صنعاء 19C امطار خفيفة

الرياض تشرعن الانفصال بعلم الانفصال

8999 730X438

إن كاتب هذه السطور من مؤيدي القضية الجنوبية العادلة، ويؤمن أن ما جرى في حربَي عام 1994م و2015م من اجتياح وإقصاء ونهب وإلغاء للشراكة السياسية، يجعل من القضية الجنوبية قضية عادلة في جوهرها، لا خلاف على مظلوميتها ولا على حق أصحابها في الإنصاف والمعالجة الجادة. فقد شكّلت تلك الحروب جرحاً وطنياً عميقاً، وأنتجت واقعاً سياسياً مختلاً لا يمكن القفز عليه أو تجاهله عند البحث عن أي حلول جادة.

ومن هذا المنطلق، سعد اليمنيون، شمالاً وجنوباً، عندما تم إنزال علم التشطير عقب فرار رئيس المجلس الانتقالي، وإنزال علم الانفصال، ورفع علم الجمهورية اليمنية في المحافظات الجنوبية. اعتُبر ذلك المشهد حينها خطوة متقدمة ومبشّرة في اتجاه معالجة القضية اليمنية، بما فيها القضية الجنوبية، عبر مسار سلمي ووطني جامع، يعيد الاعتبار للدولة ورمزيتها، ويؤسس لحل سياسي لا يقوم على الإقصاء ولا على فرض الأمر الواقع.
وبذات الروح، استبشر كثيرون خيراً عندما جرى الإعلان عن دعوة الفصائل الجنوبية إلى لقاء تشاوري في الرياض، ورأوا في تلك الدعوة مؤشراً أولياً على نية جمع الصف، وفتح باب حوار جاد تحت سقف الدولة، فقلنا يومها: أول الغيث قطرة. غير أن الصدمة جاءت قاسية حين ظهر علم الانفصال وهو يغطي جدار قاعة ذلك اللقاء، في غياب كامل لعلم الجمهورية اليمنية، وهو مشهد لا يمكن تفسيره إلا بوصفه تعمداً سياسياً يتناقض مع التفاؤل الذي سبق اللقاء، ومع الالتزامات المعلنة للمملكة تجاه وحدة اليمن وأمنه واستقراره.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى ما جرى بوصفه تفصيلاً شكلياً أو خطأً بروتوكولياً. فالمشهد اليمني اليوم لم يعد يُدار فقط عبر مسارات الصراع المفتوح أو التفاوض المعلن، بل بات يُعاد تشكيله بهدوء عبر الرموز والصور واللقاءات التي تحمل رسائل سياسية أعمق من بياناتها المكتوبة. وما جرى في اللقاء التشاوري الذي استضافته الرياض تحت مسمى "حوار جنوبي–جنوبي" لا يمكن التعامل معه كحدث عابر أو نشاط سياسي محدود، بل كخطوة سياسية ذات دلالات خطيرة تمس جوهر الدولة اليمنية ووحدتها ومستقبلها.
فالحدث، في صورته ورمزيته، قدّم رسالة واضحة لا لبس فيها: غياب الجمهورية اليمنية كدولة ورمز ومرجعية. لم يكن غياب علم الجمهورية اليمنية عن قاعة اللقاء سهوًا تنظيمياً، بل فعلاً سياسياً مقصوداً، تُرجم بتغطية جدار القاعة بعلم التشطير، في عاصمة دولة تدخلت عسكرياً في اليمن تحت شعار استعادة الدولة والحفاظ على وحدته. وفي مثل هذا السياق، يصبح الصمت عن هذا الخلل مشاركة ضمنية في تكريس واقع سياسي جديد، لا يقوم على وحدة اليمن، بل على تجاوزها.
إن السماح بعقد لقاء سياسي بهذه الرمزية، وتحت رعاية دولة إقليمية كبرى، يعني عملياً منح شرعية لخطاب الانفصال، لا بوصفه رأياً سياسياً فحسب، بل كمسار محتمل تُبنى عليه علاقات سياسية وأمنية واقتصادية. فحين تُدار القضايا الوطنية الكبرى خارج إطار الدولة، ويُغيّب الدستور، وتُقصى المرجعيات الشرعية، فإننا لا نكون أمام حوار لمعالجة الأزمات، بل أمام عملية تفكيك هادئة للدولة.
ولا يمكن فهم خطورة هذا المسار من دون العودة إلى جذور الأزمة. فالمظالم التي لحقت بالمحافظات الجنوبية بعد حرب 1994م كانت حقيقية، وجرى خلالها الانقلاب على مشروع شراكة وطنية كان يُفترض أن يقوم على فترة انتقالية طويلة تؤسس لدولة مؤسسات. غير أن تلك المرحلة تحولت إلى إقصاء سياسي، واغتيالات لكوادر الحزب الاشتراكي، ومنع لرموز الدولة من ممارسة دورهم، وانتهت باجتياح عسكري حوّل الأرض والسلطة إلى غنائم حرب.
لكن تلك المظالم، مهما كانت جسيمة، لا تبرر اليوم استبدال مشروع الدولة بمشاريع جزئية، ولا تبرر التعامل مع القضية بوصفها كياناً مستقلاً خارج إطار اليمن. فالقضية العادلة، حين تُفصل عن سياقها الوطني، تتحول من مطلب إنصاف إلى أداة تفكيك، وتفقد بعدها الأخلاقي والسياسي.
والأخطر من ذلك أن البيان الصادر عن اللقاء لم يكتفِ بلغة المطالب، بل ربط بوضوح بين المسار السياسي والدعم الأمني والعسكري والاقتصادي، في إشارة لا لبس فيها إلى بناء واقع موازٍ لمؤسسات الدولة. هذا الربط يكشف أن الأمر لا يتعلق بحوار فكري أو تشاوري، بل بتأسيس بنية سياسية وأمنية مكتملة، تُدار خارج مؤسسات الجمهورية اليمنية، وتُنتج شرعية بديلة على الأرض.
وفي خضم ذلك كله، يغيب مجلس القيادة الرئاسي، وتغيب الحكومة، ويغيب أي حضور رسمي للدولة اليمنية، وكأنها لم تعد الطرف المعني بتقرير مستقبل البلاد. وهذا الغياب لا يمكن تفسيره إلا بوصفه تهميشاً متعمداً، أو قبولاً صامتاً بمسار يتجاوز الدولة ويعيد تعريفها من الخارج.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس الصراع المعلن، بل ما يُدار في الظل. فالدول لا تسقط دائماً بالحروب، بل تسقط حين تُفرّغ من معناها، وحين تُنتزع رموزها، وحين تُدار قضاياها المصيرية من دونها. وما جرى في الرياض، بصورته ورمزيته، يمثل خطوة في هذا الاتجاه، ويطرح سؤالاً لا يجوز الهروب منه: من يملك حق تقرير مستقبل اليمن، وأين موقع الدولة التي غابت عن القاعة، وعن الصورة، وعن البيان؟
إن تشريع الانفصال لا يبدأ بالبيانات الصريحة وحدها، بل يبدأ حين يُرفع علمه في قاعة رسمية، ويُقصى علم الدولة، ويُقدَّم ذلك على أنه حوار. وحينها، يصبح السكوت عن الرمز سكوتاً عن المصير.

الكلمات الدلالية