يوم عابر في ذاكرة الوحدة
بعد تحقيق الوحدة بعام زار الرئيس علي عبدالله صالح، رئيس مجلس الرئاسة، ونائب رئيس مجلس الرئاسة الأستاذ علي سالم البيض، محافظة تعز، وكان من ضمن المناطق التي قرروا زيارتها مدينة التربة عاصمة قضاء الحجرية. وأثناء وقوف الموكب في مدينة النشمة عاصمة مديرية المواسط يومها، ترجل الرئيس ونائبه وسط مدينة النشمة، وتحديدًا أمام مبنى نادي شباب الميثاق الكائن في مدخل مقر المجلس المحلي لمديرية المواسط يومها، الواقع على الخط الإسفلتي المؤدي إلى مدينة التربة، ويوم تلك الزيارة كنت في مقر منظمة الحزب الاشتراكي اليمني بمديرية المواسط،
في المبنى المقابل لنادي شباب الميثاق التابع لشباب المؤتمر الشعبي العام في المديرية، ولحظة وصول الرئيس ونائبه كنت أتابع دخولهما إلى مقر النادي من نوافذ السكرتارية، وشاهدتهما يلعبان كرة التنس، ومن شرفات مقر الاشتراكي المطل على الشارع الإسفلتي الرابط بين مدينتي تعز والتربة، شاهدت الرئيس علي عبدالله صالح ونائبه الأستاذ علي سالم البيض، وهما يلعبان لعبة التنس التي شاهدتها لأول مرة في حياتي، لأن أغلب سنوات عمري قضيتها في الريف التعزي الذي لا توجد فيه أندية رياضية تمارس فيها هذه اللعبة، وكان الواقفون معي في الشرفة يفهمون هذه اللعبة، ويؤكدون لي أن النائب يجيد هذه اللعبة، والدليل فوزه لأكثر من خمس مرات على الرئيس.
وفجأة تحرك الموكب الرئاسي الزائر، ودخل إلى مقر المجلس المحلي لمديرية المواسط، واستقبلهم القائم بأعمال رئيس المجلس المحلي لمديرية المواسط، وكان يومها الرفيق ناجي يوسف حيدر الحمادي، المناضل المعروف، وأحد قادة المقاومة الشعبية، وأحد أبطال حرب السبعين يومًا. وأثناء دخول الرئيس ونائبه مقر المجلس المحلي، عدت إلى السكرتارية لأرتب بعض الأشياء، وأدون أسماء منتسبين جدد في سجلات الإحصاء الحزبي، وكان يومها مستلم السكرتارية الحزبية الرفيق الأستاذ مصطفى محمد أحمد الحضرمي، وكان يومها عضوًا في سكرتارية منظمة الحزب في المواسط.
وفجأة وصل الضيفان الكبيران إلى العمارة الكائن فيها مقر الاشتراكي ومقر المؤتمر في المديرية، وكانت الشقة التابعة لمقر المؤتمر مقابلة لنا، ولها أبواب مقابلة للأبواب التابعة لمقر الاشتراكي، فقد كان مقرا الحزبين في عمارة واحدة وفي دور واحد هو الدور الثالث في تلك العمارة التي كانت تحتوي على خمسة طوابق، وكانت عبارة عن مجمع يحتوي على عيادات مختلفة التخصصات، وكان فيها إدارة المركز التعليمي لمديرية المواسط، قبل أن تتقسم إلى ثلاث مديريات. وحين وصل الموكب الرئاسي، وأراد الدخول إلى مقر المؤتمر، كان باب المقر مغلقًا، لأن قيادة المؤتمر في المواسط لم تكن تفتح مقرها في الصباح، بل تفتحه أثناء المقيل إلى أذان المغرب كل يوم، وكنا في الاشتراكي اليمني في المقر المجاور لهم ننظم العمل، ونرتب جدول الدوام، ونفتح المقر كل صباح، ويستمر الدوام حتى صلاة العشاء يوميًا. ودخل الرئيس علي عبدالله صالح ونائبه إلى مقر السكرتارية، وكان المستقبل لهما في المكتب الأستاذ مصطفى الحضرمي، وأنا كنت في غرفة مجاورة أتابع عملي. وعند دخول الرئيس ونائبه إلى المكتب سأل صالح عن مقر المؤتمر، فقال له الحضرمي ذاك مقر المؤتمر، وأخبره أن الدوام يبدأ في مقر المؤتمر بعد الظهر، فضحك صالح وقال أصحابنا فتحوا مقر يخزنوا فيه. وتقدم ليصافح الحضرمي، وقال له كيف حالك يا مصطفى؟ واتضح أن صالح يتذكر الرجل من أيام هيئة تطوير الحجرية، حين كان الحضرمي عضوًا فيها، وكان علي صالح في ذلك الوقت قائدًا للواء تعز، وسبق لهما أن تعارفا. وفجأة دخل الرئيس ونائبه إلى مكاتب سكرتارية منظمة الحزب، ودخلا معًا إلى إدارة السجلات، وصافحاني، وسألني البيض عن اسمي فأجبته، فقال مازحًا أيش جابكم من حضرموت، ولم أكن أعلم يومها ماذا يقصد بسؤاله عن حضرموت، ولم أكن أعلم أن اللقب جعله يحتمل قدوم جدودنا إلى الشمال من حضرموت، إلا في سنوات لاحقة. وفجأة انبرى الأستاذ مصطفى الحضرمي مجيبًا على السؤال قائلًا يا سيادة النائب لا يخفاك أن أغلب سكان الحجرية تعود أصولهم إلى حضرموت، وتدخل علي صالح على الخط قائلًا هذا مصطفى محمد الحضرمي حضرمي من عندكم، مخاطبًا النائب البيض. وبدوره سأل الأستاذ مصطفى: من أي أسرة وأي عشيرة في حضرموت؟ فأخبره أن نسبه إلى آل السقاف، وأخبره أن أي حضرمي في الحجرية هو سقاف يعود نسبه إلى جد الأسرة المقبور في حضرموت السيد أحمد بن عبيدالله السقاف، وما لقب الحضرمي إلا نسبة لمحافظة حضرموت المنطلق منها آل السقاف إلى جميع المناطق والدول. ضحك نائب الرئيس وقال يعني جدودكم مهدوا لنا طريق الوحدة أنا والأخ الرئيس، وضحكا، وطلب منهما الأستاذ مصطفى محمد أحمد الحضرمي الكتابة في سجل الزيارات، فكتب كل واحد في صفحة انطباعه عن الزيارة، وخرجا معًا، وغادرا مقر الحزب متجهين إلى مدينة التربة.
هذه الزيارة موثقة في أرشيف إذاعتي صنعاء وعدن وقناتي عدن وصنعاء. هذا ما أتذكره عن لحظة عابرة في تاريخ الراحل علي سالم البيض الذي ظللت أحتفظ بتوقيعه وتوقيع علي عبدالله صالح في سجل الزيارات الذي اختفى قبل اندلاع الحرب بأيام، بترتيب من الزملاء في سكرتارية المحافظة، خشية مداهمة مقرات الحزب الاشتراكي اليمني في فترة الاحتقان التي سادت في تلك الفترة.
رحم الله البيض وأسكنه فسيح جناته.