صنعاء 19C امطار خفيفة

غياب الحرية في اليمن وخنق أصوات المعارضة والنقد(11–14)

تكبّد الحكوماتُ الفاسدةُ والمستبدةُ الشعوبَ نفقاتٍ مهولةً على أجهزة القمع، والاستخبارات، والهياكل الصورية التي ظاهرها حماية الأمن وسيادة البلاد، وحقيقتها ملاحقةُ المعارضة والنقاد وأصحاب الرأي والتلصص عليهم. ووفق تقارير حقوقية، فإن انتهاكات هذه الأجهزة لخصوصيات الناس وملاحقة المعارضين والنقاد لا حدود لها.

وفي يمننا المنكوب تتعدد هذه الأجهزة بتعدد الفصائل المتناحرة؛ ففي صنعاء مثلاً: استخبارات عسكرية، واستخبارات الشرطة، وأمن سياسي وقومي، وأمن وقائي، ويتبعها نيابات ومحاكم جزائية متخصصة (غير دستورية). تُسخَّر هذه الأخيرة في الملفات الحساسة كغسل جرائم انتهاكات القانون المرتكبة من قبل الأجهزة الأمنية والاستخبارية المرتبطة بها، ويوجد مثل هذه الأجهزة أجهزة مماثلة في كلٍّ من: مأرب، وعدن، وحضرموت، والمخاء، وتعز، وكلها تُعنى بذات المهام.
وينكشف بُعدٌ آخر لخنق المعارضة والنقد حين تتحول السلطة إلى بنية سلالية تمنح النسب شرعية فوق القانون، وتحتكر لنفسها السلطة والمال، وهذا ما هو حال سلطة صنعاء؛ حيث إن إنتاج منطق الإمامة فيها جارٍ على قدم وساق عبر شبكات من بعض الشخصيات القبلية المنتفعة، والمذهبية، والهاشمية العصبوية المهيمنة. وهذه الشبكات السلطوية غير الراشدة سياسيًا تقرأ النقد والمعارضة قراءة خاطئة، وتعتبره تهديدًا لأساس نظامها وشرعيته، وتروج للعوام إعلاميًا أن مثل هذا النقد «خروجٌ» عن أوامر الله ورسوله، لا رأيٌ يُناقش.
وتشتد قبضة الأجهزة الأمنية على الأصوات الناقدة، وتُخضع أصحابها –بحسب تقارير حقوقية– إلى الملاحقة والرصد والتلصص والتلفيق الأمني، البشري والتقني من جهة، وتُحرّض الأتباع على إيذائهم من جهة ثانية، ويُضيَّق عليهم في وظائفهم ورواتبهم وفي شتى مصادر أرزاقهم من جهة ثالثة.
والمفارقة أن التلصص والرصد والانتهاكات التي تقوم بها هذه الأجهزة لا تتوقف عند المعارضين والنقاد فقط، بل تلاحق عددًا من المسؤولين المحسوبين على الصف نفسه ممن لم تصل الثقة فيهم بعد؛ لإدخالهم ضمن دائرة الثقة الضيقة.
وفي هذا الصدد تشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن الخصوصية الرقمية مستباحة من قبل الأجهزة الاستخبارية في العديد من البلدان عبر مراقبة الاتصالات وتسريب البيانات، مع تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي لتركيب صور وفيديوهات خادشة تُنشر لإسكات ناشطين وناشطات ومعارضين ومعارضات.
وفي الممارسة الإجرائية الشكلية والموضوعية تُرتكب، من جانب هذه الأجهزة، مخالفات جسيمة: قبض وتفتيش غير قانونيين، وإخفاء قسري، وانتزاع للاعترافات بالإكراه، والتعذيب، واستعمال القوة غير المبررة، وتلفيق تهم للمعارضين والنقاد.
وتظهر هذه الانتهاكات والمخالفات بوضوح أمام النيابات والمحاكم الجزائية المتخصصة (التابعة للأجهزة الاستخبارية)، لكنها تتجاوزها وتقوم بالدور المناط بها في تبييض سواد إجراءات الأجهزة الاستخبارية وشرعنة جرائمها؛ فتتعامل معها كأنها لم تكن، وتُبنى عليها أحكامٌ جائرة ظالمة بحق الأبرياء.
وهذه الأجهزة الاستخبارية كلها لها سجون مرعبة بعيدة عن الأنظار، ليس في نطاق سلطة صنعاء فحسب، بل وفي غيرها؛ فقد كشفت تقارير حقوقية أن سجون الانتقالي التي كانت تشرف عليها الإمارات في اليمن أسوأ من غوانتانامو وأبو غريب. ومن أمثلة سجون الإمارات في اليمن: سجن مطار الريان، وسجن بئر أحمد، وسجن الجلاء، وغيرها؛ حيث تعرّض المعتقلون فيها للتعذيب والحرمان من الطعام والماء، كما تعرضوا أيضًا للصعق بالكهرباء.
وكل جهاز من هذه الأجهزة المنتشرة في كل بقعة من بقاع البلاد يستنزف من قوت الشعب اليمني، الذي يتضور أغلبه جوعًا، مئات المليارات من الريالات والعملات الأجنبية بزعم مكافحة الفساد وحماية الأمن القومي للبلاد والسيادة الوطنية؛ وهي في الحقيقة وُجدت لغرض آخر: فلا فساد كافحته، ولا سيادة وطنية حافظت عليها، ولا كرامة الناس وخصوصياتهم نجت من انتهاكاتها.
فلو جرى تحويل جزء فقط من النفقات المهولة المخصصة لهذه الأجهزة لصالح التنمية الشاملة (تعليم، صحة، بنية تحتية، دعم اجتماعي)، لكان أثره على الأمن القومي أجدى وأعمق وأبقى من أجهزة لا أمن حققته، ولا سيادة وطن أنجزتها، ولا صانت كرامة الحياة الخاصة للناس؛ لكنها أبقتهم في هذا البلد رهائن الرعب والخوف والجوع والاستبداد والطغيان.
ويبقى المعارضون والنقاد في قلب المعادلة؛ فأصواتهم هي المستهدفة، وشخصياتهم هي الملاحقة من السلطة اليوم. وهي نفسها، مع عودة الدولة وانتصار لواء القانون وتطهير أجهزة السلطة الاستخبارية، ستصبح غدًا ممرًا آمنًا لفضاء حر، وستترجم أوجاعهم إلى فرص يعيد فيها الناس، في طول اليمن وعرضه، وظيفة الأمن إلى مسارها الصحيح: من حماية السلطة الظالمة إلى حماية الإنسان وكفالة حريته وحياته الخاصة في ربوع اليمن كله.
والله من وراء القصد.

الكلمات الدلالية