صنعاء 19C امطار خفيفة

تعز.. هل سقطت من "إعراب" الخارطة اليمنية الجديدة؟

في ظل ما يشهده اليمن من متغيرات متسارعة تعيد رسم خارطة البلاد، يبرز تساؤل جوهري يتطلب منا الوقوف أمامه بكل تجرد وشفافية: أين موقع تعز من "الإعراب" في هذا المشهد الجديد؟ إننا هنا لا ندعي المثالية السياسية، ولا نغرق في فلسفات جوفاء أو انفعالات عابرة، بل نتحدث بعفوية يفرضها الواقع المرير؛ لنبحث عما إذا كانت تعز اليوم حاضرة كـ "أمة ومشروع" في اليمن الذي يُحاك الآن، أم أنها باتت مجرد هامش في حسابات الكبار.

أعلم جيداً أن هذا الطرح قد يستفز دعاة المثالية الوطنية وأولئك المسكونين بهواجس المشروع الجامع، الذين طالما تغنوا بشعار "تعز هي اليمن واليمن هي تعز"، وهو الشعار الذي لُقبت بموجبه بـ "الحالمة". لكننا اليوم مدعوون للتجرد من نرجسيتنا المفرطة تجاه تاريخنا النضالي، لننظر بهدوء إلى ما آل إليه وضع المحافظة أرضاً وإنساناً. فالحقيقة التي نتلمسها هي أن تعز –رغم كونها الكتلة السكانية الأكبر– قد تراجعت لتصبح في أواخر أولويات اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، وكأن هذا الثقل الديموغرافي الذي يُفترض أن يحسم التحولات، قد أُريد له أن يُعطل ويُهمش.
لقد غدت تعز اليوم المحافظة الأكثر شتاتاً، حيث تم توزيع جغرافيتها "أثلاثاً" في تقسيم متعمد يهدف لإبقائها مجزأة وكسيرة. ومع امتداد الحصار لأكثر من عشر سنوات، تعاظمت معاناة المجتمع الذي غرق في الفقر والانقسام؛ فباتت مدينةً يسكنها شباب عاطلون عن العمل، وفقدت عائلاتها مصادر دخلها، بينما تُنهب مواردها وتُقسم جغرافيتها بدم بارد. ليس هذا فحسب، بل إنها تواجه اليوم أسوأ أزمة مياه في تاريخ البلاد دون أي تفاعل جدي يواجه هذه الكارثة الوشيكة، وكأن هناك عقاباً جماعياً يُمارس ضدها لشل حركتها ومنعها من تشكيل جبهة موحدة، لعلم الجميع أن تعز إذا ما اجتمعت كأمة، فإنه يصعب تمرير أي أجندة لا تخدم تطلعاتها.
إن المتابع للأحداث يدرك وجود شبه إجماع بين قوى خفية، داخلية وخارجية، على إبقاء تعز في حالة من الفوضى واللامشروع لتبقى خارج التسويات الكبرى. ويساعد في ذلك، بكل أسف، السلوك غير المسؤول لبعض مسؤوليها، وضعف الوعي، والانقياد خلف المصالح الضيقة على حساب مصلحة المحافظة. إننا اليوم بحاجة ماسة لمصارحة ومكاشفة قائمة على إعادة تقييم الأمور بكل وضوح، والوقوف على الحقائق لمعالجة الأخطاء السابقة، ووضع الحلول التي تعيد الاعتبار لتاريخ تعز وتضحياتها.. ما لم، فإننا سنظل مسلمين بهذا الواقع، ننتظر بمرارة ما سيفرضه الآخرون علينا...،
يتبع .

الكلمات الدلالية