صنعاء 19C امطار خفيفة

وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(26)

الهجرة في الأرض عند الظلم

قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾

النساء: 97

--------------------------------------
1. متى تصبح الهجرة واجبًا أخلاقيًا؟
الهجرة في القرآن ليست هروبًا،
ولا تخليًا عن المسؤولية،
بل خيارًا اضطراريًا حين يُغلق الظلم كل سبل الإصلاح.
حين:
• يُمنع الحق من الظهور.
• يُقمع العدل بلا أفق.
• تُصادر الكرامة باسم القوة.
• يُطلب من الإنسان أن يتنازل عن إنسانيته ليبقى.
هنا تتحول الهجرة من رخصة
إلى واجب نجاة.
--------------------------------------
2. لماذا قال: أرض الله واسعة؟
الآية لا تعاتب على الضعف،
بل على الاستسلام للانسداد.
﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾
أي أن الظلم:
• ليس قدرًا مطلقًا.
• ولا جغرافيا مغلقة.
• ولا مصيرًا محتومًا.
الله لا يحاصر الإنسان في بقعة،
بل يفتح له أفق الحركة
حين يُغلق الطغيان أبواب الداخل.
--------------------------------------
3. ما الفرق بين الصبر والهجرة؟
الصبر فضيلة..
لكن الصبر على الظلم حين يمنع كل إصلاح
ليس دائمًا فضيلة.
القرآن يفرق بين:
• صبر يُصلح.
• وصبر يُكرّس القهر.
فإذا تحوّل الصبر إلى:
• تبرير للاستبداد.
• أو مشاركة في إدامته.
• أو خنق للإنسان من الداخل.
فالهجرة هنا تحرير للضمير.
--------------------------------------
4. هل الهجرة انسحاب من المعركة؟
لا..
الهجرة في منطق القرآن إعادة تموضع.
هي:
• نقل للإنسان من بيئة تقتل المعنى
إلى بيئة تسمح له بأن يكون إنسانًا.
• حفظ للفكرة من الإبادة.
• إنقاذ للطاقة قبل أن تتحول إلى يأس.
ولهذا كانت هجرة الأنبياء
بداية بناء لا نهاية رسالة.
--------------------------------------
5. أين نرى هذه السُّنّة اليوم؟
نراها حين:
• يهاجر أصحاب الكفاءات هربًا من القمع.
• يفرّ المفكر لأن الكلمة صارت جريمة.
• يترك الإنسان وطنه لا طلبًا للرفاه
بل بحثًا عن كرامة.
وهنا السؤال القرآني ليس:
لماذا هاجروا؟
بل:
لماذا ضاقت أوطانهم عنهم؟
--------------------------------------
6. ما خطر منع الهجرة عند الظلم؟
منع الهجرة مع استمرار الظلم يعني:
• تحويل الوطن إلى سجن.
• استنزاف الطاقات.
• تفريغ المجتمع من أفضل أبنائه.
• تراكم الغضب أو البلادة.
القرآن لا يقدّس الأرض
إذا تحولت إلى أداة سحق.
فالقداسة للعدل،
لا للجغرافيا.
--------------------------------------
7. رمضان وفهم الهجرة الداخلية
رمضان يعلّمنا نوعًا آخر من الهجرة:
• هجرة من الظلم الصغير.
• هجرة من التبرير.
• هجرة من الخوف الذي يشلّ الضمير.
ومن لم يستطع تغيير المكان،
فليبدأ بتغيير الموقف.
لكن حين لا يعود الموقف ممكنًا،
تبقى الأرض واسعة.
--------------------------------------
خاتمة
﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾
ليست توبيخًا للضعفاء،
بل كسرًا لوهم العجز.
فالظلم لا يُواجه دائمًا بالمواجهة،
وأحيانًا يُواجه بـ الانسحاب الواعي
حتى لا يُكسَر الإنسان من الداخل.
الهجرة في القرآن
ليست فقدان وطن،
بل حفاظ على الإنسان..
ومن حافظ على الإنسان
حفظ الفكرة،
وحفظ المستقبل.
وهذه سُنّة ثابتة قررها
القرآن الكريم
وتتكرر كلما ضاق العدل في مكان
واتسعت الأرض في غيره.
والله من وراء القصد،،،
غدا نلتقي- إن شاء الله- في وقفة وآية أخرى
طابت أوقاتكم/ن وتقبل الله منكم/ن

الكلمات الدلالية