دولته، وهذا من حقه. وهناك أيضاً في الشمال تمزق؛ مأرب تحت سلطة، وطارق لديه ربما مجاله، والحوثي لديه مجاله. ولا أرى أي إمكانية عاقلة وممكنه بأن يتوحد اليمن كما كان. والحديث عن دولة يمنية وطنية واحدة، هذا في تقديري حديث واهم. والدولة الوطنية اليوم، من يتعلق بها وكأنه يعيش في الماضي البعيد، بعشر سنوات سابقة. ولا أعتقد أن الإمارات كانت تود تمزيق اليمن، ولا السعودية، ولا أي طرف خارجي. وما حدث هو أنه ينبغي إلقاء اللوم بأكمله على أبناء اليمن من الشمال والجنوب، والحكومة الفاسدة، والجماعة الانقلابية الحوثية، التي أعادت اليمن حوالي 1500 سنة للوراء.
رحمة: ما هي الأسباب المنطقية التي جعلتك تقتنع بأن اليمن لن يعود موحداً؟ هو شعب واحد، نفس الظروف الاجتماعية والمساحة الجغرافية، ويحظى بدعم إقليمي. الدولة التي تحد اليمن بأطول حدود معه وهي السعودية مع وحدته وأكبر مساحة تحاصره اليمن هي البحر، وبالتالي لا يوجد لدينا شيء سوى أن نكون دولة موحدة، شمال وجنوب. ولا توجد أسباب منطقية تجعلني أفهمها تؤدي إلى الانفصال، إلا إذا كان لديك أسباب أخرى ونحن نريد معرفتها؟
عبدالخالق عبدالله: أنت كأنك تجافين الواقع الذي يقول ليس هناك شعب واحد، وإنما شعبان: في شمال اليمن والجنوب العربي، الذي لم يكونا في أي لحظة، حسب تقديري، في التاريخ، سوى فترة قصيرة قد التحما مع شعب الشمال. وهذه الحقيقة المؤكدة لديّ على الأقل، وحسب معرفتي المتواضعة. هناك شعب وشعب، بمعنى شعبين.
رحمة: جمهورية اليمن الديمقراطية، والجمهورية العربية اليمنية، نفس الاسم الواحد، نفس الجغرافيا، نفس الثقافة، وعبر التاريخ كانوا موحدين. ولكن ما الذي اضطرنا حتى نقتنع بأنهم ينفصلوا؟
عبدالخالق عبدالله: قبل 1990 كانت هناك دولة بعلم وحضور، وبجيش، وبعملة، وبمقعد في جامعة الدول العربية، ومقعد في الأمم المتحدة. الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية كانت دولة مستقلة يا سيدتي. والبعض وجد أن هذا الاتحاد الذي حدث، كما تعرفين، كان اتحادًا طوعيًا ثم قسريًا، وأرادوا فضّ وانهاء هذه الشراكة. إذًا هناك دولة ودولة. وبعد ذلك، الشعب كله يمني: شمالي، جنوبي، عُماني، خليجي، سعودي؛ كلنا في النهاية ننتمي إلى قبيلة واحدة، وإلى أصل واحد وفصل واحد. ولكن هذا لا يمنع أن هناك دولًا قد قامت الآن، وهناك شعب اسمه الشمال، وشعب اسمه الجنوب، وهناك شعب خليجي وعربي. فالشعوب أيضًا ليست موحدة كما تلمحين إلى ذلك. ولكن هذا رأيك وأنا أحترمه، ولكن لا توجد دولة واحدة بعد اليوم، ولن يكون هناك شعب واحد. وعليك، وعليّ وعلينا جميعًا، أن ندعم إرادة الشعب الجنوبي الذي خرج بالملايين أمام أعيننا يطالب بدولته المستقلة.
رحمة: دكتور، قرار الوحدة أو الانفصال هذا قرار يحدده أو يقرره الشعب اليمني. ولكن أنا هنا لست لمجادلتك، بل لمعرفة وجهة نظرك. ولكن دعنا أيضًا، وحتى تتضح الصورة، أن أفهم ماذا تعني بـ«قسريًا». والجنوب هو الذي كان يطالب بالوحدة أكثر من الشمال، وهو الذي ساهم في حروب الجبهة الوسطى من أجل التوحيد القسري. كان في الجانب الجنوبي وزراء للوحدة، من بينهم الأستاذ راشد ثابت، وكانوا هم المطالبين بالوحدة أكثر من الشماليين، والتقوا في اتفاقيات الرياض والجزائر وطرابلس وجامعة الدول العربية. فمنذ زمن، الجنوب والشمال يريدون التوحد. فكيف قسريًا؟ وماذا تقصد به؟
عبدالخالق عبدالله: عندما طالب الجنوب بفك الارتباط سنة 1994، وأراد ذلك بقوة وبإرادة شعبية، دخل علي عبدالله صالح بجيشه وفرض الأمر الواقع. ونتحدث عن واقعة مؤكدة أنتِ تعرفينها وأنا أعرفها، وكل من يتابع الشأن اليمني يعرفها. دخلت القوات اليمنية الشمالية وفرضت هذا الاتحاد فرضًا، على الرغم من إرادة شعب الجنوب المطالِبة بفك الارتباط. هنا الاحتلال القسري، وأعتقد أنه كان احتلالًا. ومنذ تلك اللحظة كانت الممارسات ممارسات محتل، وليس ممارسات سياسية ودبلوماسية. فُرضت عليهم وقائع نفّرت الشعب الجنوبي أكثر من أي وقت آخر. وأنا هنا لا أزال على رأيي، مع احترامي لرأيك، أن نعم، كان الاتحاد بعد ذلك مشروعًا قسريًا ولم يكن طوعيًا. وإلى يومنا هذا هناك، أكثر من أي وقت مضى، عدوان شمالي بقيادة الرئيس رشاد العليمي ومن معه، عدوان على الجنوب واحتلال مجدد للجنوب، والشعب الجنوبي يرفض ذلك كما شاهدناه قبل أسبوع.
رحمة: أنا أختلف معك فيما يتعلق بالانتهاكات، لأن هناك تقرير باصرة ذكر انتهاكات كثيرة، وهناك قضية المتقاعدين التي كانت بداية الحراك الجنوبي. ولكن هذا ليس مبررًا للانفصال. ولكن ما نريد أن نفهمه أكثر: كيف الدكتور رشاد، أو فيما يتعلق باحتلال مجلس القيادة الرئاسي للجنوب كما وصفته أنت بالاحتلال، بينما عيدروس الزبيدي، الذي هو رئيس المجلس الانتقالي وقائد الحراك الجنوبي، وافق على أن يكون جزءًا من هذا المجلس القيادي الذي يحكم اليمن الموحد؟ وقالها وظهر في الإعلام وقال: «نحن مع السعودية». وهنا يظهر التناقض. لذلك، كيف قسريًا وهو وافق كمجلس انتقالي يمثل القضية الجنوبية، وكان معه في المجلس أيضًا عدد كبير من الأطراف الجنوبية؟
عبدالخالق عبدالله: عيدروس وغيره من الزعماء على أرض الواقع جميعهم توافقوا في لحظة من اللحظات على التركيز شمالًا من أجل توحيد الشمال والجنوب بدعم سعودي وإماراتي، لهدف واحد وهو تحرير صنعاء. وكان هذا الهدف من المجلس الانتقالي، ولم يكن هناك أي هدف آخر. وأعتقد أن هذه البوصلة، مع الأسف الشديد، انحرفت. ومنذ تلك اللحظة فُضّ ذلك الاجتماع ولم يعد له حضور، وظلت الشرعية في جهة، والقادة على أرض الواقع في جهة أخرى. البوصلة انحرفت منذ لحظة فك اجتماع الرياض. فبالتالي، لا تلومي الزبيدي والقادة الآخرين الموجودين انهم رفضوا هذا المجلس منذ تلك اللحظة. ولكن لم يأتِ بإعلان، ولذلك أنا وصفته ميتًا منذ لحظته الأولى. وأي دعم حدث لهذا المجلس منذ تلك اللحظة لم ينقطع. وهذا الدعم من مال وسلاح وتدريب وسياسيًا ودبلوماسيًا اتضح أنه عبث، لأنه لم يستطع أن يحرر شبرًا من المساحة المحتلة من قبل جماعة الحوثي الإيرانية.

رحمة: سمعنا وجهة نظرك فيما يتعلق بالقضية الجنوبية. الآن دعنا نعود إلى دور الإمارات العربية المتحدة منذ عاصفة الحزم، وذلك حتى ننتقل إلى الخلافات الإماراتية-السعودي. فما الذي قدمته الإمارات لليمن ككل، وللجنوب منذ عاصفة الحزم في 2015؟
عبدالخالق عبدالله: تحملت النصف من العبء العسكري والمالي والسياسي والدبلوماسي، وإن لم يكن أكثر من النصف. عسكريًا كنا شركاء في هذا التحالف. ماليًا كنا داعمين، وسياسيًا ودبلوماسيًا قمنا بكل ما يمكن القيام به لدعم الحكومة الشرعية، معًا وسويًا جنبًا إلى جنب مع الجندي والضابط والمسؤول السعودي، ومع كل الأطراف. وكنا شركاء، ولهذا سُمّي التحالف العربي، رغم أن الجميع انفضّ عنه وبقيت الإمارات والسعودية. وأدت الإمارات، يا سيدتي العزيزة، واجبها بكل مسؤولية قومية وإنسانية تجاه هذه الحكومة الشرعية، ولا نشعر إطلاقًا بأي تقصير تجاه اليمن.

جئنا وأعطينا كل ما لدينا، وقدمنا أفضل ما لدينا إنسانيًا واجتماعيًا وسياسيًا وعسكريًا. دفعنا ثمنًا لم تدفعه أي دولة أخرى؛ شهداؤنا ودماء أبنائنا شاهدون على ذلك. وتركنا في الجنوب وعلى امتداده ما لا يمكن تخيله، ولم تقم أي دولة أخرى بذلك: من مستشفيات، ومدارس، وطرق، ومحطات كهرباء، وأعدنا الاعتبار للمطارات والموانئ. ودفعنا الملايين، من سبعة إلى ثمانية مليار دولار، من أجل هذه الحكومة. وجئنا إلى اليمن بدعوة رسمية، وتركنا اليمن بدعوة رسمية. ورغم تركنا، لا تزال لدينا شبكة واسعة من الأصدقاء والشركاء، والأهم من ذلك محبة ملايين في الجنوب العربي. وبالتالي، أدت الإمارات كل ما عليها وكفت ووفت.
رحمة: متى كانت آخر زيارة لك إلى اليمن؟
عبدالخالق عبدالله: كانت قبل الأحداث في 2012، ولكن رحمة متى كنتِ آخر مرة في اليمن؟
رحمة: في 2024 كانت آخر زيارة لي لليمن، وإذا أنت زرتَ اليمن وتحديدًا جنوبًا ستسمع ظروف الناس وشكاويهم؛ الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة في عدن: لا كهرباء، لا وضع اقتصادي جيد، ولا وضع صحي واجتماعي جيد. فأين مليارات الدولارات التي تحدثتَ عنها دكتور؟
عبدالخالق عبدالله: أنا أتفق معك، الشكوى موجودة، والكهرباء كانت تنقطع، والخدمات كانت متعثرة.
رحمة: كانت تمر أيام دون كهرباء.
عبدالخالق عبدالله: أنا أتحدث معك أيام، شهور، ساعات؛ ليس مهمًّا، ولكن أتفق معك تمامًا أن الشعب في الجنوب وحضرموت لديهم شكاوى محقة. ولكن تفضلي وأعطيني السبب. السبب الرئيسي حكومة فاسدة كانت تقصد عمدًا أنها توفر هذه البيئة المعارضة للمجلس الانتقالي الجنوبي لكي تظهر أنه السبب، وبالتالي اليمن الجنوبي، أو الجنوب العربي بالأحرى، مر بلحظات فاصلة وصعوبات، والخدمات كانت متعثرة بما فيها الخدمات الأمنية، لأن الظروف ظروف حرب في الأصل. ولكن هذه الحكومة تسببت في كل ذلك لكي تظهر المجلس الانتقالي مجلسًا فاشلًا. هذا أولًا. ثانيًا، رغم ذلك مرة أخرى أقول إن الإمارات بذلت جهدًا لم تبذله أي دولة أخرى من دول التحالف على صعيد إعادة بعض المرافق الحيوية، وإعادة الأمن، ومحاربة الإرهاب. يا سيدتي العزيزة، إذا الإمارات أدت ما كان ينبغي أن تؤديه رغم ظروفها، والفاشل في ذلك حكومة رشاد العليمي والحكومات السابقة؛ كانوا هم سببًا رئيسيًا ومباشرًا، ولهذا وُجدت هذه الشكاوى.
رحمة: ماذا عن دعمكم للمجلس الانتقالي؟ لماذا لم ينعكس ذلك على وضع الناس في عدن وفي الجنوب تحديدًا، وأنتم تدعمونهم بمبالغ كبيرة، والسعودية تدعم بمبالغ كبيرة، وهناك دعم من المجتمع الدولي؟
عبدالخالق عبدالله: كل هذه المبالغ التي صُرفت من الإمارات والسعودية ذهبت، مع الأسف الشديد، في نفس الحلقة الفارغة، وهي حلقة الفساد. الفساد أولًا في هذه الحكومة، وفي كل هذه النخبة السياسية التي تدير الملف اليمني. وأعتقد أن نصف هذا الدعم المالي الإماراتي السعودي، نصفًا بنصف، ذهب إلى الفساد بدلًا من أن يذهب إلى معالجة القضايا الخدمية للشعب في الجنوب أو الشعب في الشمال. وبالتالي الفساد أولًا وثانيًا وعاشرًا هو السبب الرئيسي. وأنتِ تتحدثين عن الإمارات بشكل خاص، أنا أقول لك: اذهبي إلى سقطرى، وربما أنكِ لم تذهبي. هل ذهبتِ إلى سقطرى مؤخرًا؟
رحمة: لا، لم أذهب.
عبدالخالق عبدالله: أنا ذهبت إلى سقطرى ووجدت أن هذه الجزيرة المنكوبة المنسية، درة المحيط وبحر العرب، كانت هذه الجزيرة مهملة من الشمال والجنوب ومن العالم. جاءت الإمارات، وفرت كل ما تستطيع توفيره. واذهبي إلى هناك كما ذهبتُ لكي تتيقني من ذلك بنفسك. والآن سوف تعود هذه الجزيرة الجميلة الرائعة، التي لم أجد شواطئ أجمل من شواطئها، بعد هذه الانتكاسات. يعلم الله ماذا سيحدث، ورغم ذلك الإمارات ستكون حريصة على دعم الخدمات الإنسانية والاجتماعية هناك.
رحمة: لا أحد ينكر أن هناك اهتمامًا إماراتيًا في سقطرى، ودعت عددًا كبيرًا من السياح إليها، وعملت مشاريع كثيرة. ولكن الذي أهدر هذا الدعم أنت دكتور، أو من ضمن الناس الذين أهدروا هذا الدعم، ولأنه لم يكن لأجل سقطرى. وعندما تتصور وتظهر وتقول: هذه إمارة تابعة للإمارات العربية المتحدة، وما رأيته كان هناك استفزاز كبير للناس، وهذا جعل الكثير لا يشعرون بالامتنان للإمارات. ونحن قلنا سنتحاور ونحكي الحكاية بكل صراحة.
عبدالخالق عبدالله: الكلمة الصادقة والشجاعة والجريئة تستفز وقد تُثير. وأنتِ تقولين أحيانًا ما تقولينه وتستفزين لمن هم حولك أكثر مني. وبالتالي الكلمة الصادقة يجب أن تُقال، والرأي الشجاع يجب أن يُقال. وعندما أقول ما أقوله إن كان بحق سقطرى، فهو تعبير عن رأي الناس، وأنا لم أقل ذلك هباءً منثورًا، وإنما نقلت من قابلتهم من أكاديميين وإعلاميين وصيادي السمك في شواطئ سقطرى و ابناءها في الجبال. ولم أقل رأيًا اخترعته من وحي الزيارة، وإنما عبّرت عن رأي سمعته في الشارع.
رحمة: حتى مثلًا لو أقول: أبوظبي ليست إماراتية وإنما عمانية، وأنا هنا أقصد أنك كاتب شجاع وجريء، وهذه واحدة من القضايا التي يتحامل الناس عليك فيها. وأنا مثلك مستفَزّة كما ذكرت، ولكن حبيت أن أتطرق لها. فهل أبوظبي عمانية؟
عبدالخالق عبدالله: يا سيدتي العزيزة، مرة أخرى أنتِ في تقديري، لو أقارن استفزازي باستفزازك، أنتِ مئة مرة أكثر استفزازًا مني في هذه الأمور. فدعي هذا الموضوع، ولكن دائمًا أحترم هذا رأي شجاع وجريء ويقول الحق. والحق دائمًا يثير حفيظة البعض. وبالتالي لا أتبرأ، ومن يود أن يقول ما يريد أن يقول باحترام وتقدير وبدون بذاءة عن الإمارات، فليقل ما يود قوله. بعد هذا وذاك هذا رأيه، لكن لا أنا ولا أنتِ ولا أي إنسان عاقل ينبغي أن يقع في مستنقع البذاءة والسفاهة، وما أكثر ذلك خاصة في منصة إكس. وهذا موجود من حولنا، ولكن الرأي يجب أن يُقال باحترام وتقدير، وعلينا أن نتقبل الرأي باحترام وتقدير.
رحمة: نحن الآن أخذنا نبذة عن القضية الجنوبية وموقفك منها. دعنا الآن نبدأ ببداية الأزمة من ديسمبر 2025. ما بدر من المجلس الانتقالي، وأنت قلت إنه تصرف خاطئ: الاستفزاز والاعتداء. ولكن من المؤكد أن لديه سببًا، فلماذا عيدروس لجأ إلى ذلك؟ هل كانت نصيحة مقدمة من مستشارين إماراتيين؟ هل كان هناك استفزاز تعرض له عيدروس؟ هل كان هناك هدف معين؟ وهل صحيح ما يُطرح أن إسرائيل، بعد صومال لاند، حرّضت الجنوبيين على الانفصال بشكل مباشر؟ نريد أن نعرف بما أنك كاتب وباحث إماراتي؟
عبدالخالق عبدالله: ما لدي من معلومات ليس بأكثر مما لديك، ولكنني، وحسب تقديري، ما حدث خلال الشهر الماضي أنه تم اتخاذ قرار أولًا وقبل كل شيء في بداية ديسمبر، أعتقد 12 ديسمبر، أي ما يقارب الشهر، عندما قدمت مجموعة من القبائل الحضرمية المسلحة لاحتلال منشآت نفطية. أعتقد أن الأزمة تفجرت منذ تلك اللحظة. من الذي دفع بهؤلاء لكي يأتوا إلى منشآت نفطية وقاموا باحتلال تلك المنشآت؟ هل هذا بإيعاز إماراتي إسرائيلي أم بإيعاز طرف آخر؟ هذه التحركات القبلية المسلحة في حضرموت استفزت المجلس الانتقالي، الذي وجد أن هذه ثروة جنوبية ووطنية لا يمكن لقبائل ومليشيات مسلحة أن تأتي وتسيطر عليها. وهنا جاء قرار استعادة هذه الآبار النفطية والمنشآت النفطية، ومن هنا بدأت، في تقديري، المشكلة. ليس من إسرائيل أو الإمارات وكل هذا الضجيج الذي لا معنى له. وأعتقد ما حدث بعد ذلك كان في سياق الشعور بالإفراط بالثقة. هل كان الإخوة القادة في المجلس الانتقالي واعين أن الذهاب إلى حضرموت، وبعد ذلك إلى المهرة، سوف يستفز الجار السعودي؟ أعتقد أن هذا القرار قد اتخذ بمنطق غير محسوب، ولذلك بدأت الحديث بأن ذلك كان خطأ. وأحيانًا دول تتخذ قرارًا خاطئًا؛ أمريكا اتخذت قرارًا خاطئًا عند دخولها للعراق، ومثله المجلس الانتقالي بدخوله إلى حضرموت دون دراية، وبمنطقهم الخاص، وليس بإيعاز من الإمارات أو إسرائيل أو الشيطان أو الملائكة. هذا قرار اتُّخذ بناءً على إدراكهم لما هم فيه، وقد اتضح أنه قرار خاطئ فاشل، وأدى إلى هذه الكوارث.
رحمة: أنت قلت إن القرار الذي اتخذه المجلس الانتقالي في الاعتداء على المعسكرات أو السيطرة على آبار النفط في حضرموت والمهرة كان تصرفًا فرديًا خاطئًا، ولم تكن الإمارات خلفه.
عبدالخالق عبدالله: كوني واضحة قليلًا، لم أقل إن استعادة المنشآت النفطية قرار خاطئ، وإنما بعد التمكن من المنشآت النفطية واستعادتها، ما تداعا بعد ذلك ربما لم يُحسب حسابه بشكل عاقل، وبأخذ الاعتبار كل التداعيات الإقليمية، بما في ذلك استفزاز الأشقاء في المملكة العربية السعودية.
رحمة: إذًا السيطرة على آبار النفط، أو ما أقدم عليه الانتقالي، كان تصرفًا خاطئًا غير محسوب ويستفز الجيران، ولكن ربما الانتقالي أراد من خلال هذه الخطوة أن يعمل خطوة تموضع تفاوضي، أو أراد التغيير الكامل للسيطرة على جنوب اليمن.
عبدالخالق عبدالله: دعينا نقر المبدأ الرئيسي، لأنه في تقديري الشخصي، كان هذا القرار خاطئًا بحكم ما وصلنا إليه. هل دُرس هذا القرار لاعتبارات سياسية وإقليمية؟ هذا شأن حتى الآن لا أنا ولا أنت نعرفه بالتفاصيل، لأننا لا نزال قريبين من الحدث. ولكن من المؤكد أن المجلس الانتقالي الجنوبي اعتقد أن الوقت قد حان ليحسم هذه القضية حسمًا كليًا ونهائيًا، ودرس الخارطة العسكرية والسياسية في حضرموت والمهرة، ووجد أن الوقت ربما مناسب، وبمنطقه ودون أي إيعاز من أحد، ليس من الإمارات، وجد أن هذا الوضع يتطلب الآن حسمًا نهائيًا. مرة ثانية أرجع وأقول: ما ترتب على ذلك كان كارثيًا، أعادهم ثلاث أو أربع خطوات إلى الوراء. ما ترتب بعد ذلك أن قضية عادلة أصبحت اليوم في متاهة الرياض، ومتاهة يعلم الله إلى أين ستكون. وأنا في تقديري أن الحسابات ربما كانت حسابات الإفراط في الثقة. الجنوب العربي والمجلس الانتقالي الجنوبي، ربما أفرط في الثقة. وأحيانًا أنتِ وأنا ندفع ثمن الإفراط في الثقة؛ عندما يثق الواحد هذا يأتي بنتائج جيدة، ولكن عندما يفرط في الثقة في قدرته وإمكانياته، أعتقد أنه يدفع ثمن ذلك. وهذا ما حدث، بعيدًا عن سؤال التموضع وإسرائيل والخارج وغيره.
رحمة: أنت قلت إن الإمارات لم يكن لها أي علاقة أو تواصلت مع عيدروس أو أوعزت له بقرار السيطرة على مناطق في حضرموت والمهرة، ولكن لماذا ساهمت في إخراجه أو تهريبه من عدن؟
عبدالخالق عبدالله: أولًا، المؤكد عندي، أو في تقديري، أن هذا القرار اتُّخذ في عدن بدون العودة إلى الإمارات، وهي ليس لها دخل في هذا القرار. وتعرفي أن من هو محسوب عليك من أصدقاء وشركاء أحيانًا لديهم منطقهم واعتباراتهم وحساباتهم وأولوياتهم، وأحيانًا قد تتناقض مع أولويات أطراف أخرى، وأحيانًا لا.
رحمة: هل النائب عيدروس الزبيدي موجود في الإمارات؟
عبدالخالق عبدالله: لا أستطيع أن أؤكد أو أقول غير ذلك، أنا لا أعرف.
رحمة: والتسريبات التي تقوم بها قناة العربية غير منطقية، وفكرة أن قنوات محترمة تلجأ إلى تسريبات نصفها مضروب، هذا ليس منطقيًا، فقلت إنه ربما أنت تؤكد لنا.
عبدالخالق عبدالله: أنا لا أستطيع أن أؤكد أو أنفي وجوده عندنا. كل الذي نعرفه أنه غادر، ولكن إلى أين لا أعرف. وقد ربما تاه في بحر العرب، أو لجأ إلى مكان ما، ولكن ليس لدينا معلومة مؤكدة أنه موجود في الإمارات.
رحمة: دعنا الآن نرى كيف هي القضية الجنوبية، التي وصفتها بأنها قضية تحرر عادلة، كيف يمكن أن تتأثر من هروب النائب عيدروس الزبيدي، ومن سفر المجلس الانتقالي إلى الرياض، واتخاذهم قرار حل المجلس؟ إلى أي مدى يمكن أن تتأثر القضية الجنوبية بهذين الحدثين؟
عبدالخالق عبدالله: في تقديري، أعتقد أن عيدروس الزبيدي سيعود أقوى مما هو عليه، عاجلًا. متى؟ هذا أمر لا نعلمه. وأعتقد أن قضية الجنوب، بما شاهدناه من تلك الاحتجاجات الشعبية، قد انتكست في الوقت الحاضر وتراجعت، وهي لها خطوات، وليس خطوة واحدة إلى الوراء. ولكن هذه القضية راسخة في قلوب الشعب الجنوبي العربي. والمجلس الانتقالي، صحيح أنه تبعثر وتفكك لأسباب كثيرة، ربما قسرية، ولكن أعتقد أن هذا مجلس اتضح أنه راسخ ورقم صعب لا يمكن تجاوزه. وربما، بعد هذا وذاك، حسنًا فعل أن عيدروس لم يذهب إلى الرياض، لأنه لو ذهب ربما اختفى، وقد لا نسمع عنه، وقد يُفرض عليه أمور لم يكن يقبل بها. وبالتالي القضية موجودة وقائمة، وأعتقد أن عيدروس، أينما كان، سيعود أقوى مما كان عليه.
رحمة: هناك شيء غير منطقي: كيف المجلس الانتقالي راسخ، وقد أعلنوا قرار حلّ المجلس؟ أعضاء المجلس أنفسهم؟
عبدالخالق عبدالله: من أعلن هم مجموعة صغيرة، وليس كلهم، وربما تحت ظروف ليست متاحة. لا أعرف ما الذي يجري هناك. هل أنتِ على تواصل مع أي أحد منهم؟ لماذا انقطع الاتصال بهم مثلاً؟
رحمة: لم ينقطع الاتصال بهم، وهناك الكثير يتواصل بهم ويزورهم.
عبدالخالق عبدالله: بالنسبة لي، والذي أعرفه أن جميع وكالات الأنباء والصحافة يحاولون التواصل على رقم هاتف أحدهم، ولكن يجدون الهاتف منقطعًا.
رحمة: هذا يعني أنك تؤكد أن الاتصال بأعضاء المجلس الانتقالي في الرياض مقطوع، ولا نعلم أي معلومات عن مصيرهم.
عبدالخالق عبدالله: هذا ما قاله مراسل واشنطن بوست في الرياض، وهذا ما قاله لي شخصيًا مراسل رويترز. وكالات الأنباء تحاول الاتصال بهذه الأرقام ولا تجد ردًا. هذا ليس حديثي أنا.
رحمة: هذا كان بناءً على ما ذكرته وكالات أنباء عالمية، ولكن هناك سؤال آخر يتعلق بعودة النائب عيدروس الزبيدي. أنت قلت إنه عائد بقوة، وأعضاء المجلس الانتقالي عائدون بقوة. عائدون إلى أين؟ وغالبية اليمنيين حددوا موقفهم بما يتعلق بالانفصال. دول الخليج العربي والمجتمع الدولي موقفهم واضح من الوحدة اليمنية، والدور السعودي دور قوي وله حضور كبير في المنطقة، فإلى أين سيعود؟ لا يوجد غير إسرائيل.
عبدالخالق عبدالله: أنتِ مستفزة مليون مرة أكثر من أي كائن كان، ورغم ذلك أنا قبلت الحديث معكِ. ربّ العالمين وحده يعرف. ولكن لاحظي: من لا يزال متماهيًا بعودة الوحدة اليمنية، هذه في تقديري من الأمنيات والرغبات التي لا يمكن أن تتحقق خلال فترة حياتي وحياتك. الوحدة اليمنية ومن يتعلق بها كمن يتعلق بسراب. ثانيًا، قضية الجنوب وانفصاله، رغم أني لا أعتقد أن «انفصال» كلمة صحيحة، ولكن عودة دولة الجنوب إلى ما قبل 1990، بعلمها وحضورها في الجامعة العربية. وأعتقد أن دولًا كثيرة كانت على وشك الاعتراف بذلك رسميًا، وكان هناك طرح بذلك، واستقبلوا عيدروس وقادة الجنوب، وكنا على قاب قوسين أو أدنى من هذا الاعتراف الدولي الكامل بالجنوب. الآن الجنوب العربي كدولة مستقلة ذات سيادة حدثت له هذه الانتكاسة، وربما البعض يعتقد أنه ربح كثيرًا، ويعتقد أن القضية صُدر لها شهادة وفاة، ولكن كل ذلك غير صحيح؛ لأن هذه فكرة وقضية الجنوب العربي راسخة في قلوب الملايين من أهل الجنوب، ولا يمكن محو ذلك.
رحمة: أنا أريد ثلاث مطالب تتحدث عنها دائمًا للجنوبيين، حتى نعرف إلى أي مدى مطالب الجنوبيين عادلة، وقضية تحريرهم قضية منصفة.
عبدالخالق عبدالله: أجمع الثلاثة في مطلب واحد رئيسي وأساسي، وهو مطلب دولة مستقلة ذات سيادة تعبّر وتواكب رغبة 6,000,000 شخص أو أكثر أو أقل، لا أعرف العدد بالضبط، ولا توجد مطالب أكثر من ذلك. ثانيًا، توجّه لكل دول الجوار: الإمارات، والسعودية، وعُمان، أن يحتضنوا شعب الجنوب والجنوب العربي؛ لأنه قد أكد بما لا يدع مجالاً للشك بأنه طرف يُعتدّ به، وأنه جاء لكي يحارب الإرهاب والحوثيين. وثالثًا، الجنوب العربي أكد بما لا يدع مجالًا للشك أنه لا يشكّل خطرًا لا على السعودية ولا عُمان ولا على دول الخليج العربي، فأهلًا به شريكًا، وقد يكون انضمامه لمجلس التعاون الخليجي أقرب من انضمام اليمن، إذا ظلّت جماعة الحوثي محتلة صنعاء.
رحمة: دكتور، الذي أعرفه أن مطالب الجنوبيين مطالب عادلة، وهي تقريبًا خمس أو ست مطالب أتحدث عنها دائمًا، ولكن المطالب التي تحدثتَ عنها انت تؤكد بأنها ليست مطالب عادلة؛ أشخاص يريدون تمزيق وطنهم في ظل حرب، وبطريقة غير منصفة.
عبدالخالق عبدالله (مقاطعًا): تعبيرك «تمزيق» غير صحيح. كيف تقولين إنه تمزيق؟ السعودية، وعلى لسان سمو الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، قالت: «قضية الجنوب قضية عادلة، وسوف نحلها بالطرق السلمية». فكيف تقولين تمزيق وتمزق وانفصال وما إلى ذلك؟
رحمة: وماذا عن الإعلان الدستوري؟ أليس ذلك انفصالًا وتمزيقًا لليمن؟
عبدالخالق عبدالله: الإعلان الدستوري الذي أعلنه عيدروس الزبيدي قال فيه بالحرف الواحد: «سوف نجري استفتاء بعد سنتين من هذا الإعلان». وهو لم يقل: «أنا انفصلت وانتهى الأمر»، وقال إن هناك مرحلة انتقالية، وبتوافق عالمي وعربي وسعودي وإماراتي سوف نجري استفتاء. الإعلان كان واضحًا، فلماذا تقفزين على هذا الإعلان الذي جاء على لسان عيدروس الزبيدي؟ وهذا مطلب 6,000,000 من الشعب الجنوبي في عدن، والضالع، وأبين، وحضرموت، والمهرة، وبقية المحافظات، جميعهم مع بعض الاختلافات هنا وهناك، ولكن الأغلبية المطلقة هذا مطلبهم. فلماذا تعتبرينه تمزقًا، فقط لأنك تعتقدين أن الشمال محق في احتلاله وعدوانه الحالي على الجنوب العربي؟
رحمة: أنا لا أرى أي طرف محق، ولا أرى أن وصفك «6,000,000 يطالبون بالانفصال» وصف دقيق أو وصف مهني. ولكن دعنا نتحدث عن حجم النفوذ الفعلي للإمارات في جنوب اليمن حتى هذه اللحظة.
عبدالخالق عبدالله: إذا أخذنا قرار الإمارات بمغادرة قواتها التي كانت هناك، بالفعل وجدت الإمارات أنها أمام شقيق غاضب مما حدث، وكان من حقه أن يغضب. عندما رأت الإمارات هذا الغضب، لم تكن في وارد التفكير الاستراتيجي أن تُثير شقيقًا غاضبًا، فقررت، وبإرادتها إن صح التعبير - وكان يمكنها أن تبقى - ولكن هذا قرار عقل وحكمة. حينما شعرت بأن الشقيق في حالة غضب واستفزاز، فهل أقوم باستفزازه أكثر؟
الحكومة الشرعية طلبت مني المغادرة، أديت ما أديت وقمت بما قمت، ونفذت كل مسؤولياتي. الإمارات حتى هذه اللحظة لم تترك خلفها سوى حب الناس، وبالتالي أي علاقة لنا بالجنوب أو الشمال انتهت. لن نتدخل بعد اليوم، لا عسكريًا ولا سياسيًا ولا إلى آخره.
رحمة: هذا يعني أنكم سحبتم نفوذكم الموجود في جنوب اليمن، لأن سياسيين إماراتيين - بما فيهم أنت - كنتم تتحدثون عن وجود نفوذ كبير للإمارات في جنوب اليمن. والآن سحبتم جميع قواتكم العسكرية، فهل ذلك يعني أنه لم يعد هناك أي تدخل سياسي أو اقتصادي ولا أي دور إماراتي في جنوب اليمن؟
عبدالخالق عبدالله: صفر تواجد للإمارات في الوقت الحاضر على أي مستوى من المستويات التي ذكرتِها. وقد أغلقت الإمارات هذا الملف اليمني وسلمته إلى الأشقاء في السعودية، فعليهم بالعافية، وعسى أن يحققوا ما كنا جميعًا نطمح لتحقيقه، وهو هزيمة الحوثي والاستقرار والازدهار للجنوب العربي والشمال اليمني.. وبالتالي اليمن شُطب من الاهتمام الاستراتيجي الإماراتي.
رحمة: من المصالح الحيوية للإمارات، لم يعد اليمن ضمن مصالحها.
عبدالخالق عبدالله: لم نأتِ دفاعًا عن مصالح أو لنستولي على موانئ أو موارد. كل هذه المصالح والاعتبارات كلام فيه قدر من التضخيم والعبث في تقديري. الإمارات جاءت أولًا وأخيرًا بناءً على دعوة الشرعية لهزيمة الحوثي، وكنا نحن على مقربة من ذلك عندما كنا في 2019 في حدود الحديدة، ولكن حدث ما حدث بعد ذلك. الإمارات اليوم أغلقت الملف اليمني وشطبت عليه إلى أن يستجد جديد.
رحمة: حتى نتحدث أكثر بتفاصيل أوسع فيما يتعلق بإدارة البلدين أو النخبة في البلدين للأزمة بينهما، نريد أن نعرف: هل من حق السعودية أن تغضب بهذا الحجم؟ لأنك أنت ذكرت أنكم كنتم أمام جار غاضب، فهل لها الحق في أن تغضب بهذا الشكل؟
عبدالخالق عبدالله: نعم، وأعتقد أن قرار الذهاب بهذه القوة إلى حضرموت والمهرة قد استاء منه الأشقاء في السعودية، وهو استياء محق وغضب محق. وكان ينبغي على الإخوة في المجلس الانتقالي استشعار ذلك وسحب قواتهم أو التعامل معهم بطريقة حكيمة، ولكن مع الأسف الشديد لم يحدث ذلك. وبالتالي استياء المملكة العربية السعودية محق، وقرار الذهاب بعيدًا إلى حضرموت والمهرة خطأ وخطأ استراتيجي، ونرى تداعياته في الوقت الحاضر.
الإمارات أدركت كل ذلك من اللحظة الأولى، ووجدت أنه ليس من الحكمة بمكان إثارة الأشقاء في السعودية، وأدركت أنهم في حالة استياء وغضب، وبالتالي غادرت متسلحة بالحكمة والمرونة. طُلب منا أن نغادر فغادرنا، ولا يوجد أي بند في ذاكرة الإمارات أننا نزيد من هو مستاء استياءاً ومن هو غاضب غضبًا.
رحمة: ومن حقها، تخيّل، هي تحدّ اليمن بحدود 1300 كلم، هذا فقط طول الحدود ما بين البلدين. وكذلك الإمارات لا ترتبط بأي حدود مع اليمن. ولكن دعنا نقيم إدارة الأزمة بين الطرفين: الانتقادات والهجوم الإعلامي لإعلاميين سعوديين على الإمارات، والهجوم الإماراتي الإعلامي أو من النخبة في الإمارات على الدور السعودية والشخصيات السعودية، رغم أن الهجوم السعودي أكثر. كيف تقيم إدارة النخبة في البلدين للأزمة الموجودة بينهما؟
عبدالخالق عبدالله: الخلاف موجود، وأنا أسميه خلافًا، لأن الحلفاء يتشاجرون بين الحين والآخر. عندنا وعند غيرنا في حلف الأطلسي اليوم، أوروبا وأمريكا حلفاء وفي حالة تشاجر. فالحلفاء يتشاجرون. وفي الخليج أيضًا مرت علينا لحظات وتشاجرنا، ولكنهم يدركون أيضًا أن هناك ما يجمعهم. وكم من لحظة بعد التشاجر والتهدئة سوف يعودون إلى ما يربطهم، وما يربطنا مع السعودية وبقية الدول الخليجية أكثر مما يتوقع البعض.
هذا، أولًا وثانيًا، أنا أعتقد أن هناك بين السعودية والإمارات هذا الخلاف، وهناك طرف إماراتي وسعودي. وما أراه أنا أن الإمارات الآن قد التزمت بالتهدئة، ولكن أرى في نفس الوقت الأشقاء في السعودية في حالة تصعيد إعلامي وسياسي وما إلى ذلك. ولهذا هناك طرف يسعى للتهدئة وطرف لا يزال في سياق ومزاج التصعيد. وأعتقد لا توجد دولة عربية ولا دولة في العالم تؤيد التصعيد، والكل يدعو للتهدئة. فنحن أعتقد أننا في الجهة الصحيحة، المدعومة من كل دول العالم، ومن كل الدول القريبة والبعيدة من الإمارات.
رحمة: هل تعتقد، وأنت مراقب لما يتم، أن هناك أطرافًا أخرى - بعضها أكيد يمني - ساهمت في تأجيج الخلاف والأزمة ما بين السعودية والإمارات؟
عبدالخالق عبدالله: بكل تأكيد، ولا شك في ذلك. الذين يؤججون كانوا يؤججون في السابق، ويتمنون هذا الشقاق بين السعودية والإمارات منذ 2015، وقديم الزمان. ومن مصالحهم أن يجدوا أقرب الحليفين والجارين في حالة خلاف.
رحمة: هل تقصد دولًا خليجية؟
عبدالخالق عبدالله: لا، أنا أتحدث عن منظمات دولية، وفي بالي وبالك تعرفين من هم: تيار الظلام وتيار العبثيين.
رحمة: هل تقصد الإخوان المسلمين؟
عبدالخالق عبدالله: أنا لم أقل هذا الاسم، ولا أريد أن أذكرهم لا خيرًا ولا شرًا، ولكن أعرف أنهم تيار ظلامي عالق في الماضي، لا ينتعش سوى في مثل هذه الخلافات. فهذا التيار يوجه، ولا أستبعد أنه ربما أطراف أخرى، كالحوثيين، يريدون تأجيج هذا الخلاف، وهذا في صالحهم وتبعيتهم لإيران.
إيران ربما ترى أن هذا من صالحها عبر أطراف معينة تقوم بالتأجيج، ولا أستبعد أن هناك إسرائيل تريد لمثل هذه الخلافات أن تستمر. هناك أطراف خارجية تؤجج، نعم، وأطراف يمنية تود أن تؤجج هذا الخلاف السعودي الإماراتي. وأعتقد جميعهم سيُمنون بالفشل، لأن، كما قلت، الحلفاء أحيانًا يتشاجرون، وفي معظم الأحيان يكونون على توافق.
رحمة: أنت قلت بأن الإمارات أصبح تواجدها صفرًا في اليمن على كل الأصعدة، وبأنها هدأت وتُقدّر غضب السعودية. فلماذا السعودية لا تزال غاضبة، ولا يزال الهجوم مستمرًا؟ وهل هناك دول خليجية حاولت أن تقود وساطة بين البلدين؟
عبدالخالق عبدالله: هذا السؤال يُوجّه إلى الرياض، وليس إلى هذا الإماراتي الفقير المسكين الذي تستفزينه بهذه الأسئلة.
رحمة: أنت لديك مصادر معلومات.
عبدالخالق عبدالله: في الحقيقة، ليس لدي معلومات أكثر مما لديك، ولكن في تقديري الإمارات لبّت الطلب في الانسحاب، ولهذا لماذا المزيد من الغضب؟ وأعتقد أن البعض لديه في السعودية، وربما خارجها، أجندات ما بعد اليمن.
هناك البعض يعتقد أنه حققنا النجاح وهزمنا نفوذ الإمارات، فلماذا لا نذهب إلى المناطق الساخنة الأخرى، في الصومال والسودان؟ ولا يمكن الاستمرار في ذلك دون أن يكون هذا الفجور في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وأعتقد هذا جزء من الأمور.
ودائمًا عندما تكون هناك أزمات، فالأدبيات السياسية، سواء كبيرة أو صغيرة، هناك من يسعى للوساطة، وهذا أمر مفروغ منه. عندما تجرحي إصبعك وترين أقرب الناس لك لديهم حلول، فبالتالي هناك وساطات. وفي تقديري قد تكون خليجية: عمان، قطر، الكويت قد يقومون بمثل هذه الأدوار. ولكن هذا الخلاف أيضًا له وقعه في واشنطن، بين إدارة ترامب.
رحمة: كيف له وقع في واشنطن؟ وهل له علاقة بتصريح وزير الخارجية السعودي عندما قال: «خلافنا مع الإمارات تكتيكي ولا تقارب مع الإسلاميين»؟ ما تعليقك على تصريح وزير الخارجية السعودية؟
عبدالخالق عبدالله: الاحتمال وارد. أراد أن يرسل رسالة إلى أمريكا، وهو في عقر دار الولايات المتحدة، لكي يقول: ارتاحوا، خلافنا تكتيكي، والخلاف سيُحل قريبًا. وربما لا يحتاج وساطتكم، سنحلّه خليجياً وربما ثنائيًا.
وقد يكون هذا واردًا أنه حدّد تحديدًا، كما قيل، ولم يُنقل عنه شخصيًا، وقد نُقل من وحي حديثه مع أعضاء الكونغرس الأمريكية، أنه عندما طُلب منه توضيح لماذا هذا الخلاف، قال: هذا خلاف تكتيكي، وآني وليس عميقًا أو استراتيجيًا ولا عقائديًا. ونُقل عنه من مصدر من المصادر التي يُعتد بها.
رحمة: وربما هذا الخلاف قد يتفاقم، خصوصًا مع الملفات الإقليمية الساخنة التي ذكرتها، مثل سوريا والسودان والصومال. لأنه بدأ اهتمام سعودي كبير في هذه البلدان، فهل تعتقد على المدى القريب أن الخلاف يتلاشى أم يتاجج بسبب الملفات الأخرى؟
عبدالخالق عبدالله: هذا يعتمد على المزاج في السعودية، في الرياض تحديدًا. هل تعرفين مزاج السعودية الآن؟ هل هو لا يزال غاضبًا؟ هل الخلاف هذا سنذهب به ونصعده إلى ملفات أخرى؟
رحمة: اقرأ لي مزاجكم أنتم في الإمارات العربية المتحدة.
عبدالخالق عبدالله: مزاجنا في الإمارات تهدئة وتهدئة وتهدئة، والمرونة، والاحترام، والتقدير، والحكمة. والحكمة تعني، كما قال معاوية، هي شعرة تشدها وبعد ذلك تتركها.
وبيننا وبين السعودية الكثير من الود والتقدير والاحترام. والخلاف هذا طغى في الوقت الحاضر، ولكن الحكمة تتطلب أن التعامل مع هذا الخلاف، ومع الأشقاء الأعزاء في السعودية، بأكبر قدر ممكن من التهدئة. وهذا هو المزاج في الإمارات، وليتك تأتين غدًا لكي تلمسيه شخصيًا.
رحمة: أنت من المؤكد متفائل، وأنا الذي أقرأه وأعرفه أنه كانت هناك علاقة خاصة، وفيها الكثير من الود والتضحيات، بين الأميرين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد. فربما ما تقوله نراه على المدى القريب، ولكن هناك سؤال فيما يتعلق بعلاقة السعودية في إدارة الأزمة اليمنية بدون الإمارات: هل تتوقع أن تختلف السعودية مع أطراف يمنية على المدى القريب؟
عبدالخالق عبدالله: هذا ملف صعب، وندعو للأشقاء في السعودية أن يكونوا بقدر إدارة هذا الملف المعقد والصعب والشائك والمكلف. ودعيني أضع تحت «مكلف» عشرات الخطوط.
رحمة: هل تقصد مكلفًا ماليًا؟
عبدالخالق عبدالله: هو مكلف ماليًا، سياسيًا، استراتيجيًا، عسكريًا، بكل أبعاده. ولكن لو أخذنا حتى الملف من البعد المالي، فهو بحاجة إلى رواتب مئات الآلاف من الجنود شمالًا وجنوبًا، وكنا نتحمل نصف هذا الراتب.
رحمة: بدأت السعودية بالدفع، بما في ذلك لسقطرى، 500 مليون دولار بشكل أولي، وذكرت سقطرى ضمن هذا التمويل.
عبدالخالق عبدالله: 500,000,000 لا شيء. نحن نتحدث عن مليارات. وبالتالي هو مكلف ماليًا للسعودية، وسياسيًا إذا استمر هذا التصعيد.
وأنا أقول لك: في الإمارات المزاج العام التهدئة، والمزاج العام في السعودية التصعيد. ولهذا أول شيء التكلفة المالية، والسياسية في المحيط اليمني. فهل تستطيع السعودية تحمل كل ذلك بدون الإمارات؟
قد يكون لهذا، إذا استمر التصعيد، انعكاسات على مجلس التعاون. فهل من صالح السعودية أن نرى أن مجلس التعاون يُصاب بشلل وعطب؟ وهذا ليس من مصلحتهم.
كما أن التصعيد إلى مناطق أخرى بحاجة إلى تحالفات، وهو مكلف. لا تستطيع أن تذهب إلى هنا وهناك وتتوسع كثيرًا في أجنداتك الإقليمية في وضع مالي نعرفه جميعًا بأنه مكلف، ليس في اليمن فقط، ولكن أينما حلّ الطائر السعودي. الأمر متعب للسعودية.
ونتمنى لهم التوفيق فيما يسعون إليه، ولكن التصعيد ليس في صالح السعودية، ولا الإمارات، ولا الخليج، ولا استقرار المنطقة، ولا حتى اليمن.
رحمة: إذا طلبت المملكة العربية السعودية من الإمارات مرة أخرى، أو مستقبلًا، أن تتدخل معها في إدارة الملف اليمني، ماذا تتوقع؟ هل ستوافق الإمارات، وما هي الشروط التي تتوقع أن تفرضها الإمارات؟
عبدالخالق عبدالله: لا شروط بيننا وبين الأشقاء في السعودية، وهذا كلام ليس فيه حكمة. نحن والمملكة العربية السعودية على توافق في أجندات كثيرة، ذكرتِ بعضها. أمامنا ملفات مثل إيران، والحرب القادمة، وسوريا، ولبنان، واستقرار المنطقة، والحصانة الخليجية. فبيننا وبينهم الكثير من الملفات التي تقرّبنا بدلًا من أن تباعدنا. وبالتالي لا أتوقع أن السعودية ستطلب من الإمارات حاليًا، ولكن وإن طلبت، لا توجد شروط ولا أي معوقات، وكلنا على استعداد للتعاون مع السعودية لتحقيق الأمن والاستقرار. ولكن مرة أخرى أؤكد إن الأمارات قد ذُكرت بصريح العبارة، بأنها قد انسحبت من اليمن، ولا نودّ العودة إلى الشأن اليمني من جديد على المدى القصير على الأقل.
رحمة: كلامك جميل دكتور، ولكن أن تصل الخصومة ما بين البلدين إلى اتهام الإعلام السعودي للإمارات بأنها ساهمت في اغتيال شخصيات في اليمن، فأعتقد أنكم وصلتم إلى مرحلة من الصراع ليست بسهولة أن تعودوا خطوة إلى الخلف. وإلا، كيف ترى ذلك؟
عبدالخالق عبدالله: أنا أعتقد أنه لا زالنا على المستوى القيادي والسياسي والدبلوماسي لا يوجد أي شكل من أشكال الصدام والتصعيد. وفيما يخص الخصومة الإعلامية، فهي موجودة، وما نقرأه في صحيفة عكاظ ومن عناوين في جريدة الوطن، بالفعل هناك فجور في الخصومة، وهذا يدل في تقديري على بؤس في التعاطي مع هذا الخلاف. وربما هذا شحن ليس في صالح السعودية، ولا الإمارات، ولا استقرار الخليج العربي. وإن كان هناك أي كلمة أخيرة، نتمنى من الأشقاء في السعودية أن يعرفوا أن لهم قدرًا وتقديرًا واحترامًا في الإمارات على كل المستويات، ولم يبادروا أحدًا هذا الفجور الإعلامي بفجور مقابل في الإعلام الإماراتي، وأنتِ تتابعينه. وبالتالي، مرة أخرى، ربما هذا الخلاف قد يتعمق إذا كانت هناك رغبة في المزيد من التصعيد، وأعتقد أنني أراهن أنه بالإمكان احتواؤه.
رحمة: ما هي قراءتك لمستقبل القضية الجنوبية بعد رحيل، ولن نقول هروب رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي؟ ما الذي سيحدث خلال الفترة القادمة، خصوصًا وأنت متتبع لهذه القضية منذ سنوات؟
عبدالخالق عبدالله: في الوقت الحاضر أنا مثلك متشائم، وهناك تعثر وأخطاء قد ارتُكبت، وخطوات عادت إلى الوراء بشأن هذه القضية العادلة. وتصحيحها سيأخذ وقتًا، ولكنني أراهن على أن شعب الجنوب العربي حازم وحاسم في تحقيق تطلعاته المشروعة بدولته المستقلة. وبالتالي صحيح أن هناك انتكاسات، ولكن في تقديري أن هذا المجلس الانتقالي وقضية الجنوب ستعود أقوى مما كانت عليه بعد هذه الانتكاسات والتراجعات الأخيرة تحديدًا.
رحمة: جميل أنك متفائل على الأقل حول مستقبل جزء من اليمن، جنوبه. ولكن فيما يتعلق بالسلام مع الحوثيين، هل تتوقع أن يكون هناك سلام سعودي - حوثي؟ وأين الإمارات من عملية السلام هذه المتوقعة مستقبلًا؟
عبدالخالق عبدالله: آخر سؤال، ولن أرد على أي أسئلة من أسئلتك بعد هذا. اولاً أنا أعتقد أنه لا يمكن الثقة بجماعة الحوثيين. أنتِ تعرفين كم أن هذه الجماعة لا تتحلى بالثقة، ومصداقياتها صفر، وقد انقلبوا على أقرب حلفائهم، وتعرفين، ولا يوجد داعي لذكر أسمائهم. ثانياً هذه الجماعة تعتقد أنها حققت انتصارًا قوميًّا وعربيًّا في تضامنها مع أهل غزة، وتعتقد أنهم انتصروا لها. وبالتالي هناك اعتداد بالنفس. و ثالثاً هذه الجماعة عالقة في الماضي، إلى 1300 سنة من التاريخ، وتود أن تعيده وتؤسسه بما بدأت به هذه الجماعة الزيدية. ولديهم عداوة ما بعدها عداوة للسعودية، ويريدون تحرير مساحات من السعودية. هذه جماعة مهووسة، وفي الوقت الحالي لا أرى أي أفق للتصالح معها والسلام معها. والسلام معها سيتم وفق شروطهم، وشروط هذه الجماعة شروط مغالية وبعيدة عن الواقع، ولست متفائلًا بشأن الشمال.
رحمة: دكتور عبدالخالق عبدالله، الكاتب الإماراتي المعروف والمستفز لليمنيين في الشأن اليمني، والباحث والأكاديمي، أشكرك من أعماق قلبي لأنك وافقت على أن تظهر معي وتتحدث فيما لك وما عليك، بعكس الزملاء في السعودية أو دول أخرى، الذين أجّلوا النقاش إلى أن يروا إلى أين ستصل الأمور. أشكرك كثيرًا.
مشاهدينا، كما سمعتم، ماذا قال الدكتور عبدالخالق عبدالله: إنهم يتفهمون غضب المملكة العربية السعودية، وأنه لم يعد هناك أي وجود إماراتي، لا سياسي ولا عسكري، في اليمن. نلقاكم في حلقة قادمة، وضيف آخر.
ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة (اضغط هنا)