صنعاء 19C امطار خفيفة

البِيض.. من توقيع الحلم إلى ارتباك المعنى

البِيض.. من توقيع الحلم إلى ارتباك المعنى

علي سالم البيض رجل خرج من لحظة تاريخية كثيفة مشحونة بالأحلام، ثم تاه في خرائطها حتى صار جزءاً من ارتباكها لا من خلاصها. لم يكن شريراً بالمعنى البسيط ولا بطلاً بالمعنى الذي تحبه الشعارات بل كان ابن مرحلة أكبر من وعيه وأقسى من أدواته.

في حضوره شيء من القائد الذي ظن أن التاريخ يدار بالإرادة وحدها وشيء من العابر الذي لم ينتبه أن الأمم لا تقاد بالاندفاع بل بتوازن دقيق بين الحلم والحساب. حمل مشروعاً كبيراً لكنه حمله بيد مرتجفة، وبوعي لم يكتمل نضجه أمام تعقيد اللحظة اليمنية.
كان البيض نموذجاً لسياسي ظن أن الوحدة حدث يمكن توقيعه لا مساراً يجب حمايته كل يوم. فكانت النتيجة أن تحول الحلم إلى نزاع والمشروع إلى ذكرى والرمز إلى سؤال مفتوح على الخسارة. لم تكن هزيمته سياسية فحسب بل كانت هزيمة المعنى الذي كان يمكن أن يقيه السقوط في منطقة الالتباس داخل الذاكرة الوطنية.
في المنفى بدا كمن يحرس أطلال نفسه أكثر مما يحرس فكرة. كأن الزمن علق عند لحظة واحدة، فلم يتح له الانتقال من مقام القائد إلى مقام الحكيم. ظل مشدوداً إلى حكايته الأولى، فيما كانت البلاد تنسج حكايات أكثر تشابكاً وأشد وجعاً وأبعد عن بساطة البدايات.
البيض ليس حكاية خيانة كما يريد البعض ولا حكاية بطولة كما يريد أنصاره. هو حكاية التباس. حكاية رجل اصطدم بالتاريخ في نقطة معتمة، فلم يمتلك القدرة على قيادته ولا الشجاعة الكافية للانسحاب منه. وفي اليمن غالباً ما تكون هذه المنطقة الرمادية هي الحقيقة الأكثر صدقاً.
وبرحيله لا يطوي اليمن صفحة رجل بقدر ما يفتح صفحة أسئلة جديدة عن زمن كامل. يمضي علي سالم البيض وتبقى ظلاله معلقة في ذاكرة وطن لم يحسم بعد علاقته بتاريخه ولا مع رموزه الإشكاليين. يمضي فيما تبقى الحكاية مفتوحة، لأن بعض الشخصيات لا تُغلق بسطر وفاة بل تظل تعيش في أسئلة البلاد التي أنجبتها.

الكلمات الدلالية