صنعاء 19C امطار خفيفة

استعصاء الدولة في اليمن

رغم التضحيات الهائلة والتحولات الدراماتيكية التي شهدها اليمن خلال السنوات الماضية، ما يزال سؤال الدولة بلا إجابة سياسية حقيقية. لماذا أخفق اليمن، حتى الآن، في تحويل هذا الكم من الألم إلى مشروع سياسي قابل للحياة؟


هذا المقال لا يبحث عن حلول سريعة، بل يحاول مساءلة المنطق الذي تُدار به الأزمة، والتشكيك في البدائل المطروحة التي غالبًا ما تكتفي بمعالجة الأعراض، فيما تبقى الجذور بلا مساس. لقد جرى اختزال الدولة في الخطاب العام إلى خدمات ورواتب وأمن، وهي مطالب مشروعة بلا شك، غير أن التجربة أثبتت أن القفز إلى "الدولة بوصفها خدمة" دون إصلاح بنية الحكم وقواعد السلطة، لا ينتج سوى سلطات هشة تعيد إنتاج الفشل نفسه بأسماء جديدة.
لم تكن الحرب في اليمن مجرد صراع مسلح، بل تحولت تدريجيًا إلى بنية حكم عطّلت السياسة بوصفها فعلًا جماعيًا. فقد جرى إجهاض المحاولات الهشّة لتشكّل طبقات مدنية ونخب مهنية، مع صعود شبكات السلاح واقتصادات الحرب بوصفها الفاعل المهيمن، ما أفقد السياسة حواضنها الطبيعية قبل أن تكتمل. وبالتوازي، بات الاعتراف والتمويل الخارجيان مرهونين بالقدرة على التصعيد لا ببناء التنظيم أو امتلاك الرؤية، ما أدى إلى تهميش القوى الأكثر عقلانية وتنظيمًا. ومع تحوّل النجاة اليومية إلى أولوية قصوى، تراجعت السياسة كفعل جماعي لصالح حسابات فردية قصيرة الأمد. في مثل هذا السياق، لا تنمو السياسة، بل تُسحق قبل أن تمتلك فرصة التشكل.
تاريخيًا، لا تتشكّل النخب في ذروة الصراع، بل في لحظة الإنهاك العام؛ تلك اللحظة التي ينتقل فيها المجتمع من منطق التعبئة إلى منطق الإدارة، ومن سؤال "من ينتصر؟" إلى سؤال "من يدير الحياة اليومية؟". غير أن ما نشهده في اليمن اليوم لا يمثل ولادة سياسة، بل حالة إنهاك تُدار خارجيًا. فالتغييرات المتكررة في المجلس الرئاسي والحكومة لم تكن نتاج محاسبة وطنية أو ضغط اجتماعي، بل استجابة لاعتبارات إقليمية تتعلق بضبط الإيقاع لا بتغيير قواعد اللعبة. لم يكن المعيار هو الكفاءة أو الشرعية، بل مدى الانضباط ضمن منطق الإدارة الأمنية الإقليمية للأزمة.
غير أن هذا الضبط الإقليمي لم يُفرض بالقوة وحدها، بل وجد قوى داخلية تكيّفت معه، واستدعته، وأسهمت في إعادة إنتاجه. فقد تصرّفت سلطات الأمر الواقع، بمختلف ألوانها، كوكلاء محليين لاقتصاد الحرب والإغاثة، مستفيدة من استمرارهما، ومقاوِمة لأي مسار يهدد امتيازاتهما. وهكذا تشكّلت دائرة مفرغة تقوم على وصاية خارجية تبحث عن الاستقرار، ونخب محلية تبحث عن البقاء.
في هذا السياق، تضافرت أربعة مسارات رئيسية في صياغة المشهد اليمني الراهن، تمثلت في مسار سعودي حصر الحل في استقرار أمني جامد، ومسار إماراتي فتّت ما تبقّى من السيادة عبر شبكات نفوذ وتشكيلات محلية، ومسار إيراني استثمر في إطالة أمد الصراع وتحويله إلى ورقة تفاوض إقليمية، ومسار دولي استبدل ما تبقّى من مؤسسات الدولة بقنوات إغاثية. هذه المسارات لم تكن مجرد أخطاء في التقدير، بل استراتيجيات واعية لإبقاء اليمن في حالة "لا حرب ولا سلم"، بما يضمن احتواء أزمته دون حلّها، ويمنع تشكّل دولة مستقلة قادرة على إنتاج نموذج سياسي مقلق إقليميًا. وقد أدى هذا التداخل إلى تفريغ ما تبقّى من الدولة من مضمونها بوصفها عقدًا اجتماعيًا، وتحويلها إلى كيان مُدار خارجيًا، بما أعفى سلطات الأمر الواقع من مسؤوليات الحكم والحماية. والنتيجة لم تكن سلامًا، بل إدارة منخفضة الكلفة للفوضى.
وفي مجتمع أنهكته الحرب، يكتسب خطاب "الدولة الممنوحة"، القائم على الرواتب والخدمات بتمويل خارجي، جاذبية واسعة. لكنه في جوهره فخ سياسي، لأنه يقدم الدولة كهبة لا كعملية تاريخية تتطلب قواعد حكم واضحة، وتوازنًا في السلطة، وآليات مساءلة. والسؤال المؤجَّل دائمًا يظل: من يحكم؟ وكيف يُحاسَب؟
غياب النخبة ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة بيئة طاردة للسياسة ووصاية خارجية تُجهض أي لحظة سيادية. واليمن لا يحتاج نخبة تكنوقراطية معزولة، بل نخبة سيادية رؤيوية، قادرة على الاستقلال عن اقتصاد الحرب وشبكات المصالح عبر بناء مصالح بديلة. ويشمل ذلك تحالفات مع رأس المال الوطني المتضرر من استمرار الصراع، وخلق مسارات اقتصادية محلية مرتبطة بالإنتاج والخدمات المدنية لا بالجباية والعنف.
ولا تتشكل مثل هذه النخب بقرار سياسي، بل عبر مسارات تراكمية تبدأ بإحياء المجال العام في حدوده الدنيا. ورغم الإنهاك العميق، أظهر المجتمع اليمني خلال سنوات الحرب مبادرات محلية لافتة، من لجان مجتمعية ووساطات قبلية لفتح الطرق، إلى أشكال تنظيم ذاتي لإدارة الخدمات وحل النزاعات، وهي ممارسات لا تمثل حلولًا شاملة، لكنها تكشف عن "جنين سياسة" كامنة، تنبع من الحاجة إلى إدارة الحياة اليومية خارج منطق السلاح. كما يتطلب ذلك إعادة تفعيل الأطر النقابية والمهنية، ودعم نماذج الإدارة المحلية التي أثبتت، ولو في نطاقات محدودة، أن الحكم المدني ممكن حين تتوفر شروطه الدنيا.
ربما تكون الحرب في اليمن قد تعبت، لكن هذا التعب وحده لا يصنع دولة. فالفراغ الذي يخلّفه الإنهاك قد يُملأ بالفوضى من جديد ما لم يتحول إلى مشروع سياسي واعٍ، تقوده نخبة قادرة على تحويل الرغبة في الاستقرار إلى نظام مستدام. ولعل نقطة البداية الممكنة لا تكمن في انتظار لحظة كبرى، بل في أفعال صغيرة تراكمية تعيد السياسة إلى الحياة اليومية، تبدأ من انتزاع حق إدارة الشأن المحلي، بوصفه نواة للسيادة، لا هامشًا لها، وتمتد تدريجيًا نحو إعادة بناء الدولة من القاعدة إلى القمة.
ليست الحرب هي التهديد الأوحد لكيان اليمن، بل ذلك السلام الهش الذي قد يُفرَض كأمر واقع؛ ليعيد إنتاج الأزمات تحت غطاء الشرعية، ويكرس ارتهان الإرادة الوطنية للوصاية الخارجية.

الكلمات الدلالية