البيض.. رجل اللحظات التاريخية الفارقة
برحيل القائد الوطني الاستثنائي الاستاذ علي سالم البيض، تفقد اليمن أحد أكثر الوجوه السياسية اليمنية صدقا ونقاءً، وإثارةً للأسئلة الثقيلة بنفس الوقت.
كان البيض الابرز والأكثر حضورا وفاعلية في قلب التحولات التاريخية، وأكثرها اللحظة التي حاولت فيها اليمن أن تعيد تعريف نفسها كدولة، لا كساحة غلبة، لكن الغلبة كسرت المشروع الوطني.
نعم، كان البيض رجل لحظات تاريخية فارقة، خاطر بكل ما لديه في كل منعطف. فبعد أحداث يناير 1986 الدامية، رأى البيض في الوحدة بين الجنوب والشمال "خيار بقاء" لا مجرد حلم قومي. وبتنازل تاريخي، وافق على إذابة دولة الجنوب بكامل مؤسساتها في كيان جديد، متحملا تبعات دمج أنظمة اقتصادية وسياسية وعسكرية مختلفة جذريا.
حمل البيض تجربة دولة في الجنوب، ثم دخل مشروع الوحدة وهو يرى فيه فرصة تاريخية لبناء شراكة متكافئة تقوم على المواطنة والعدالة وتوازن السلطة؛ لكن ذلك المشروع اصطدم بواقع هيمنت عليه الولاءات القبلية والمناطقية والرؤية الأمنية للسلطة، مقابل غياب ثقافة المؤسسات والتداول السلمي. فعادت معادلات القوة لتفرض نفسها، وانكسر المسار الذي راهن عليه البيض وكثيرون غيره بوصفه أفق الخلاص الوطني.
وسرعان ما تحولت الشراكة إلى صراع، ترافق مع تنفيذ اغتيالات سياسية لقيادات الدولة والحزب الجنوبيين، واختلال موازين القوة، وتفاقم الأزمة السياسية، التي أفضت إلى إندلاع حرب صيف 1994 التي قادها تحالف القوات الشمالية بزعامة علي صالح مع فصائل مسلحة جنوبية مناهضة للحزب الاشتراكي، بعدها أعلن البيض قيام جمهورية اليمن الديمقراطية من جديد بدستور دولة الوحدة، في مايو 1994، اي بعد شهرين من الحرب تقريبا، ولم يكن ذلك تتويجا لمشروع انفصالي قديم، بل كان "لحظة اضطرار سياسي" ورد فعل على ما اعتبر انقلابا على اتفاقية الوحدة.
إن تحليل ودراسة مسيرة البيض تكشف عن طبقات متعددة من التحولات الفكرية، والرهانات السياسية الجريئة، والإخفاقات التي لا تزال تتردد صداها حتى اليوم.
لم تكن تحولات البيض الدراماتيكية تلك من الثوري إلى رجل الدولة، إلى الوحدوي، ثم إلى المنفي، تقلبات شخصية بقدر ما كانت انعكاسا مباشرا لتحولات اليمن نفسها، التي ظلت تتأرجح بين حلم الوحدة وكابوس التمزق، وبين مشروع بناء الدولة ومسارات انهيارها المتكرر.
طوال مسيرته النضالية ظل البيض وفيا لقناعاته، صلبا في مواقفه، يتحمل نتائج خياراته دون مراجعات مصلحية أو تبدلات تكتيكية.
لقد عاش سنوات طويلة بعيدا عن الوطن، غير أن حضوره لم يغادر الوعي الوطني الجمعي، لأنه في تقديري ارتبط بسؤال جوهري يتجاوز الأشخاص: لماذا تعثر المشروع الوطني؟ وكيف تحولت السياسة إلى ساحة إقصاء؟ ولماذا فشلت النخب في حماية الدولة من منطق القوة والغلبة؟
إن رحيل الاستاذ علي سالم البيض، يعيد فتح هذه الأسئلة المؤجلة، ويذكرنا بأن التاريخ اليمني الحديث والمعاصر ما يزال يبحث عن سردية متصالحة مع ذاتها؛ سردية تعترف بالإخفاقات دون تشويه، وتفهم التجارب دون تحويلها إلى محاكم أخلاقية متأخرة.
كما أن هذا الرحيل في ظل واقع يمني أكثر انقساما وتعقيدا، يدعو النخب الحالية إلى استخلاص العبرة الأكبر: أن استمرار الدولة يتطلب اعترافا متبادلا، وشراكة حقيقية، وتضحية بالجزء من أجل الكل، قبل أن تصبح الخسارة عامة.
رحل علي سالم البيض تاركا خلفه سيرة سياسية نضالية هي بمثابة مرآة عاكسة لتاريخ اليمن المعاصر، بكل أحلامه الكبيرة وإخفاقاته المرة. فلم يكن البيض مجرد سياسي عابر، أكثر مما هو تجسيد حي للمفارقة الأساسية التي طبعت مسيرة هذه البلاد.
يبقى العزاء أن التاريخ، مهما تأخر، يحتفظ بمكانة لمن خاطروا وحاولوا بصدق ونقاء، حتى ولو انتهت محاولاتهم بالخسارة.