علي سالم البيض: سيرة رجل دولة بين المبدأ والتحوّل
يمثّل علي سالم البيض إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرًا وإثارةً للنقاش في التاريخ السياسي اليمني الحديث. ليست سيرته خطًا مستقيمًا ولا صورةً نمطية، بل مسارًا مركّبًا يجمع بين الصلابة الفكرية، والجرأة في القرار، والقدرة على التحوّل حين تفرض الوقائع نفسها. وفي قراءةٍ منصفة لمسيرته، تبرز مميّزاتٌ أساسية صنعت حضوره، وفسّرت بقاء اسمه حاضرًا في الذاكرة السياسية اليمنية.
أولًا: رجل تنظيم ودولة لا رجل شعارات
منذ بواكير انخراطه في العمل الوطني في جنوب اليمن، تميّز البيض بعقلٍ تنظيميّ صارم. لم يكن خطيبًا شعبويًا، بل قائدًا يؤمن بالبناء المؤسسي، وبأن الدولة تُدار بالقواعد لا بالأمزجة. هذا الميل إلى الانضباط جعله يصعد داخل الحزب الاشتراكي اليمني بثبات، ويُنظر إليه بوصفه رجل توازن داخل بنية حزبية معقّدة، اعتادت الصراعات الداخلية الحادّة.
الميزة هنا أنّه كان سياسيًا «بارد الأعصاب»، يُفضّل الحسابات الدقيقة على الاندفاع، ويقدّم استقرار الكيان على مجد اللحظة.
ثانيًا: الشجاعة في القرار التاريخي (الوحدة اليمنية)
يُحسب لعلي سالم البيض، دون مواربة، أنه كان أحد صنّاع قرار الوحدة اليمنية عام 1990. في لحظة إقليمية ودولية مضطربة، ومع انهيار المعسكر الاشتراكي، اختار البيض الرهان على وحدة اليمن بدل الارتهان لمصير دولة جنوبية معزولة.
لم يكن القرار سهلًا، ولا خاليًا من المخاطر، لكنه عبّر عن شجاعة سياسية نادرة: شجاعة الانتقال من دولة أيديولوجية مغلقة إلى كيان وطني مفتوح على احتمالات النجاح والفشل.
الميزة الجوهرية هنا هي الاستعداد لتحمّل تبعات القرار التاريخي، لا التراجع عنه عند أول اختبار.
ثالثًا: النزاهة الشخصية والزهد في الامتيازات
حتى خصومه السياسيين نادرًا ما اتهموا البيض بالفساد المالي أو استغلال السلطة لمصالح شخصية. عُرف عنه زهدٌ واضح في الامتيازات، وبُعدٌ عن مظاهر الترف السلطوي التي شاعت في محيطه الإقليمي.
هذه النزاهة لم تكن تفصيلًا أخلاقيًا فحسب، بل عنصر قوة سياسي؛ إذ منحت مواقفه وزنًا معنويًا، وجعلت خلافاته مع شركائه تُقرأ بوصفها خلافات مبدأ لا صراع غنائم.
رابعًا: الثبات على الموقف حين شعر بالاختلال
عندما بدأت اختلالات الشراكة بعد الوحدة تتراكم، لم يلجأ البيض إلى المناورة الصامتة، بل اختار المواجهة السياسية العلنية. سواء اتُّفق أو اختُلف معه، فإن موقفه عكس حساسية عالية تجاه فكرة العدالة في الشراكة، ورفضًا لأن تكون الوحدة غطاءً للإقصاء.
الميزة هنا ليست في النتيجة، بل في الوضوح: فقد عبّر عن قناعته بجرأة، ودفع ثمنها سياسيًا وشخصيًا.
خامسًا: شخصية إشكالية لكنها غير انتهازية
تُعدّ مسيرة البيض مثالًا على السياسي الإشكالي الذي لا يمكن اختزاله في صورة ملاك أو شيطان. لكنه، بخلاف كثيرين، لم يُعرف عنه القفز بين المواقف بحثًا عن المكاسب السريعة. تحوّلاته كانت حادّة أحيانًا، لكنها معلَّلة بسياق سياسي وفكري، لا بتقلّب مزاجي أو انتهاز ظرفي.
وهذا ما يجعل تقييمه أكثر تعقيدًا، لكنه أيضًا أكثر جدية.
خاتمة: لماذا يبقى علي سالم البيض حاضرًا؟
يبقى علي سالم البيض حاضرًا في النقاش اليمني لأنّه:
شارك في صنع لحظة تأسيسية كبرى.
تحمّل مسؤولية قراراته بدل التنصّل منها.
حافظ على قدر معتبر من النزاهة الشخصية.
مثّل نموذج السياسي الذي يخطئ ويصيب، لكنه لا يساوم على ما يراه مبدأ.
إنّ تقييم مسيرته بإنصاف لا يعني تبرئتها من الأخطاء، بل الاعتراف بأن اليمن الحديث صُنع على أيدي رجالٍ من هذا الطراز: معقّدين، شجعان، ومكلفين بالأسئلة الثقيلة أكثر من الإجابات السهلة.
رحمة الله تغشاه واسكنه الجنة